التاريخ المغاربيبيوغرافياتاريخ المغرب

أحمد المنصور الذهبي.. سلطان “العصر الذهبي” للدولة السعدية

يعتبر عهد أحمد المنصور الذهبي أوج الدولة السعدية، وامتد ربع قرن، واتسم بالهدوء والاستقرار الشيء الذي انعكس على الحياة الاقتصادية، وعلى الحضارة المغربية بصفة عامة، وفي الميدان الخارجي اكتسب المغرب هيبة واحتراما كبيرين.

معركة واد المخازن وظروف تولي أحمد المنصور عرش المغرب

لما تولى عبد الله الغالب حكم المغرب ( 1557 – 1574 م ) فَرَ ثلاثة من إخوته إلى الجزائر خوفا من بطشه، وهم : عبد المالك وعبد المومن وأحمد المنصور. ولما تولى العرش ابنه محمد المتوكل ( 1576 – 1574 م )، أمَرَ السلطان العثماني سليم الثاني، حاكم الجزائر العِلج عَلي بتجهيز حملة عسكرية لمساعدة الأمير عبد المالك السعدي على استرداد الحكم من يد إبن أخيه، فتم ذلك بسهولة، وسيطر عبد المالك على المغرب إبتداء من 983 هـ.

فالتجأ المتوكل إلى البرتغال، وقرّر ملكها دون سباستيان مساعدته، حيث كانت لديه مشاريع للسيطرة على المغرب، وجهز حملة صليبية لغزو المغرب. ولمواجهة هذا التحدي، إتحد المغاربة قاطبة للدفاع عن بلادهم، فقامت الزوايا من جديد، تحت إشراف السعديين، بتجنيد المجاهدين من مختلف أقاليم المغرب، ووقعت المعركة يوم 30 جمادى الأولى 986 هـ الموافق 4 غشت 1578 م، وقد استذرّج المغاربة البرتغاليين إلى ميدان مناسب للمغاربة، وهو رقعة ضيقة بين وادي اللكوس ورافده وادي المخازن .

” وأرسل مولاي عبد المالك أخاه مولاي أحمد مع أهل الفحص .. وأمرهم أن يهدموا قنطرة وادي المخازن بالليل وكان وادي المخازن كله أجراف ومهاوي، لا مشرع له سوى القنطرة .. قائلا لهم إن النصارى إذا انهزموا لم ينج منهم أحد “

ووصف كذلك المؤرخ المجهول بعض جوانب المعركة قائلا:

” وكان عَدَدُ المسلمين ستة وثلاثين ألفاً، والنصارى مثلهم مرتين أو أكثر … وكانت لهم خيول أكثر من عشرة آلاف مُصفَحات بالزرُود (الدروع الحديدية)، وكانوا يهجمون يميناً وشمالاً وقد أفسَدُوا ناحية أهل فاس، فتراجعت الناس، واشتعل القتال، وحميت النّار، وشرع الطعن والضرب، وصعقت صواعق البارود .. والمسلمون يُقاتلون عدوهم فهزم الله الكُفار، ولما انهزم النصارى رجعوا إلى وادي المخازن هاربين يُؤمُون القنطرة، لم يجدوا إلا أَثرَهَا فَصَارُوا يخوضون في الوادي من غير مَشرع، ومن دخل فيه منهم لا يخرج منه، ويتساقطون في الوادي من أجْرافِه، وقد أحاط المسلمون بهم وأخذوا يقتلونهم كيف شاءوا، ويأسرونهم كيف أرادوا، فَهلَكُوا عن آخرهم قتلاً وأسْراً، قُتل أكثرهم وأسر منهم يسيرا “.

وتُسمى هذه المعركة أيضاً، معركة القصر الكبير أو معركة الملوك الثلاثة ، لأنه قُتل فيها الملك البرتغالي دون سِباستيان، والملك السابق للمغرب محمد المتوكل، كما تُوفي عبد المالك السعدي خلال المعركة من مرض كان يعاني منه، وهناك روايات تاريخية تشير إلى تسميمه قبل المعركة من قبل الأتراك !

إقرأ أيضا معركة واد المخازن نصر مغربي أم عثماني

فتولى بعده أخوه أحمد الذي تلقب بالمنصور بعد هذه المعركة. وكان من نتائج هذا الانتصار إكتساب المغرب المهابة بين الدول الأوروبية، التي صارت تحترمه وتسعى إلى صداقته، بل وتطلب مساعدته، كما أن العثمانيين امتنعوا عن كل محاولة لغزو المغرب.

أما أحمد المنصور فبالاضافة إلى مجد الانتصار فقد امتلأت خزائن دولته بالذهب الذي دُفِع في فداء أسرى البرتغال، فاشتهر أيضاً بـ المنصور الذهبي .

تعزيز السلطة المركزية

كان تنظيم المخزن السعدي مشابها لتنظيم المخزن المغربي في عهود الدول المغربية السابقة، ويتكون من مجلس مُصغر يسمى الديوان، وهيئة من الكتاب، وظل الوزير والحاجب أهم عناصر المخزن، وفي الأقاليم يُعين قواد ينوبون عن السلطان في فرض الأمن وجباية الضرائب، إلا أن الجديد هو أن هذا المخزن تأثر بالأتراك وخاصة في الألقاب مثل الباي والباشا.

كما أدخل المنصور بعض مظاهر الملك، مثل المظل الكبير الذي يرفع في مواكب السلطان.

وكوَّن المنصور جيشا نظاميا، حيث أعاد تنظيم فرق الأجانب التي كونها أسلافه متأثرا أيضا بالمظاهر التركية في أسماء الفرق والأزياء، وينقسم هذا الجيش إلى قسمين كبيرين : الفرق الأجنبية والفرق المغربية.

  • فرق الجنود الأجانب وتنقسم إلى فرقتين : العُلوج ( الأوروبيين الذين أسلموا ) ومن انضم إليهم من الأندلسيين، والثانية فرقة الأتراك وزواوة ( قبائل جبلية جزائرية ).
  • فرق مغربية من الجند النظامي والمتطوعين وتتكون أساسا من قبائل سوس وقبائل الكيش وهي أساسا من عرب بني معقل كالأوداية وغيرهم.

وأعجب المنصور بمظاهر الاستعراضات في الجيش العثماني فأدخلها إلى المغرب.

وينقسم ( الجيش ) إلى كتيبتين إحداهما ذات اليمين والأخرى ذات الشمـال … وَأمامها الطبل العظيم الذي يُسْمع صوْتهُ علَى البُعد .. ومن خلفه الطبول الأخرى التي تُقرع مع المزامير المعروفة بالغيطات … وَمزامير أخرى وجِعاب طِوالٌ صُفْرية على مقدار النَّفير تُسمَّى الطُرْنْبِطات ) الفشتالي : « مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفاء

تعزيز مكانة المغرب الدولية

قام أحمد المنصور الذهبي بمجهود كبير للمحافظة على كيان المغرب، فقد شعر بخطورة الأطماع الأجنبية في المغرب، وعرف كيف يستفيد من صراع الدول الأوروبية فيما بينها، ومن نتائج معركة وادي المخازن التي أكسبت المغرب سُمعة كبيرة في أوروبا، لقدرته على القضاء على القوة البرتغالية التي كانت من أعظم الدول في ذلك العصر.

وقد حافظ المنصور على أسس السياسة الخارجية السعدية، فاتّخذ موقف الحذر من الأتراك دون محاولة إثارتهم، وهادن الإسبان دون التحالف معهم.

وأقام علاقات جيدة مع إنكلترا، وكانت لديه مشاريع للتحالف معها ضد إسبانيا بسبب العداوة التقليدية التي أججها انتصار وادي المخازن على البرتغال، والتي ضمت إلى إسبانيا إثر تلك الهزيمة. فشجع المنصور الملكة اليزابث على الحرب ضد اسبانيا.

وهذا ما ذكره مؤرخ الدولة السعدية عبد العزيز الفشتالي في كتابه مناهل الصفا

فَأظلم الجو على طاغية قشتالة .. وتهالكت في مُشاقته الأمم النصرانيّة، فَكانَ أشدّهم تكالبا عليه … والتضييق عليه والأخذ بمخنقه إيزَبيل ( يقصد إليزابث ) سُلطانة ممالك بلاد إنكلَطيرَة لإغراء مولانا أمير المؤمنين إياها … بما أَمَدّها به من النُحاس لتفريغ مدافع النار، وإطلاق ملح البارود لها بالشراء من ممالكه الشريفة، وإمدادها بالمعادن التي أعوزتها ببلادها

ونشطت التجارة مع إنجلترا، فكان تجارها يستوردون من المغرب ويصدرون إليه بضائع متنوعة منها:

صادرات المغرب
إلى انجلترا
واردات المغرب
من إنجلترا
السكر – ملح البارود – الجلود – التمور – اللوز – الصمغ – ريش النعام – الشمع – القمح – الذهبأقمشة كتانية وقطنية – أسلحة وذخائر حربية – مصنوعات متنوعة : ساعات ، الآلات الموسيقية.
التوابل – التبغ

أما البلدان الأوروبية الأخرى، فكانت العلاقات معها طيبة بصفة عامة، ولكنها لم تصل إلى أهمية العلاقة مع إنجلترا. فبالنسبة لفرنسا وقع تبادل سفارات، وعُين قناصل في موانيء مغربية عديدة. ونفس الشيء بالنسبة لهولاندا التي كانت العلاقة معها في بداياتها في عهد المنصور، وستتعزز بعد ذلك.

أدت جهود أحمد المنصور الذهبي في إطار تعزيز جهاز الدولة، وإكساب المغرب الهيبة والاحترام بين الدول إلى استتباب الأمن داخليا، والسلم مع الدول الأجنبية، الشيء الذي انعكس إيجابيا على الحياة الإقتصادية وعلى العمران والثقافة.

بحث أحمد المنصور الذهبي عن موارد اقتصادية جديدة للدولة

اكتسبت صناعة السكر أهمية كبيرة في عهد المنصور، وقد وجدت زراعة قصب السكر في المغرب قبل السعديين بعدة قرون وشجع محمد الشيخ السعدي هذه الزراعة بسوس، وفي عهد المنصور صار هذا النشاط احتكارا للدولة، وفرض زراعة القصب على نطاق واسع خارج سوس.

ومن أعظم آثاره ( أحمد المنصور الذهبي ) … المعاصر السُكريّة التي ابتدع رسومها واخترعها ببلاد حاحا وشُوشاوة … فجاء للناس فيها بآية الإعجاب والغرابة إذ يرون ذلك مما تختص به تربة بلاد سوس » الفشتالي : « مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفاء

وَكَانَ مجموع الانتاج المغربي من السكر يصدر كله تقريبا إلى الخارج وخاصة بريطانيا، لأن السكر لم يكن مادة استهلاكية بالمغرب، حيث كان المغاربة يفضلون العسل الأجود والأرخص، وقد حقق المنصور أرباحا هائلة من هذه الصناعة التي شكلت مداخيلها قسطا هاما من مداخيل خزينة الدولة.

النظام الضريبي

وشكلت الجبايات أهم مورد للخزينة، لأنها مثلت أكثر من نصف المداخيل، ونظرا لحاجة المنصور إلى أموال طائلة لمواجهة متطلبات الدولة، فقد فرض ضرائب ثقيلة.

” وكان المنصور على ما هُوَ عَلَيْه من ضخامة المُلك وسِعة الخراج ( يقصد الضرائب عامة )، يُوظف على الرعية أموالاً طائلة يُلزمهم بأدائها، وزاد الأمر على مَا كان في عهد أبيه … وكانت الرعية تشتكي منه لذلك، ونالها إجحاف منه ومن عماله ” الافراني : ” نزهة الحادي “

وكانت أنواع الجبايات متعددة، فهناك الجبايات الشرعية ( الزكاة والأعشار والجزية على اليهود ) وهناك النايبة التي استحدثها السعديون، والتي حولها المنصور من ضريبة عيْنية إلى ضريبة نقدية، وضريبة الخراج، التي يؤديها سكان السهول أساسا، وهي أثقل الجبايات وتسببت في ثورات عديدة، أخمدت بالقوة. فكانت البوادي هي التي تؤدي القسط الأوفر من الضرائب مما أثر على معيشة سكانها.

ومع ذلك فإن الجبايات المتعددة والثقيلة لم تكن كافية لتلبية حاجات المنصور، فظل يبحث عن مداخيل أخرى.

ضم السودان

بدل المنصور جهوداً كبيرة إنتهت بضم السودان إلى الدولة السعدية المغربية. فقد أدّى اهتمام أحمد المنصور الذهبي بتنمية موارد الخزينة إلى التفكير في ضم حوض النيجر الغني بانتاجه من الذهب، وحاول في البداية ضم السودان بطرق سلمية دبلوماسية لكن بدون جدوى وعندئذ قرّر فتح السودان بالقوة.

فجهز المنصور الجيوش وأرسلها نحو السودان ابتداء من سنة 1590 م، تحت قيادة القائد المغربي جؤدر باشا، فتم القضاء على امبراطورية سونغاي، وسيطرت القوات السعدية على أملاكها، إلا أن تلك القوات لم تصل إلى مناجم الذهب، كما لم يتم العثور في السودان على ما تصوره المنصور من ذهب، ومع ذلك أرسلت إلى مراكش غنائم هامة.

فَدخل لدار السُلطان إثنا عشر مئة مملوك بين الجواري والغلمان … وَأَرْبَعُونَ جملاً من التبر (الذهب الخام)… وأحمال كثيرة من العاج والبينوس ، وكور غالية وقطوط الغالية، وذخائر السودان، فتذخر من ذلك مولاي أحمد المنصور الذهبي، وَقَويّ مُلْكُهُ، وبقيت جباية السودان تأتيه في كل سنة.

المؤرخ المجهول : تاريخ الدولة السعدية

وقد ساعدت كميات الذهب المجلوبة من السودان كغنائم، ثم كجبايات سنوية على مُوازنة نفقات المنصور في أواخر عهده بعد انخفاض مداخيل السكر، فسك عُملة ذهبية جيدة، كان لها تأثير حسن على التجارة. وكان أحمد المنصور يتطلع إلى احتكار الدولة للتجارة السودانية بعد فتح السودان، إلا أن الفتح لم يؤد إلى تنشيط تلك التجارة، بل زعزعها وأضعفها.

الازدهار الحضاري للمغرب

عرف المغرب في العصر السعدي ازدهاراً حضاريا عاما ناجما عن الاستقرار، ورعاية بقايا التراث الأندلسي الذي حمله المهاجرون الأندلسيون.

وقد شكلت مدينة مراكش رمزا للعمران في العهد السعدي، فقد اهتم السعديون بمراكش وأعادوا لها بهاءها، ويعتبر عبد الله الغالب أكثر ملوك السعديين اهتماما بالبناء والتشييد، وهو الذي زود مراكش بمُنشئات كثيرة أعادت لها مظهر العاصمة.

وقد استقر السعديون في القصبة الموحدية التي جدّدوها وأقاموا بها قصورا لسُكناهم، وأهم تلك القصور هو قصر البديع الذي شيّده المنصور واستغرقت أعمال بنائه 16 سنة.

ووصف الإفراني استعدادات أحمد المنصور الذهبي لبناء قصر قصر البديع بمراكش في كتابه نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي فقال :

وحَشر لهُ الصُناعَ حتى من بلاد الفرنجة ( يقصد أوروبا ) فَكان يجتمع كل يوم من أرباب الصنائع ومهرة الحكماء ( المهندسين ) خلق كثير حتى كانَ ببابه سوق عظيم، وَجَلَبَ لَهُ الرخام من بلاد الروم ( يقصد ايطاليا )، فكان يشتريه منهم بالسكر وزنا بوزن.

وخصص المنصور قصر البديع لإقامة حفلات الاستقبال لإظهار عظمته لأفراد شعبه وللسفراء الأجانب ودولهم من خلالهم.

دعم أحمد المنصور الذهبي الحياة الثقافية

وازدهرت الحياة الثقافية في العصر السعدي، بسبب الاهتمام الكبير لملوكهم بالتعليم والثقافة خاصة وأن مؤسسي الدولة فقهاء تولوا التدريس، وكان سائر ملوكهم متوفرين على مستوى ثقافي جيد.

ومع انتشار النفوذ السعدي في المغرب عامة، استعادت الحياة الثقافية نشاطها بعد ركود في العهد الوطاسي، فتعددت المراكز التعليمية والثقافية في الحواضر والبوادي، بعد إصلاح مساجدها ومدارسها والانفاق على المدرسين والمتعلمين بها.

ومن مظاهر ازدهار الثقافة العناية بالكتب، فازدهر التأليف ونسخ الكتب وتداولها في مختلف التخصصات، فعادت للمغرب عشرات الخزانات التي اشتهر بها من عامّةٍ وخاصّةٍ، وتعتبر الخزانة الملكية السعدية مثالا على تلك الخزانات، حيث ضمت آلاف المجلدات الثمينة.

وبرز عدد من المؤلفين والعلماء في مختلف التخصصات. واستقبل المغرب عددا من مشاهير الأدباء والعلماء من خارجه مثل أحمد بابا السوداني وأحمد المقري التلمساني.

لقد كان أحمد المنصور الذهبي رجل دولة حازم عرف كيف يحافظ على التوازن داخل البلاد، وإزاء الدول الأجنبية، الشيء الذي ضمن للمغرب في عهده هدوءا عاما نجم عنه رخاء نسبي. إلا أن تردده وضعفه في علاج مشكلة ولي عهده المأمون الذي أظهر سلوكا سيئا، ثم الوفاة المفاجئة للمنصور بسبب وباء الطاعون الذي اجتاح المغرب في 1603م، فتحا الباب لعهد من الفوضى والاضطراب.

المصدر
المؤرخ المجهول ، تاريخ الدولة السعدية التكمدارتيةالإفرني ، نزهة الحاديعبد العزيز الفشتالي ، مناهل الصفا في مآثو موالينا الشرفا
الوسوم

‫3 تعليقات

    1. هم من سلالات الأشراف الذين تعاقبوا على حكم المغرب خلال العصر الحديث والمعاصر

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق