بيوغرافيادراسات علمية

الفريد نوبل.. مخترع الديناميت وصاحب جائزة نوبل

شخص عبقري، أسس “علم” المتفجرات، وفي الوقت نفسه، دعم السلام والتآزر بين الشعوب، وسعى، بطريقته الخاصة، إلى تشجيع ما فيه خير الإنسانية. إنه السويدي الفرد نوبل Alfred Nobel.

السنوات المبكرة من حياة ألفريد نوبل

ولد الفريد برنار نوبل سنة 1833، بستوكهولم. وكان والده، إمانويل نوبل، قد أفلس. كان إمانويل ذاك شخصا عصاميا، وجعل من نفسه مهندسا معماریا ومقاولا، وتمكن، بكده وذكائه، من الارتقاء عاليا في السلم الاجتماعي.

ولكن حدث ما حدث، ولم يكن ذلك الشخص الاستثنائي ليقر بالهزيمة، فهاجر إلى روسيا صحبة أفراد عائلته. واستقر ببطرسبورغ، وافتتح فيها معملا للأشغال الميكانيكية.

كانت البدايات صعبة، ولكن سرعان ما ابتسم له الحظ سنة 1854، فقد اندلعت حرب القرم بين روسيا القيصرية والامبراطورية العثمانية، وطلبت منه حكومة قيصر روسيا تزويدها بألغام (تستعمل في البحر) وبسفن بخارية. وتحسنت أوضاع إمانويل نوبل إلى أبعد الحدود. ثم وضعت حرب القرم أوزارها، ولم تعد الحكومة تطلب منه شيئا. وحل الإفلاس ثانية بإمانويل، فعاد إلى السويد، تاركا اثنين من أبنائه في روسيا.

کان ألفريد قد عاد إلى السويد رفقة والده، الذي تمكن من الاغتناء، مجددا. وكانت بنية الطفل شديدة الهشاشة، حد أن أبويه كلفا مربیا بالسهر على أحواله.

لم يكن، وهو في العشرين، قد اجتاز أي امتحان، ولكنه كان يتكلم، بطلاقة، الإنجليزية والألمانية والفرنسية، إضافة إلى السويدية والروسية. وكان مهتما بالأدب، شغوفا بالفلسفة، كما كان يكرس أغلب أوقاته للقيام بتجارب كيميائية.

اختراعات الفريد نوبل

وهكذا قادته أبحاثه إلى الاهتمام بمتفجر خطير : النيتروغليسرين. وقد اكتشف أن استعمال هذا المتفجر يصبح أسهل إذا ما تم خلطه بمادة ماصة هامدة، مثل الرمل الخثّي، الذي هو نوع من رمال الصوان القابلة للتفتت، فتمكن من صنع «مسحوق متفجر»، وحصل على براءة الاختراع المتعلقة به، سنة 1867. وهذا الخليط القابل للانفجار أسهل في الاستعمال من مادة النيتروغليسرين السائلة. بعد ذلك بثماني سنوات، فكر نوبل في خلط النيتروغلسرین ب «قطن الانفجار»، فحصل (سنة 1875) على متفجر أكثر قوة من الديناميت.

Nobel_laboratory مختبر ألفريد نوبل
مختبر الفريد نوبل Nobel laboratoire

وفي سنة 1888، اكتشف بارودا دافعا. عن هذه الاكتشافات الثلاثة، تولد نشاط صناعي عارم فيما يتعلق بالمتفجرات، اكتسب منه نوبل ثروة عظيمة. وكانت له مداخيل أخرى، إذ كان يستغل مع إخوته حقول البترول الموجودة بسفوح جبال القفقاس، في مدينة باكو. هكذا أصبح على رأس إمبراطورية صناعية شبيهة بتلك التي أسسها جون د. روکفیلر (1839-1937).

وقد اختار الفريد نوبل مقرا له بباريس. وكان يشرف، انطلاقا منه، على المختبرات التي يتم فيها تجریب متفجرات جديدة، والمصانع التي تصنع المتفجرات، والمكاتب التي تتولى بيعها. وذاع صيت نوبل، لكنه لم يكن ليهتم بذلك. بل إنه كان يقول :

«لا أعتقد أنني أستحق الشهرة، ثم إني لا أحبذ ما تستتبعه من ضجيج»

وكان لا يطيق أن یكال له المديح، وكانت الحفلات التي يدعى إليها تبعث في نفسه أحاسيس السأم، كما كان يتهرب من المحافل … ولذا نُعت بأنه «أغنى متسكعي أوربا».

حياته الشخصية

ولم يتزوج ألفريد نوبل، رغم أنه التقى فتاة بباريس، أحبها على الطريقة الرومانسية وألهمته محاولاته الأدبية الأولى. ثم التقى بعد ذلك بامرأة شابة تصغره بثلاث وعشرين سنة، وحاول أن يرفع من مستواها، ثقافيا واجتماعيا، وإذ أخفق في ذلك، حدثت القطيعة بينهما.

وزادت تلك الحادثتان من حدة اكتئابه، الذي کثیرا ما جعله برما بالحياة. وقد كتب، ذات مرة، الجملة التالية :

«كان يجب أن يخنق هذا الكائن المسيخ، المسمى الفريد نوبل، حالما أعلن بصرخة عن مجيئه إلى العالم».

وفي صوره، يبدو وجهه معذبا، ونظرته قلقة، ويرتسم على شفتيه تعبير عن الشعور بالمرارة، رغم أن شعر لحيته وشاربه، الكثيف والغزير، يخفيهما إلى حد ما. ولكنه كان إنسانا طيبا وكريما. وكان يكن لأمه حبا شديدا، وقد بذل الكثير ليجعل حياتها رائقة.

جائزة نوبل

لاشك أن هذه المقاربة لشخصية الفريد نوبل على وجازتها، تمكننا من استيعاب مغزى القرار الذي اتخذه، وهو في الثانية والستين من عمره. ذلك أنه قرر أن يتبرع بأكبر قسط من ثروته، إذ وقع، في 27 نونبر 1895، وصيته الشهيرة :

« يجب أن تحول ممتلكاتي إلى أموال وأن تستثمر، وأن تقتسم المداخيل، على شكل جوائز، بين الأشخاص الذين يكونون، خلال السنة السابقة، قد قدموا للانسانية خدمات جليلة».

وفي نص الوصية، الذي يتضمن أقل من ثلاث مئة كلمة، أوضح نوبل أن تلك الجوائز ستمنح لباحثين في مجالات الفيزياء والكيمياء والفيزيولوجيا والطب، والأدباء، ولمن عملوا «على التقريب بين الشعوب».

ملك السويد يسلم جوائر نوبل في الطب
تسليم ملك السويد جائزة نوبل في الطب

هكذا ځلقت جوائز نوبل الخمس، التي تم منحها، لأول مرة، سنة 1901. فالأكاديمية السويدية للعلوم هي التي تمنح جائزتي نوبل للفيزياء والكيمياء، ومعهد کارولين يمنح الجائزتين المخصصتين للطب والفيزيولوجيا، وأكاديمية ستوكهولم تقدم الجائزة للأدباء، أما جائزة نوبل للسلام، فتقرر في أمرها لجنة مكونة من خمسة أعضاء، ينتخبهم الـ «ستورتينغ» (البرلمان النرويجي).

وكانت أول جائزة نوبل للفيزيولوجيا والطب من نصيب إمیل فون بيرينغ، الذي اكتشف اللقاح المضاد للدفتيريا. وقد حصل عليها سنة 1901 (سنة تسليم جوائز نوبل للمرة الأولى، كما سبقت الإشارة إلى ذلك). أما الجائزة الأولى الخاصة بمجال الفيزياء، فقد حصل عليها فيلهلم رونتغن، لأنه اكتشف الأشعة السينية سنة 1895. ونال باکوبوس فانت هوف جائزة نوبل للكيمياء، باعتباره صاحب نظرية الضغط التنافذي، التي استقيت منها قوانین قیاس ضغط البخار المحلول، وقوانين قياس درجة الغليان، وقوانین قیاس الدرجات الدنيا.

مجازاة المكافحين من أجل الإنسان

لقد خصص الفريد نوبل إحدى الجوائز التي تمنح باسمه –جائزة نوبل للسلام– للذين يعملون من أجل أن يكون هنالك «تقارب بين الشعوب». ومن المؤكد أنه كان يدرك أن المتفجرات التي توصل إلى صنعها قد تفيد الإنسانية – فيما يتعلق بأعمال المناجم وشق الطرقات وحفر الأنفاق – ولکنها، من جهة ثانية، ستجعل الحروب أكثر تدميرا للانسان ومنجزاته الحضارية. وكان ألفريد نوبل من أنصار السلم.

فقبل أن تتأسس جمعية الأمم المتحدة، كان هو قد قال :

«إن الحل الواقعي الوحيد لضمان السلم هو أن تلتزم كل الحكومات بالدفاع عن أي بلد تعرض لهجوم ما. وإن اتفاقا من هذا النوع سيؤدي إلى نزع جزئي للسلاح، بصورة تدريجية».

من الواضح أن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن دعاة حل المشاكل باللجوء إلى الحرب، فالرجل كان من السباقين إلى فكرة الأمن الجماعي.

وفي سنة 1896، توفي الفريد نوبل بإيطاليا، دون أن يكون قد نعم بذلك السلام الداخلي، الذي سعى إليه طيلة حياته.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق