التاريخ الاوربي

أسباب الثورة الفرنسية

واكب التطور الاقتصادي والاجتماعي في فرنسا، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، صعود الدور الاقتصادي للطبقة البورجوازية، فتطلّعت معه إلى تغيير النظام القديم، بكل ما يرمز إليه من حكم مطلق وامتيازات. وقد تضافرت عدة عوامل عملت على تفجير الثورة الفرنسية التي أجهزت على ذلك النظام.

النظام الاجتماعي والسياسي في فرنسا قبيل الثورة

1. بنية المجتمع الفرنسي

كان المجتمع منقسما إلى ثلاث هيئات متمايزة، وتضم كل منها فئات متباينة من حيث مواردها ومستوى عيشها ونفوذها.

* فهيئة الإكليروس (رجال الدين) كانت تستحوذ على أراضي شاسعة وتتمتع بعدة حقوق.

من بين المخالفات سوءا للشعب في فرنسا ما تتمتع به عِلْيَةُ الإكليروس من الثروة العظيمة والفراغ والإعفاءات من الضرائب والبذخ الخارق. وقد تكونت هذه الثروات في القسط الأكبر منها من عرق الشعب، فمنه يتلقّى الإكليروس ضريبة قاسية باسم العُشُر، وكان فرضها بحجة خدمات الكنيسية، غير أن علية الإكليروس أسندت تلك الخدمات إلى … عامة الإكليروس (الفئة السفلى من رجال الدين) … وبرغم المؤمنون على أداء حقوق المَعْمودية (من طقوس المسيحية) في الزواج و دفن الأموات دون الإنقاص من ضريبة العشر.»

من دفتر مظالم إقليم إیکس Aixe

وكانت هيئة النبلاء تحتل عمليا المرتبة الأولى في المجتمع، فلها أراضي واسعة، ومعفية بدورها من الضرائب. وقد خولت لها الحقوق الفيودالية المفروضة على الفلاحين موارد هامة، ومنها حق الكراء الإجباري القاضي باستعمال الفلاحين لمرافق يحتكرها السيد كالطاحونة والفُرن، وحق السخرة القاضي بإنجاز الفلاحين لأعمال مجانية لفائدته، وحق الدخل والإنتاج عن عملهم في الأرض التي تعتبر ملكا للسيد.

أما الهيئة الثالثة، فكانت تمثل أكثر من %96 من المجتمع الفرنسي، ويؤلف الفلاحون القسم الأكبر منها، غير أن البورجوازية كانت تمثل الفئة الحية فيها.

وقد عانت الهيئة الثالثة من الظلم الاجتماعي، فبالإضافة إلى ما كانت تؤديه من حقوق إلى الكنيسة والنبلاء، ناءَتْ تحت ثقل الضرائب التي تدفعها إلى الدولة عن طريق مباشر كالضريبة على العقار والرؤوس على المداخيل، وعن طريق غير مباشر كضريبة الملح التي أحترت الدولة بيعه.

2. الحكم المطلق

توطدت الملكية المطلقة في فرنسا بصفة خاصة منذ عهد لويس الرابع عشر.

نحن لا نتلقّى تاجنا إلا من الله، فإلينا وحدنا يعود حق إصدار القوانين التي بموجبها نَقُودُ رعايانا ونحكمهم دون ارتباط و مشاركة

من خطاب لويس الخامس عشر سنة 1770م عن : تاريخ الثورة الفرنسية / ألبير سوبول

وكان الملك يستعين، في تحمّل أعباء الحكم، بحكومة، ومجالس استشارية ومحاكم قضائية. وقد تمیز الوضع السياسي بعدة مساوئ ومشاكل منها :

  • سوء استعمال السلطة، حيث كان يرمى في السجن بأي انسان عن طريق “الأوامر الملكية المطبوعة” دون محاكمة أو تحقيق.
  • الإنهاك من جراء حروب خاضتها فرنسا داخل أوربا وفي ما وراء البحار، كحرب السبع سنوات والثورة الأمريكية وقد ألحقت بها خسارات مادية جسيمة.
  • وفضلا عما سبق فقد تميزت مواقف لويس السادس عشر منذ توليه العرش في 1774، بالضعف و التردد، وتدخل زوجته ماري أنطوانيت MARIE-ANTOINETTE في شؤون الحكم.

3. دور المفكرين

نمت في فرنسا في القرن 18م حركة فكرية غذّاها تطور العلوم ومناهجها وتطور النظام السياسي في إنجلترا، فجاءت هذه الحركة بأفكار جديدة نشرت الوعي بين صفوف الشعب الفرنسي، ولذا دعيت الفترة بعصر الأنوار.

وقد أبرز هؤلاء المفكرون عيوب المجتمع الفرنسي، فانتقد فولتير امتيازات النبلاء والعقائد الدينية، ودعا إلى نبذ كل نظام لا يقوم على أساس العقل، وألح مونتسكيو في مؤلفه «روح القوانين» على ضرورة الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وكان لروسو دور متميز في الحركة الفكرية، حيث أبرز في كتابه «العقد الاجتماعي» أفكار جديدة عن الحرية والمساواة والسيادة.

ليس تأسيس الحكومة عَقْدا “اجتماعيا” بل قانونا، وأن الذين تودع لديهم السلطة التنفيذية ليسوا أسيادا للشعب وإنما موظفوه، وبوسع الشعب رفعهم أو خلعهم عندما يرغب في ذلك.

روسو – «العقد الاجتماعي»

كما عملت جماعة من المفكرين وعلى رأسهم دیدرو Diderot (1781-1713م) على تأليف الموسوعة (دائرة المعارف) التي كانت مرجعا لمختلف العلوم والفنون، وساهمت في نشر الأفكار الجديدة وتقويض المعارف الخرافية.

ولقد ألّفت تلك الأفكار الأساس الذي أبرز مساوئ النظام القديم، كما كوّنت المشروع الفكري للنظام الجديد.

الأسباب المباشرة للثورة الفرنسية

1. الأزمة الاقتصادية

تعرض الاقتصاد الفرنسي للتدهور لاسيما منذ منتصف الثمانينات من القرن الثامن عشر.

فقد حلت الأزمة بالميدان الفلاحي، ومن ذلك نقصان إنتاج العلف في 1785م، وضالة المحاصيل الفلاحية في 1787 و 1788م فأدّت هذه الأزمة إلى تقليص موارد الفلاحين، وجعلت الكثير منهم يعيش في بؤس، كما أدت إلى ارتفاع مهول في أسعار المواد الغذائية بينما لم تعرف الأجور ارتفاعا مماثلا.

وعرفت الصناعة الفرنسية بدروها أزمة أسهمت فيها المعاهدة الفرنسية-الانجليزية التي أبرمت في 1786م، وانفتحت أسواق فرنسا، بمقتضاها، أمام المصنوعات الانجليزية وكان لذلك أثره على رجال الصناعة.

19 ماي 1787م - وجدت في "أبفيل"، أرباب المانیفاكتورات ... مهتمين بالسياسة، فقد انتقدوا بعنف المعاهدة التجارية الجديدة مع بريطانيا العظمى
22 ماي - تحادثت مع كثير من صناع أميان، فوجدتهم متفقين كل الاتفاق في الرأي مع نظرائهم في أبفيل
نونبر 1787م - لقد وُوجهت المعاهدة في مدينة "ليل" بكره شديد لأنها شكلت الضربة القاضية التي لم يسبق لمانیفاكتوراتهم أن تعرضت لها
                             عن : مذكراته/آرثر پونج Arthur Young

کا أفرزت الأزمة أفواج من العاطلين والمستائين من الوضع الاجتماعي والسياسي.

2. العجز المالي

قاسَتِ الملكية في فرنسا من عجز مالي كبير ناتج عن تكاليف الحروب التي خاضتها في أوربا وخارجها وعن إغداق الأموال على نبلاء البلاط والحاشية الملكية.

إن جلالتكم نفسها فوجئت لما علمت أن هذه المنح المختلفة تكون حاليا عبئا سنويا … إنها نوع من النفقة مجهول تقريبا في كثير من الدول.

نیکر Necker / من تقرير مقدم إلى الملك سنة 1781م

ولم تكن مداخيل الضرائب كافية لتحقيق التوازن مع النفقات، لذلك عالجت الحكومة العجز باللجوء إلى القروض، کما اهتم “المراقبون العامون في المالية” (وزراء المالية) منذ تورغو Turgot (1776 – 1774م) بإدخال إصلاحات استهدفت الاقتصاد في نفقات البلاط وإصلاح الضرائب.

وقد تأكدت مع «کالون» (1787 – 1783م) ضرورة تعميم الضرائب على الجميع بهدف حلّ العجز المالي، غير أن ذلك رُفِض من ذوي الامتيازات، کما عارض “برلمان باريس” كذلك، تسجيل أية ضريبة لا يصادق عليها مجلس «الهيئات العامة». وقد تفاقم الوضع في صيف 1788م واشتدت الأزمة.

ولا يمكن أن تجمع أي ضرائب في “الدوفينيه” (Dauphiné) وغيرها من الأقاليم، وفي كل يوم ترد الأنباء بحركة جديدة من حركات التمرد والعصيان من مختلف أرجاء المملكة».

من تقرير دبلوماسي انجليزي في باريس-غشت 1789م – عن «التاريخ الاجتماعي للثورة الفرنسية / نورمن هامبسون – ترجمة فؤاد اندرواس

وقد أرغمت اضطرابات الأقاليم ورفض الإصلاح في الضرائب، الملك لويس السادس عشر على استدعاء مجلس الهيئات العامة إلى الانعقاد.

3. دفاتر المظالم والمطالب

طالبت الهيئة الثالثة بمضاعفة عدد ممثليها في مجلس الهيئات العامة، بحيث يصبح مساويا لمجموع ممثلي الهيئتين الأخريين، وتمكنت من فرض مطلبها، ثم عرفت فترة التهييء لانتخابات الممثلين رفع مختلف الهيئات لدفاتر تتضمن شکایاتها ومطالبها وتميزت دفاتر الهيئة الثالثة بتوجهها الثوري، وتضمنت يلي:

  • إقرار دستور .
  • إلغاء جميع امتيازات البلاء ورجال الدين
  • أن تؤدى الضرائب من طرف الهيئات الثلاث بدون استثناء وكل حسب قدرته،
  • الإلغاء التام لضريبة العشر،
  • الإلغاء النهائي لضريبة السخرة.
  • تمكين العامة من تولي المناصب الدينية والعسكرية حسب الاستحقاق.
  • حرية الصحافة وحرمة المراسلات
  • إلغاء الأوامر الملكية المطبوعة.

ودافعت دفاتر النبلاء عن الحقوق الفيودالية، أما دفاتر الإكليروس فدافعت بدورها عن حقوقها كجباية العشر. وبالإضافة إلى دفاتر المظالم والمطالب تميزت الفترة بصدور عدة صحف وكرّاسات تتناول مسائل الوضع السائد.

لقد عانى المجتمع الفرنسي من حيف النظام الاجتماعي والسياسي السائد بفرنسا، حيث لم يكن ملائما لتطلعات البورجوازية، كما أن المفكرين انتقدوه وقدموا تصورات عن قيام مجتمع جديد، فترتب عن الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة استدعاء مجلس الهيئات العامة، وجاءت أغلبية النواب في المجلس راغبة في بناء مجتمع جديد.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق