تاريخ الأدب

الأدب العربي الكلاسيكي: تاريخ، أنواع، أشعار، اقتباسات

إن من يدرس تاريخ الأدب العربي القديم سوف يتأكد من أن الشعر قد كان، فعلا هو ديوان العرب. بيد أن النثر الفني قد شهد، بدوره، ازدهارا ملحوظا، على امتداد قرون عديدة.

لقد كان الأدب، على الدوام، يجلب المتعة لأهل البلاد العربية. وكثيرا ما قيل بأن العربي، سواء أكان من الرحل أم من أهل الحضر، شغوف بالشعر. وعلى أي حال، فإن العرب قد سموا بالفن الشعري إلى ذرى رفيعة. والأدب العربي محيط مترامي الأطراف : فهو نتاج لخمسة عشر قرنا من الكتابة، في مختلف الأنواع الأدبية، وضمن حضارات امتدت من آسيا إلى المحيط الأطلسي.

لكن، فيما وراء هذا التنوع، هنالك وحدة أكيدة تكفلها اللغة العربية، الجميلة الصعبة، المرهفة، التي تكتسي طابعا قدسيا، بحكم كونها لغة القرآن الكريم.

الأدب العربي وتقدیس اللغة

كان للقرآن، بأسلوبه المعجز، الذي لا يضاهى، حضور مهيمن في المجتمع العربي، وحدد اتجاه الأدب برمته. وقد أسس لغة أدبية، مختلفة عن العديد من اللهجات المستعملة في الكلام، وحدّد الفكر السائد في الأعمال الأدبية، وروحها وأسلوبها.

وقد طور العرب الميول الفنية إلى حد باهر، ولكن كثيرا ما تم ذلك خارج الزمن، وبعيدا عن التأثيرات الأجنبية. لكن إذا كان في ذلك ما يضفي على الأدب العربي عظمة، فإن فيه أيضا مجازفة، تتجسد في الهروب من الواقع، توخيا لسحر الكلمة. والكاتب المعاصر، الذي يتوزعه التراث الموروث من جهة، ومتطلبات العالم الحديث من جهة ثانية، يعمل على إيجاد تسوية ملائمة.

الفن والواقع

إن «القلم» كان في الأصل قطعة قصب مبرية بإتقان، لتستعمل كريشة، وله طابع رمزي دال، بالنسبة للكتاب القدامى: فسنه منقسمة إلى قسمين، يتوسطهما الشق الذي ينساب منه الخبر، ويسمَّيان : الوحشي والإنسي. فعملية الكتابة تجمع بين هذين المبدأين : الواقع المتوحش والفن الرهيف. وبإيجاز، فإنها تربط بين المادة والروح.

الخط العربي
نموذج من الخط العربي

في بدايات الإسلام، كان النساخ یکتبون بـ «القلم» على الجلد، وعلى عظام الجمال، وقطع الخزف، وسعف النخيل، وألواح الخشب. وبعد ذلك بزمن، استعملوا الرقاق والبردي. أما الورق الذي ظهرت صناعته في بغداد منذ 800م، فلم يستعمل بالفعل إلا بعد ذلك بقرن.

إن اللغة العربية غنية بشكل مدهش، وقادرة على التعبير عن وفرة من ظلال المعاني، وهذا ما يجعل ترجمة الشعر العربي إلى اللغات الأجنبية على جانب كبير من الصعوبة. وقد تغني عدد من الشعراء بجمال العربية وغناها.

أنواع الأدب العربي

تتمايز الأنواع الأدبية على أساس نوعية استعمال اللغة. وهكذا تم التمييز بين النَّثر، والسجع، (وهو نثر يعتني بالقافية الداخلية)، والشعر.

وقد استعمل السجع قبل الإسلام من طرف الكهان والخطباء. وهو موقَّع، غني بالتناغمات الصوتية، بقيت نماذجه السائدة حتى القرن العاشر للميلاد، الذي شهد ظهور «المقامات»، وهي أعمال نثرية مسجوعة يتخللها بعض الشعر، وتتجلى فيها مهارة مدهشة في الصياغة اللغوية.

ويبقى الشعر النوع الأدبي الذي وجد أكبر إقبال في القبائل الجاهلية، كانت للشاعر مكانة رفيعة: فله مقدرات سحرية، وهي ضرورية، وتبعث على الرهبة، كما أنه يجسد المثل الأعلى المشترك بين أفراد القبيلة. إنه يتغنى بالحياة الجماعية، ويهجو الأعداء.

والقصيدة تخضع لقواعد أساسية : أن تكون لها قافية واحدة، وأن تكون من وزن واحد، ويكون مطلعها طلليا (ولم تكن هذه القاعدة الثالثة بمثل صرامة الأوليين..). بعد ذلك ، يتم الانتقال إلى الإشادة بالممدوح، أو إلى مدح عشيرة ما، أو إلى غير ذلك من المواضيع. وسرعان ما سنجد هذه الموضوعات قد شكلت أنواعا أدبية قائمة بذاتها : الهجاء، المدح، الوصف، الغزل، إلخ …

أما النثر العادي، فقد مكّن من تطوير لغة أكثر دقة ووضوحا، وذات طابع ذهني، تستعمل في علوم الدين والفلسفة والتاريخ والجغرافيا وعلوم الكون. كما ظهر عبره إلى الوجود أدب يشمل الحكايات والقصص الأسطورية والقصص التاريخية التي تشكل رافدا أساسيا لثقافة الإنسان العربي المتوسط، والتي تعتبر قاعدتها الذهبية هي الجمع بين التثقيف والتسلية.

لحظات الشعر العربي الكبرى

الشعر الجاهلي

كانت القصيدة تنتمي إلى الحياة اليومية بالنسبة للبدو الرحل فهي تضفي الحيوية على الحياة الروحية، وقد تكون لها غاية تعليمية، أو تقال للإشادة بالملذات فحسب.

إن شعر البداوة، شعر الصحراء الذي يتغنى بالحياة في الخيام، وبالفرس والجمل، يجعل من حياة القبيلة عند شعراء الجاهلية الأوائل، النموذج المثالي للحياة.

وتبقى أشهر القصائد الجاهلية هي المعلقات السبع، التي سميت كذلك، لأنها، فيما يروى، قد علقت قد علقت إلى جدران الكعبة في مكة. وقد تغنی امرؤ القيس، الملك الضليل، بمحبوبته، وذكر علاقاته العاطفية، ووصف فرسه.. وأشاد طرفة بن العبد بالملذات، ونحا منحى «وجودیا» في شعره، وانصرف عمرو بن کلثوم إلى الدفاع عن قبيلته…

أما الشعراء الصعاليك، مثل الشنفرى وعروة بن الورد، فقد عبَّروا عن نفورهم من حياة الجماعة، وعن مآثرهم في مجال الصعلكة.

الشعر الأموي

بعد الشعر الإسلامي، الذي تميز (في صدر الإسلام) بالدفاع عن العقيدة الجديدة، جاءت الحقبة الأموية، التي ازدهر فيها شعر الفرق السياسية، من خوارج (شعر قَطَري بن الفجاءة مثلا)، وشيعة ( الكميت)، وأمويين ( الأخطل).

وقد انتقل الشعر إلى المدن أيضا، وأصبحت دمشق، في القرنين السابع والثامن للميلاد، مركزا ثقافيا مزدهرا. واكتسي موضوع الحب العذري أهمية خاصة : «فالمحب يعيش عفيفا ويموت شهيدا»، حسب ما كان يقال.

يقول جميل بثينة (توفي سنة 701م) :

يهواك ما عشتُ الفؤادُ فإن أمت 
يتبعْ صداي صداك بين الأقبر

أما في مكة والمدينة، فإن شعر الغزل لدى عمر بن أبي ربيعة (توفي حوالي سنة 711) قد اکتسی طابع الجرأة، واعتبر صاحبه أكبر شعراء الحب.

العصر العباسي

من بغداد إلى قرطبة (ق 8 – ق 13م). لقد تأسست الخلافة العباسية في بغداد سنة 762م، ومعها ابتدأ تأثير الفرس في المجتمع العربي. وقد ظهر شعراء من أصل فارسي، لهم أهمية خاصة في الأدب العربي، مثل بشار بن برد وأبي نواس (توفي حوالي سنة 815م)، اللذين كانا مجددين في المجال الشعري.

فبشار لم يكن يقبل كل ما تورده عليه قريحته، على حد تعبيره. وكان له اهتمام بالشكل، فسماه بعض النقاد «قائد المحدثین». وقال عن نفسه :

قد أذْعَرُ الجنَّ في مسارحها 
قلبي مضيء ومقْولي ذَرٍبُ 

وكان هجَّاءً أيضا. واعتبر من المانويّة، وعذِّب حتى الموت.

وكان أبو نواس من كبار المجدِّدين أيضا، ورفض التقليد الذي يقضي بأن يبدأ الشاعر بمقدمة طللية:

تصف الطلول على السماع بها 
أفذو العيان كأنت في الفهم ؟

واعتبر بعض النّقاد المتمسكين بالنموذج القديم أن شعر أبي تمام (توفي سنة 845م) ليس من كلام العرب وذلك لكونه أبدع صورا واستعارات غير مألوفة. وحين سأله أحدهم: «لماذا لا تقول ما يفهم؟» أجاب: «لماذا لا تفهم ما يقال؟»

وعبر عن موقفه هذا، شعرا :

لي في تركيبه بدَعٌ 
شغلت قلبي عن السُّنَن

وكان أبو العتاهية (توفي سنة 826، أو 828م)، زاهدا في الملذات، وشاعرا كبيرا. قال عنه أبو نواس: «والله ما رأيته قطّ إلا ظننت أنه سماء وأنا أرض». وتيمة الموت تعود كثيرا في شعر أبي العتاهية :

سقطت إلى الدنيا وحيدا مجردا 
وتمضي عن الدنيا وأنت وحيد 

وخلال القرن العاشر، استرجعت دمشق مكانتها کمركز إشعاع أدبي، ببروز المتنبي (توفي سنة 955م)، ثم المعري (توفي سنة 1058م). والمتنبي متمرد على المجتمع، شديد الإحساس بفرادته وبعظمته، يركب الأهوال ويواجه الشداد :

تمرَّسْتُ بالآفات حتى تركتها 
تقول : أمات الموت أم ذُعر الذعر 

وقد مات مقتولا في قصته المعروفة.

أما المعري، الشاعر الضرير، فكان ذا اتجاه أخلاقي وإنساني. وإضافة إلى أعماله الشعرية، كتب «رسالة الغفران»، نثرا مسجوعا. وهي تروي قصة رحلة عبر الجنة والجحيم، بشكل سنجده لاحقا عند دانتي، في «الكوميديا الإلهية». وكان المعري يدعو إلى الحكمة والزهد:

ضحكنا، وكان الضحك منا سفاهة 
وحقَّ لسُكان البسيطة أن يبكوا 
يحطمنا ريْبُ الزَّمان كأنَّنا 
زُجاجٌ، ولكن لا يعاد له سَبْكُ. 

الشعر العربي بالأندلس

كانت الأندلس، التي اكتسبت استقلالا كبيرا عن سلطة الخلافة ببغداد، تعرف أيضا حركة شعرية هامة. وكان شعراء الأندلس يجيدون في مجال وصف المشاهد الطبيعية، والحدائق، والزهور، والنساء. وتميَّز شعرهم بالرقة، وأشادوا بالمرأة وتغنوا بالحب، بشكل سيستعيده، لاحقا، «التروبادور» البروفانسالیون. فابن زيدون (1003م، 1070م)، يذكر محبوبته ولاَّدة “الأميرة البعيدة”:

حالت لفقدكم أيامنا فغدت 
سودا وكانت بكم بيضا ليالينا 

والمعتمد بن عباد، الملك الأندلسي الشاعر، يتغنّى بالملذات، حتى إذا وقع في الأسر ونفي إلى سجنه بأغمات في المغرب، ذكر بؤس حاله بنبرات شجيّة:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
وكان عيـدك باللـذات معمـورا
وكنت تحسب أن العيـد مسعـدةٌ
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمـار جائعـةً في 
لبسهنّ رأيت الفقر مسطـورا
معاشهـن بعيـد العـزّ ممتهـنٌ 
يغزِلْن للناس لا يملكن قطميـرا
برزن نحـوك للتسليـم خاشعـةً
عيونهنّ فعـاد القلـب موتـورا

الأعمال النثرية الكبيرة

إن ابن المقفع، الفارسي الأصل (توفي سنة 757م)، هو صاحب واحد من أول المؤلفات التي تعتمد النثر المرسل، والذي هو عبارة عن ترجمة لعدد من الحكايات الهندية : «كليلة ودمنة». وهو كتاب يروي مغامرات اثنين من بنات آوی. من المزج بين الموروث الفارسي والأسلوب العربي، ولد هذا الصنف من الأدب، الذي يجمع بين التثقيف والإمتاع.

كليلة ودمنة
صفحة مزينة بالرسوم، من كتاب كليلة ودمنة. وهو الكتاب الذي ترجمه ابن المقفع بأسلوب عربي أخاذ.

إن الجاحظ (780م – 868م) هو الممثل الأهم لأدب يجمع بين ما هو عقائدي وما هو عقلي، بين الاهتمام بالأسلوب والتَّطلع المعرفي. وفي كتاب “البخلاء”، وهو من مؤلفاته الهامة، يقدم نموذجا لتحليل النفس الإنسانية، والغوص إلى مناطقها الأكثر خفاء. أما مؤَلَّفُه المطوَّل، «كتاب الحيوان»، فهو يجمع بين الملاحظة الدقيقة والتأمل العقلي والمرجعية الدينية أحيانا. وفيه يشيد الجاحظ باللغة والتراث العربيين، ويضفي عليهما السُّمو، ويستفيد أيضا من الفكر اليوناني.

إنَّ بعض الموسوعيين يستلهمون مصادر فلسفية بعيدة، قليلا أو كثيرا، عن المجال الإسلامي الأصلي. فالمسعودي يجمع في مؤلفه، “مروج الذهب ومعادن الجوهر”، معطيات جغرافية، وأخرى متعلقة بالتاريخ الكوني وبتاريخ الإسلام، وأبو حيَّان التوحيدي، يحلّل بعضا من المسائل الأكثر إثارة للنقاش، في مجالات اللغة والأدب والفلسفة والتاريخ. ونثر هذين الكاتبين ، يذكِّر، ببساطته و برشاقته، بنثر الجاحظ. أما الغزالي (1058 – 1112م)، عالم الكلام والمتصوف، فهو أكبر كاتب روحاني في زمانه. وقد أكد في «إحياء علوم الدين» على القيم الدينية الصرفة في مواجهة الفلسفة، وفتح المجال للكتابة عن التجربة الصرف.

ومن المتصوفة الذين سيشتهرون بعده، هنالك أبو القاسم الجنيد (رسائل الجنيد)، وابن عربي (توفي سنة 1240م)، وهو صاحب معلمة ضخمة في مجال الأدب الصُّوفي: «الفتوحات المكية».

وقد فرض الميل إلى إظهار الحذق اللغوي متطلبات جديدة في مجال النثر. هكذا، ظهر السجع من جديد في القرن العاشر للميلاد، متأنقا متصنعا خصب اللغة، في نوع شديد الخصوصية : المقامات.

في المقامة، نجد شخصا ذلق اللِّسان يحكي مغامراته الأكثر إثارة، ويطلق العنان لقريحته اللغوية، متقصِّدا الإدهاش. إنّ المقامة ضرب من القصة الشُطارية. والمبدع الحقيقي لهذا النَّوع هو بديع الزمان الهمذاني (968-1008م). وبطله شخص فظ لكن كلامه من ذهب. وهو ينجح تماما في وصف الأوساط الاجتماعية المختلفة.

وقد أعطى الهمذاني للمقامة شكلها المميز، بالاعتماد على الصور الشَّاعرية، وعلى أسلوب نثري موقع. وسيطوّر الحريري (1054-1122) هذا النوع إلى حد البهلوانية الخالصة في مجال اللغة، مقدما للأدب العربي معلمة فعلية. وإذا كانت العبارة لديه أكثر إشراقا، فإن القصة ومحتواها، هما، على العكس من ذلك، أقل حيوية.

الأدب الشعبي

فيما وراء هذا النثر “العالِم”، يتبدّى الأدب الشعبي في الخلفية، وهو مصاغ نثرا، ولا تنسيق فيه. وبالنظر إلى حجم النتاج الأدبي الكلاسيكي، فهو لا يشكل إلا جزءا ضئيلا منه. وقد كان له وجوده، من قبل، على شكل حكايات وقصص أسطورية، ثم ظهرت قصص مكتوبة من قبل بحارة وتجار، مثل «أخبار الصين والهند» (851م)، و «عجائب الهند» (حوالي 950م). وظهر خيال الظل، والتقاويم الفلكية، التي نجد نموذجها في «روزنامة قرطبة» (حوالي 961م).

أما «ألف ليلة وليلة»، التي نالت تقديرا مستحقا، فتتشكل من مجموعة من الحكايات أصولها هندية وفارسية، تبلورت بين القرنين السابع والثاني عشر. وهي تقدم في لغة الكلام أكثر منها في لغة أدبية، نماذج خلقية وثقافية، مرتبطة بالحضارة العربية الإسلامية إذاك.

وقصص الفروسية، الشهيرة في العالم العربي، مثل «سيرة الأميرة ذات الهمّة»، و «سيرة عنترة» تتخذ منطلقاتها من أحداث عرفتها الجاهلية أو العصر العبّاسي، أو من الحروب الصليبية.

وقصص المغامرات تلك، المكتوبة نثرا، بالأساس، تمتد على فترة زمنية جد طويلة (حوالي 500 سنة). وفيها نجد أبطالا ملحميين يجسدون الفضائل العربية، ونموذجهم الأشهر هو عنترة بن شداد، ابن زبيبة، الأمة السوداء. وقصته الأسطورية تطول وتطول، وتمتد عبر البلدان والقرون، من أيام الجاهلية حتى زمن الحروب الصليبية.

وموضوع “تغريبة بني هلال”، هو تاريخ البدو الرحل الذين داهموا إفريقيا الشمالية، في القرن الحادي عشر. أما سيرة «سيف بن ذي يزن»، فتتعلق بالصراع ضد الأحباش، و «سيرة ذات الهمة» تدور حول القتال ضد بيزنطة في العصر الأموي. والكفاح ضد الصليبيين والمغول مروي في «سيرة الظاهر بیبرس»، وهو سلطان مملوكي كبير دافع عن الإسلام.

أفول الأدب العربي

سنة 1258، سقطت بغداد بين أيدي المغول. وقتل الخليفة العباسي وعائلته. وبقي الإسلام عرضة للمخاطر. أصبح العالم الإسلامي خاضعا لسلطة الإمبراطورية العثمانية، ولم تبق اللغة قائمة إلا لكونها تستعمل في المجال الديني. وانغلق الأدب العربي على نفسه ودخل زمن الأفول. وبقي على هذه الحال حتى عصر النهضة، الذي عرف ازدهارا أدبيا جديدا، في منتصف القرن التاسع عشر.

لكن، مع ذلك، فقد اتجه بعض الكتاب إلى تجميع المعارف. هكذا ظهر المؤلفون الموسوعيون، في أغلبهم من مصر المملوكية، التي كانت تطالب موظفيها بمعارف شمولية. وانبثقت أسماء ثلاثة كبيرة : النّويري (1279-1332)، ابن فضل الله العُمري (1301-1348)، والقلقشندي (توفي سنة 1418)، وقد كتبوا مؤلفات مطوّلة في موضوعات عديدة.

وهكذا، فإن السيوطي (1445-1505) قد كتب 561 مؤلفا. كان ذلك أيضا زمن المعاجم الكبيرة والبيبليوغرافيات.. ولمع في ميدان الجغرافيا ابن بطوطة، الذي غادر طنجة، مسقط رأسه، سنة 1325، وهو في الواحدة والعشرين من عمره، وجاب العالم بأسره تقريبا، بفضل «السّلام المغولي»، ووسائل التواصل التي مكَّن منها. بعد ذلك بأكثر من خمس وعشرين سنة، عاد إلى موطنه وشرع في إملاء مذكّراته.

خلال ذلك الوقت، كان ابن خلدون يتأمل في روح السياسية وتعاقب الحضارات، وقد ولد في تونس سنة 1332، ودرس في مؤلفاته، مثل “المقدمة”، و “كتاب العبر”، ماضي إفريقيا الشمالية، وتاريخ الإسلام، وظهور الحضارات والإمبراطوريات واندحارها.

ونشير أيضا، من بين فلاسفة الإسلام، إلى ابن سينا (980-1037)، وابن باجة وابن طفيل، وابن رشد (1126-1198). ويعد هذا الأخير، وقد عاش في الأندلس، أكبر فلاسفة الإسلام. كان أرسطي الاتجاه، ودافع عن مشروعية الفلسفة وضرورتها، بالاعتماد على نصوص قرآنية. وقد دعا إلى الفصل بين الحكمة والفلسفة والشريعة. وهنالك من يعتبر أن دعوته هاته كانت في أساس ظهور العلمانية بأوروبا. وعلى أي حال، فقد كان هنالك تيار رشدي قويّ في الفلسفة الغربية، خلال عصر النهضة الأوروبية.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق