اليهود المغاربةاليهود المغاربيون

يهود المغرب.. ماذا تعرف عن أوضاعهم مع قدوم الإسلام

بعد الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، لم تنقطع الهجرات والعلاقات بين يهود المغرب ونظرائهم في المشرق والغرب المسيحي، حيث تؤكد المصادر والأدبيات التاريخية، أن الهجرة الأولى بدأت مع ظهور الإسلام واستمرت إلى شمال إفريقيا رغم سقوط فينقيا وانقسام العالم القديم إلى قسمين إسلامي ومسيحي.

وكان للاضطهاد الكاثوليكي لليهود في العالم الغربي خصوصا عندما عومل اليهود كمواطنين من الدرجة الثانية إلى جانب ما قام به ملك القوط فلافيوس سيزاوبوت FLAVIUS SIOEBUT ومن جاء بعده في القرن السابع من عام 612 حتى 660م ضد اليهود بإسبانيا إذ أخذهم قتلا وتشريدا وحملهم على الهجرة إلى البلاد المغربية، كما تقاطرت أفواج أخرى من اليهود بعد فتحها.

أوضاع يهود المغرب مع الفتح الإسلامي

ومع وصول المسلمين إلى شمال افريقيا في القرن السابع، وجدوا الديانة اليهودية متركزة بقوة وبشكل واسع وسط الأمازيغ فالمعلومات التي توردها النصوص العربية التي أرخت لتلك المرحلة، تشير إلى وجود قبائل مسيحية ويهودية ومجوسية.

وقد أشار حاييم الزعفراني، المتخصص في التاريخ والفكر اليهوديين بأرض الإسلام، لما أسماه “مملكة تمكروت اليهودية”، فقال:

 “… تمكروت كانت بلاد “سلطان اليهود”، شموئل بن يوسف.. قصة المملكة اليهودية اشتهرت حتى عند المسلمين الذين يرددون أخبارها.. وقد أورد هذا الخبر، عدد من المؤلفين، مثل موسى طوليدانو وغيرهم”

فحسب موسى طوليدانوا تم إنشاء مملكة يهودية قوية منذ حوالي القرن الخامس الميلادي، وكانت تتمتع باستقلال ذاتي، وبسلطة معنوية ودينية، وبوصول المسلمين إلى المنطقة، عرفت هذه الوضعية تقلبات كبيرة على الخصوص، في عهد الدولتين المرابطية والموحدية، اللتين حولتا النزاع على الأرض، إلى حرب وجهاد دينيين، نتج عن ذلك إخلاء المنطقة بكاملها “أي تمكروت” من يهوديتها.

سقوط الأندلس وطرد اليهود

وبعد سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين ببلاد الأندلس وأمام التقدم الذي حصل في الضفة الجنوبية لأروبا الغربية وخاصة في شبه الجزيرة الإيبيرية، عملت المسيحية الكاثوليكية المدعمة من قبل حكام أرغون وقشتالة على إنهاء الوجود المغربي الإسلامي في الديار الأندلسية حيث تعرض كل الذين هم من غير المسيحيين لعمليات تصفية قل مثيلها وخاصة المسلمين واليهود، وهكذا لما قرر الإسبان المتعصبون طرد المسلمين بالإكراه من الأندلس عام 1501م، وأصدر الكردينال كسيمنس أمرا سنة 1511م بعد أن أحرق في ساحات غرناطة كمية كبيرة من الكتب العربية وأمر بطرد المسلمين واليهود وإلا حرقوا في الساحات العامة مع كتبهم.

وعقب ذلك توافد مئات الآلاف من اليهود والمسلمين الأندلسيين، وأغلبهم من أصل مغربي قديم، على المدن وضواحيها البدوية للإفلات من استبداد وتعصب ملوك إسبانيا.

ويذكر الأمير محمد بن عبد القادر الجزائري بأن اليهود قد دخلوا المغرب بعدما أجبرتهم إسبانيا والبرتغال على الرحيل من مملكتيهما فقصد نحو مئة ألف نسمة المغرب الأقصى وخمسون ألفا بقية بلاد المغرب الكبير، وهذا ما يفسره كثرة عددهم في المغرب الأقصى حتى اليوم.

وانطلاقا من البعد الزمني للهجرات اليهودية الوافدة على المغرب، قسمت المصادر التاريخية يهود المغرب إلى طائفتين:

التوشاييم أو اليهود البلديين وهم اليهود الموريين أو اليهود الأوائل الذين وصلوا إلى المغرب قبل الميلاد وبعده بقرون قبل الفتح الإسلامي.

المغوارشيم أو اليهود الروميين، وهم اليهود الذين قدموا إلى المغرب من شبه الجزيرة الإيبيرية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وفي هذا الإطار يقول حاييم الزعفراني أن الطائفة اليهودية مجموعتان عرقيتان المكورشيم (المهجرون الأوربيون) والتشوفيم (البلديون)، وتختلف المجموعتان العرقيتان أصلا ولغة، كما يختلف مستواها الثقافي، وتختلف طقوسهما بل الأكثر من ذلك مفاهيمهما الاجتماعية والأخلاقية.

تأثير اليهود الأندلسيين على الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب

والجدير بالذكر أن يهود المغرب برعوا في ميادين العلم والثقافة والتصوف والفنون الموسيقية والطرازية والرياشية والحلي والخياطة العالية والمطبخ الرفيع وغيره الكثير، فقد درّس ابن ميمون مثلا بجامعة القرويين أيام الموحدين قبل أن يلتحق بالمشرق، وكان قبله كل من يهودا بن قريش وابن بارون ومدرستهما أول من وضع أسس علم اللغويات المقارنة. وقد انتقل كثير من كل ذلك إلى حيز ما هو مشترك عام في الثقافة المغربية في عمومها، خصوصا في ميادين الموسيقى وفنون الطراز والرياش ومختلف الصناعات التقليدية.

وكان لوصول المهاجرين اليهود الأندلسيين بأعدادهم الغفيرة إلى بلاد المغرب دور كبير في إحداث نوع من الانقلاب أو الثورة في حياة اليهود المحليين، فبالإضافة إلى علومهم وخبرتهم فقد حملوا معهم لغتهم القديمة “القشتالية” ومؤسساتهم الجماعية وروح المبادرة التي اخترقوا بها المجالات التجارية والمالية والسياسية، وهذه المميزات جعلت من الوافدين الجدد عنصرا ديناميا يختلف عن إخوانهم البلديين.

وبالفعل بقي يهود المغرب المحليون (توشفيم) والمهجرون (مكروشيم) على اختلاف في العديد من المسائل الحياتية والدينية التعبدية، إلا أن العنصر الديناميكي وروح المبادرة والخبرة والمعرفة العلمية لدى القادمين الجدد جعلت منهم “النموذج الأمثل” وتمكنوا في نهاية الأمر من قيادة الجماعات اليهودية الأخرى المحلية خصوصا في شمال البلاد، حيث استقروا في أهم المدن الساحلية والداخلية كتطوان وسلا وفاس ومكناس وأسفي.

ولا ينفي هذا أن الجماعات اليهودية المحلية قبل وصول “طوائف” الأندلس، كانت لهم وضعيتهم المميزة وتأثيرهم في المحيط الاجتماعي والحياة العامة من خلال العلاقات الوثيقة مع المحيط الأمازيغي بخاصة.

كما تتمتعوا بوضع خاص داخل المجتمع، فعلى الرغم من انصهارهم في النسيج الاقتصادي العام إلا أنهم احتفظوا في المجالين الديني والإداري بدرجة كبيرة من الحرية، فمقابل الجزية التي يؤدونها لبيت المال، كان هؤلاء يستفيدون من حماية المخزن بموجب وضعية الذمة التي تحكم العلاقات بين السلطان ورعاياه من غير المسلمين.


المصدر
حاييم الزعفراني، ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب محمد منصور، المغرب قبل الاستعمارمحمد الحبيب بن خوجة، يهود المغرب الأقصى
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق