التاريخ المغاربيتاريخ الجزائرتاريخ المغرب

احتلال الجزائر.. عندما بايع أهل تلمسان سلطان المغرب

تميزت العلاقات بين المغرب والجزائر في الفترات السابقة للوجود الاستعماري بالوحدة السياسية، والاندماج أيام المرابطين والموحدين، إذ لم يكن آنذاك أي معنى للحدود، ومنذ دخول الجزائر تحت الحكم العثماني بدأت بوادر الأزمة تنشأ بين البلدين بين الفينة والأخرى، وأيضا لأن المغرب لم يخضع للعثمانيين فقد ظل التنافس حاضرا في علاقاته بأتراك الجزائر.

لكن سرعان ما عرفت المنطقة دخول طرف آخر غيّر موازين القوة وتحكم في خريطة المغرب الكبير، تمثل في فرنسا التي احتلت الجزائر سنة 1830. وبذلك بدأت مرحلة جديدة في تاريخ شمال إفريقيا كان لها أثر عميق على مستقبل البلدين. وبحكم الجوار والروابط الدينية والتاريخية واللغوية.. فتح المغرب أبوابه لاستقبال المهاجرين الجزائريين الفارين من ويلات الاستعمار الفرنسي الذي اغتصب أرضهم.

المغرب والاحتلال الفرنسي للجزائر

شكل سقوط الجزائر في دائرة الاستعمار صدمة للمغرب، حيث بدأ المخزن يعي الخطر الذي يهدده من الجهة الشرقية، فالحدود لم تعد آمنة كما كانت في السابق، ودار الإسلام (الجزائر) تحولت إلى “دار حرب”، بعدما تغلبت عليها الجيوش الفرنسية وعجز أهلها عن إخراجهم فوجد المغرب نفسه في وضع صعب بين الاستجابة لنجدة الجزائريين وتقديم الدعم للمقاومة، وبين الحفاظ على ترابه وحماية حدوده من أي تدخل فرنسي محتمل۔

وتطورت مساعدة المغرب للجزائر إلى مواجهة عسكرية مع القوات الفرنسية، انتهت بهزيمة المغاربة في موقعة إيسلي سنة 1844م، والتي كانت لها تداعيات خطيرة على البلاد تمثلت في فرض فرنسا على المغرب معاهدة للاَّ مغنية سنة 1845 التي تركت الحدود مبهمة بين المغرب والجزائر.

احتلال الجزائر وبيعة أهل تلمسان لسلطان المغرب

قررت الحكومة الفرنسية في صيف 1830، بعد ثلاث سنوات من الحصار العسكري على ميناء الجزائر، إرسال قوة عسكرية كبيرة إلى سيدي فرج بالجزائر، حيث استطاعت القوات الفرنسية الدخول إلى العاصمة الجزائر، وتم توقيع اتفاقية الاستسلام في 5 يوليوز سنة 1830، التي بموجبها سَلَّمَ الداي الجزائر إلى فرنسا.

داي الجزائر حسين باشا
داي حسين – باشا الجزائر

وعلق السلطان مولاي عبد الرحمان على ما فعله الداي الذي قبل بالشروط الفرنسية، بأنه قد ” رضي بالدنية التي ما مثلها سلف ولا فرط “.

ونظرا للجوار الجغرافي بين البلدين وللروابط المشتركة بينهما، من دین ولغة وتاريخ، فقد كان من الطبيعي أن يتأثر المغرب بالأحداث في الجزائر خلال عملية الحصار (1827 – 1830) وبعدها. ورغم الطلبات الفرنسية للمخزن المغربي بشأن طرد الجزائريين ومنع بيع غنائمهم في ميناءي تطوان والعرائش، كان رد السلطان بالرفض، إذ اعتبر في رسالته إلى قائد تطوان أن الجزائريين ” إخوة ولا يجوز طردهم “، ولكن عندما كثرت المراسلات والشكاوي من الفرنسيين حول وجوب الالتزام بمنع بيع غنائم الجزائريين، تغيرت لهجة المخزن بعض الشيء واتخذ الحذر ما أمكن، حيث حاول السلطان أن يطمئن فرنسا بأنه لن يسمح بذلك، وفي نفس الوقت أمر ممثليه بالتغاضي عن الجزائريين وتركهم يبيعون غنائمهم في سرية تامة.

ومنذ انطلاق الحملة الفرنسية على الجزائر اتجهت أنظار المغاربة إلى هذه البلاد، وكانت أعينهم تراقب الأحداث التي انتهت باحتلال الجزائر سنة 1830، وشكلت هذه الواقعة بداية مرحلة جديدة في شمال افريقيا، اهتزت لها نفوس المغاربة حيث ذكّرهم ” بحدث سقوط الأندلس “، كما اهتزت لها ” المشارق والمغارب وعدّ ذلك عند المسلمين من أعظم النوائب “.

أصبح استقرار المغرب مهددا وقد أدرك السلطان مولاي عبد الرحمان خطورة هذا الوضع منذ الوهلة الأولى، وأنه لا ثقة في العدو خاصة وأن أسطوله يصول ويجول في البحر الأبيض المتوسط، ولهذا كان يوجه رسائله إلى عماله بالثغور المغربية يحثهم فيها على ضرورة الانتباه والحذر.

السلطان المغربي المولى عبد الرحمان المغرب
مولاي عبد الرحمان يخرج من قصره في مكناس محاطا بحرسه
من ألبوم الرسام الفرنسي أوجين ديلاكروا خلال زيارته الشهيرة إلى المغرب

لقد دخلت الجزائر عقب احتلالها سنة 1830، في فراغ سياسي وأفق مظلم تمثل في غياب سلطة سياسية، مما أدى إلى انقسام مجتمعي بخصوص الولاء، فجهة الغرب اتجهت إلى سلطان فاس بالمغرب، وجهة الشرق نحو باي قسطنطينة، وفي الوسط نحو الشرفاء والزعماء المحليين، واختارت الفئة المرتبطة ماديا بالأتراك الانحياز إلى فرنسا.

وفي هذا السياق، اختار أهل تلمسان البحث عن مبايعة من يتولى أمرهم، ويحتمون بحماه، ويدفع عنهم سلطة الغازي، فاجتمع الأعيان وأهل الحل والعقد والعلماء والأشراف ” للنظر في من اجتمعت فيه شروط الإمامة “، وعينوا وفدا يمثلهم انتقل إلى مكناس لتقديم البيعة للسلطان مولاي عبد الرحمان بتاريخ غشت 1830م.

ورغم أن السلطان “كان هواه إلى قبول بیعتهم أميل” كما ذكر الناصري، فإنه لم يقدم جوابه في الحين حول قبوله أو رفضه للبيعة، وإنما أحال الأمر إلى العلماء ليعطوه رأيهم حتى يكون موقفه مبنيا على الشرع. وقد أتی جواب أغلبية العلماء سلبيا بخصوص نداء أهل تلمسان للسلطان حيث رفضوا بيعتهم، لاعتبارات كثيرة، وكان على رأس هذا الموقف المعارض القاضي عبد الهادي العلوي.

وبناء على موقف أهل تلمسان المتعلق بأن واجب الجهاد يقع على الأمير المسلم الأقرب. وبما أن سلطان المغرب من أصل شريف، وتتوفر فيه شروط الإمامة وأنه المؤهل لتولي زمام أمورهم لاعتبارات شرعية وتاريخية وجغرافية، فإنهم جاءوا لطلب البيعة من السلطان المغربي.

وفي إطار هذا الأخذ والرد بشأن الفتوى، أفتى علماء آخرون وعلى رأسهم علي بن عبد السلام التسولي بصحة البيعة، فجاءت هذه الفتوى دافعا للسلطان لقبول بيعة أهل تلمسان، ورآها البعض رضوخا لضغط ” الرأي العام ” المغربي الذي كان يرى الجهاد هو الحل لنصرة المسلمين في الجزائر.

بعثات مخزنية إلى تلمسان ورد الفعل الفرنسي

بعد قبول السلطان بالبيعة الجزائرية أصبح له سند شرعي للتدخل في الجزائر، حيث باشر في اتخاذ تدابير منها، تعيين ابن عمه ذو الخمسة عشر سنة خليفة له في تلمسان تحت وصاية القائد ادریس الجراري عامل وجدة، كما أرفقه بكتيبة من الجند من أعيان الودايا والعبيد، وعلى ما يبدو فإن السلطان أراد بهذه الإجراءات، أن يظهر للجانب الفرنسي أن المغرب يمارس “حقوقه التاريخية” في الإقليم، وهو ما حاول التأكيد عليه لنائب القنصل الفرنسي بطنجة، بأن للمغرب حقوقا في تلمسان وعليه واجبات اتجاه المسلمين في الجزائر، ومن هذا المنطلق جاءت تحركاته في الجزائر.

وجد الوفد المغربي لدى وصوله إلى تلمسان ترحيبا من الأهالي حيث قدم ممثلو عن القبائل والأشراف والعلماء لتقديم البيعة لمولاي علي خليفة للسلطان، ما عدا فئة الكرغلية والأتراك – الموالين للفرنسيين – التي رفضت وجود ممثلي المخزن بالمدينة، وعملت على إعاقة عمل البعثة المخزنية. في البداية نصح السلطان خليفته بالتعامل معهم باللين ودعوتهم للطاعة والبيعة، لكن إصرارهم على مقاومة الوجود المغربي بالإقليم، دفع بالسلطان إلى توجيه تعليمات جديدة إلى مولاي علي يحثه فيها على ضرورة قتالهم.

وهكذا انفجر الصراع بين الأتراك والمغاربة وتطورت الأحداث ما بين نونبر 1830 و يناير 1831 نتيجة الإجراءات التي اتخذها الخليفة مولاي علي ضد فئة الأتراك والكرغلية، والتي وصفت ب ” الوحشية “، جعلت الفرنسيين يستشعرون خطورة الوضع في تلمسان، ويطلبون من السلطان مولاي عبد الرحمان تسليم خليفته مولاي علي إلى باي وهران، وإصلاح الأضرار التي أحدثها رعاياه في المدينة، وإلا فإن الأسطول الفرنسي جاهز لقصف المراسي المغربية إذا لم تتم الاستجابة للطلب الفرنسي، وقد نقل هذا التهديد الضابط الفرنسي أوفري Auvray إلى عامل طنجة.

ودرءا لسفك الدماء بين المسلمين رأى السلطان أن يسحب خليفته، وهو ما تشير إليه الرسالة السلطانية إلى الخليفة مولاي علي في 8 مارس 1831 :

” … ولا حاجة لنا بقتال المسلمين، وسفك الدماء بغير حق ( … ) والعمل على ما قدمنا لكم من جمع المتفرق من المحلة، والقدوم فورا “.

وعاد خليفة السلطان إلى المغرب امتثالا لأمر السلطان بمغادرة تلمسان هو ومن معه من القوات المغربية.

ولما قدم وفد عن أهل تلمسان ليجددوا البيعة في سنة 1831 وطلبوا من السلطان أن يعين ممثلا له في إقليمهم، فاستجاب لهم بتعيين عامل جديد، وهو القائد الشريف محمد العامري زعيم قبائل بني حسن حيث دخل تلمسان في 16 مارس 1831م. إذ حظي باستقبال جيد من أهل تلمسان الذين وفدوا لتقديم البيعة والولاء، وتلا عليهم رسالة من السلطان دعاهم فيها إلى الاتحاد خلف عامله، ونبذ الخلافات والنزاعات من أجل التفرغ لمواجهة الفرنسيين، وقد استطاع عقد المصالحة بين الحضر والأتراك كما حظي بمساندة محيي الدين رئيس الطائفة القادرية وبمساندة الطائفة التيجانية.

أقدم الخليفة الجديد كذلك، وبفضل دعم القبائل الواقعة غرب الجزائر خاصة قبائل الدواير والزمالة، على حصار وهران لأكثر من أسبوعين (8 – 22 أكتوبر 1831) والتي كان الجيش الفرنسي مسيطرا عليها، ثم انتقل بالقوات المغربية إلى مدينة معسكر واتخذها مركزا لعملياته، وتم بسط السيطرة على المدية ومستغانم، فدفعت هذه التطورات المتلاحقة، والتي اعتبرتها القيادة الفرنسية بالجزائر أمرا خطيرا يهدد مشروعها، إلى تحركها لوقف هذه الهجومات.

الجيش المغربي فرسان مغاربة
لوحة للفرسان المغاربة خلال القرن 19م

وفي هذا الإطار، أوفدت مبعوثا خاصا وهو دومورني De Morney إلى مكناس، حيث التقى بالسلطان مولاي عبد الرحمان في 22 مارس 1832، وسلمه رسالة من الملك فيليب لويس تضمنت تهدیدات وشروط حول ضرورة تخلي السلطان عن تلمسان، وسحب خليفته، والتزامه بالحياد التام في المسألة الجزائرية حتى تكون العلاقات ودية بين فرنسا والمغرب. وإلا فإذا ما استمر الدعم المغربي للأمير عبد القادر فإن الأسطول الفرنسي سيقصف الموانئ المغربية، مما يعني انهيار جزء كبير من مداخيل المخزن الجمركية. وقد جرت المفاوضات بين الطرفين المغربي والفرنسي حول هذه النقط وغيرها، انتهت بقبول السلطان الالتزام بالمطالب الفرنسية.

بسحب المغرب لقواته من تلمسان اعتقدت فرنسا أنها نجحت في تحقيق “نصر دبلوماسي” على المغرب بضغوطاتها المختلفة – التي حملها مبعوثها الخاص دو مورني لكن اتضح العكس. فتدخلاته في الجزائر استمرت بشكل غير مباشر، وذلك عبر تقديمه مختلف أنواع المساندة للمقاومة الجزائرية التي تزعمها الأمير عبد القادر بن محيي الدين.

المصدر
محمد بن عبد القادر الجزاري، تحفة الزائر في مآثر عبد القادر وأخبار الجزائرأحمد الناصري، الاستقصا في أخبار المغرب الأقصىCharles André Juilien, Histoire de L'Algérie Contemporaineعبد الله العروي, الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربيةأحمد العماري، مشكلة الحدود الشرقية بين المغرب والجزائر من حوالي 1830 إلى حوالي 1912
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق