التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

الأزمات الاقتصادية والمجاعات في مغرب الحماية

اقرأ في هذا المقال
  • أزمات متعاقبة
  • آثار أزمة 1929
  • الجوع ينتصر في سنة 1945
  • محاولات الحماية الفرنسية
  • كيف استغل أعوان السلطة ضعف المغاربة

عانى المغرب مطلع القرن العشرين من عدة إكراهات. حينها لم يكن يقوى على مواجهتها بسبب تراكم أزماته وضعف مواقفه، لكن بموازاة ذلك، كان تابعا لتقلبات العالم وأحداثه الكبرى، على رأسها الأزمة الاقتصادية في سنة 1929 ثم ما عرف بعام “البون” سنة 1944. فكيف عاش المغاربة هاته الظروف التي هلك الآلاف بسببهما ؟

أزمات متعاقبة

وقع المغرب في شرك الحماية قبل سنتين من نشوب الحرب العالمية الأولى. وخلال تلك الفترة أي سنوات الحرب، خرجت فرنسا منتصرة وفارضة شروطها إلى جانب دول الحلفاء في ما عرف بمعاهدة فرساي سنة 1919. لم يكن لهذا الانتصار في أوربا إلا أن يعزز من شعورها بالسير قدما في مستعمراتها بإفريقيا. تزامن ذلك مع فترة المقيم العام الفرنسي الجنرال هوبير كونزاليف ليوطي، الذي أرسى الخطوط العريضة لسياسة الاستعمار وللتغيير بالمغرب على عدة مستويات.

بعد سنوات قليلة من نهاية عهد الإمبراطوريات بأوربا، أصبح للعالم خريطة ليبرالية جديدة تخضع لوحدة الأهداف الاقتصادية بالأساس. وفي سنة 1929، ضربت العالم أزمة مالية غيرت من مهد الأنظمة الرأسمالية وحولتها من نظام الاقتصاد الحر إلى ما عرف بالاقتصاد الموجه، الذي تخضع فيه بعض القطاعات الحيوية لنظام التأميم. كان لهذا الحدث هزات ارتدادية في المغرب إلى غاية عقد الثلاثينات. ولم تكن أوضاع الحامية الفرنسية بأفضل من المغرب باعتبارها مستعمرة، فبالرغم من أنها مرحلة ازدهرت بتطوير أنشطة التعدين والصناعات الزراعية وتدفق كبير لرأس المال الخاص، إلا أن فرنسا كانت تتخبط حينها في ديون كبيرة.

كان للأزمة العالمية أو ما سمي بـ “الكساد الكبير” آثار كارثية على التجارة العالمية ككل، وذلك نتيجة أرباح المؤسسات المالية وعائدات السلع والضرائب، فكانت صناعات المواد الأولية الأكثر تضررا في العالم، حيث تراجعت أسعار المحاصيل بنسبة تصل إلى 60 في المائة. في نهاية تلك السنة، لم يعد الوضع قابلا للسيطرة للإدارة الفرنسية إذ كانت تكلفة الصادرات أقل من الواردات، فأصبحت غير قادرة على معالجة الأزمة، كونها على خط المواجهة الأولى للإفلاس العام.

آثار أزمة 1929

على الرغم من أن آثار الأزمة لم تظهر على المغرب بشكل كبير إلا بعد سنتين، واستمرت إلى منتصف الثلاثينات، إلا أن الإدارة الفرنسية ارتبكت منذ السنة الأولى من حدوثها. فقد ساعدت الاختلالات والتوترات السياسية داخلها على بروز الحركة الوطنية بالمغرب، لا سيما بعد إقرار ما سمي بالظهير البربري. في هذا الصدد، يذكر الباحث عبد الحميد احساين، في كتابه أنه:

«لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية لسنة 1929 وإعادة ترتيب الاقتصاد المغربي، أنشأت الحماية إدارة الحياة الاقتصادية. ونظرا لتصاعد مظاهر الاحتجاج الوطني، خاصة بعد صدور ظهير 16 ماي، حلت إدارة الشؤون السياسية محل إدارة الشؤون الأهلية»

من جهته، يورد المؤرخ الفرنسي رينيه جاليسو، في مقال له بعنوان “المغرب والأزمة” أن « ديون فرنسا منذ سنة 1912 إلى غاية سنة 1931 كانت عبارة عن قروض حكومية وقروض مقدمة من شركات، بلغت حوالي 2.8 مليون فرنك. وقد استطاعت الأزمة العالمية أن تكشف الظروف الحرجة لأوضاع الاقتصاد الاستعماري» .

كان حينها اقتصاد المغاربة التقليدي، بدوره، أخذا في التفكك، إذ أدى انهيار أسعار الحبوب الرئيسية، بما فيه القمح الصلب بنسبة ناقص %120، ثم الشعير بناقص %160، الشيء الذي أدى إلى إفلاس الفلاحين وإلى اختلال التوازن الغذائي. أضف إلى ذلك الوضعية المتأزمة للحرفيين الذين تضرروا كثيرا من انغلاق الأسواق الخارجية التقليدية ومن منافسة المنتوجات الأجنبية في السوق الوطني.

لقد أصابت الأزمة الاقتصاد الاستعماري بشكل غير متساو»، بحسب تعبير ألبير عياش. هذا الأخير، الذي تتبع وعايش ظروف المغرب، ذكر في كتابه “الحركة النقابية في المغرب” أنه بحكم ارتفاع الديون، فوجئ المستوطنون بانهيار أسعار المواد الزراعية فطالبوا بتدخل الحماية لإنقاذهم من الإفلاس، وبالتالي، توسع المجال العقاري للاستيطان بحوالي 125000 هكتار، أي بمساحة تقل عن نصف ما تحقق في المرحلة السابقة، ولم يتم تجاوز هذه المساحات إلا بعد الحرب العالمية الثانية.

أما بخصوص الهجرة الأوربية، فقد انخفضت بشكل قوي وارتفع عدد العائدين إلى أوربا. لذا، فإن تنامي السكان الأجانب بين 1931 و 1936، كان ناتجا عن الحركة الطبيعية أكثر مما هو ناتج عن توافد المستوطنين الجدد، ونتيجة لارتفاع معدلات البطالة سجل المؤشر المتوسط تكلفة العيش انخفاضا كبيرا مما اضطر السكان إلى الانتقال بحثا عن عمل.

ووفق أرقام ألبير عياش، فقد استمر السكان في التزايد إلى أن بلغ عددهم في المنطقة الفرنسية، ما يزيد عن 6 ملايين مغربي، واستمر القرويون والمزارعون والملاكون الصغار المفقرون في الاتجاه نحو أوراش الأشغال العمومية والمناجم والمراكز الحضرية. وفي الوقت الذي تضررت فيها باقي القطاعات، حافظت المقاولات الصناعية (وحدها ) على نوع من النشاط والحيوية.

بينما سرع الفلاحون، ابتداء من 1930 وفق ألبير عياش، في تنمية زراعات الخضراوات ومزارع الحوامض والكروم، لتنويع إنتاجهم الذي كان مكونا أساسا من الحبوب، واستكملت الأحياء القديمة في المدن اكتظاظها، بينما بدأت تنشأ خارجها تجمعات سكنية من الخشب والصفيح ومن الخيم والنوايل. وقد ولدت هذه المشاكل الاقتصادية والمالية توترات اجتماعية وسياسية في صفوف المغاربة وفي الأوساط الاستعمارية.

أما الصناعات المنجمية، التي تعد صناعة تصديرية بالأساس وعنصرا هاما في التوازن المالي للحماية فإنها، وبسبب الأزمة، انهارت صادراتها لكن رغم ذلك، بحسب كتاب عياش، فإنه بعد سنة 1932 وقع انتعاش اقتصادي بطيء على إثر تحسن مبيعات الفوسفاط واستغلال منجم لوي جانتي الغني بالفوسفاط، وارتفاع استخراج فحم جرادة مما يسمح بتقليص واردات المحروقات الصلبة.

واستمرت عملية بناء الموانئ والسدود والطرق والسكك الحديدية ومحطات القطار، والمحطات الكهرمانية، والبنيات الإدارية، وكذا الفيلات والعمارات بالأحياء الأوربية بالرغم من تعافي الاقتصاد في الدول القوية بأمريكا وأوربا، إلا أن سنوات المغرب الموالية كانت قاسية وصعبة، إذ استمرت إلى ما بعد منتصف الثلاثينات.

وبهذا الخصوص، يذكر ألبير عياش أنه في سنة 1936 عم الجفاف في الشمال الغربي. وفي 1937، لم يحصل الفلاحون في المغرب الشرقي حتى على ما زرعوه من بذور وفي كل مناطق جنوب مراكش كذلك. وكانت سنة 1938 فترة عصيبة ودون إنتاج بسبب الجفاف وهلاك الماشية في تلك الفترة ظهر أيضا مرض التيفوس، وكانت الحالات التي تم إحصاؤها حوالي 1844 حالة في سنة 1937، وما يناهز 7437 حالة في سنة 1938، ونسبة إلى المؤرخين، لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعاقبت على المغرب والحماية الفرنسية أزمة اقتصادية جديدة أثقلت كاهلهم، وهي الحرب العالمية الثانية وما أحدثته من أضرار بليغة.

الجوع ينتصر في سنة 1945

لم تمر إلا سنوات قليلة عما خلفته سنوات الثلاثينات حتى دخل المغرب في أزمة اقتصادية جديدة أهلكت ساكنيه، بسبب الجوع وضعف الموارد في سنوات الأربعينات. لما اندلعت الحرب العالمية الثانية، حل الضغط والإكراء محل الإقناع بالتي هي أحسن، حيث سعت سلطات الحماية إلى سد العجز الحاصل في المغرب وفرنسا ». ويضيف ألبير عياش أن ظروف الحماية وحاجيات فرنسا أضحت تحتل مركز الصدارة في سياستها.

ما يزال المغاربة يتداولون عبارة “عام البون”، التي تذكرهم بالتاريخ الأسود من تاريخهم الأليم، حيث قضى أجدادهم نحبا بسبب الجوع. واتخذت لهذا العام أسماء أخرى بإزاء “البون”، كاسم “بوهيوف” أو عام “التيفوس”، وحدد ما بين 1944 و 1945. بحسب تقرير إدارة الصحة العمومية لتلك السنة، فقد بلغ عدد المتوفين 49986 حالة. ويشير التقرير ذاته في ديباجته إلى أن سنة 1945 تعد من أصعب السنوات على الحماية الفرنسية، لأنها كانت سنة عجفاء تصاعدت فيها حدة الأوبئة واستفحلت الأمراض ومات فيها الناس جوعا. وينقل بوجمعة رويان، الباحث في التاريخ، رواية أحد الأشخاص المسنين يقول فيها أنه:

« كان جالسا قرب أخيه لما شرعت الكلاب في قضم أذني أخيه دون أن يقوى على ردها، لأنه كان هزيل البنية من شدة الجوع»

ويضيف الكاتب أنه في الوقت الذي حُرمت فيه إدارة الصحة العمومية من مستخدميها من أطباء وممرضين، عانت من مصاعب التموين بالأدوية والعقاقير، وكانت الأوبئة تعيش في أطراف البلاد، وتردي العديد من سكانها، مما جعل التقرير السنوي لإدارة الصحة يعتبر سنة 1945 من أصعب السنوات التي مرت على هذه الإدارة.

إضافة إلى الظروف الحرب العالمية الثانية التي أنهكت القوى الاقتصادية على النهوض، تميز عام 1945 بالمغرب بنقص كبير في التساقطات المطرية، إذ لم تشهد البلاد مثيلا له منذ نصف قرن. وتوالى على البلاد طقس جاف امتد على عشرة شهور اضطر معه الناس للقيام بصلاة الاستسقاء عدة مرات دون جدوى، وترتب عن استطالة الجفاف تقلص المساحات المعدة للزارعة، وأتى الاصفرار والذبول على ما زرع من الشعير، ويفصل الباحث بوجمعة روبيان في هذه الأوضاع، بأن الأمر ازداد صعوبة بعد هجوم أسراب من الجراد التي التهمت ما اخضر من المغروسات على قلته، وأدى انحباس المطر إلى قلة المياه، حيث جفت كثير من العيون وغارت مياه معظم الآبار بسبب هبوط مستوى الفرشاة المائية، كما انخفض صبيب الأنهار مثلما ما حدث لنهر أم الربيع.

وقد عانى الناس بسبب هذا من النقص في التزود بالماء وخاصة سكان البوادي الذين كانت معاناتهم مضاعفة حيث كانوا يضطرون إلى قطع مسافات طويلة تستمر يوما كاملا لجلب الماء. واعترى الماشية هزال جراء قلة الكلأ والماء وانتشرت بينها الأمراض فنقص القطيع، إذ قل عدد الأغنام من 10 ملايين و 860 رأس سنة 1944 إلى 8 ملايين و 351 ألف رأس سنة 1945.

يشير الباحث نفسه إلى أن مشاركة المغرب في المجهود الحربي الفرنسي كانت له آثار بينة في نقص احتياطي الحبوب الذي اعتاد المغاربة على خزنه تحسبا لفترات المحن والجفاف، وذلك بعد أن “ساهمت سلطات الحماية في إفراغ المطامير التي كانت إلى حدود سنة 1943 تغص بالحبوب”. فارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل لم يسبق به عهد، إذ انتقل ثمن القنطار من الشعير من 2000 فرنك إلى 5000 فرنك ووصل في بعض المناطق إلى 11000 فرنك، وأصبحت المواد الأساسية تباع في السوق السوداء بسبب ارتفاع الأسعار بأضعاف السعر المحدد لها، بحسب ما أكده أيضا المختار السوسي في كتابه “المعسول”.

نتيجة لقلة الأمطار وكساد الفلاحة، تضرر قطاع تربية المواشي من كل هاته الظروف، إذ «فتك الموت فتكا ذريعا بالبغال والخيل والحمير من جراء نقص الكلأ، حيث أصبحت المراعي غثاء من فرط الجفاف، وقل الشعير واضطر الناس إلى فتح الحقول أمام المواشي كما نضبت الاحتياطات من التبن» ويضيف صاحب كتاب “الطب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب” أن الأمراض انتشرت بشكل كبير، بحيث طالت المواشي الحمى القلاعية وأمراض متعددة أخرى ونفقت العديد من الرؤوس من جراء الجوع والمرض بلغت حتى إلى نصف القطيع، وتحت طائلة الجوع، أقبل المغاربة على بلوط الغابات وفصوص الخروب، على الرغم مما كان يتربص بملتقطها من عقوبات لدى سلطات الحماية.

« كما رتع الناس بنهم في الإجاص البري وانتشروا في الأرض بحثا عن عساقيل أخرى مثل “تلغودة” و “كتارة” بالرغم من أن التمادي في استهلاكها كان يسبب تقرحات معدية قد تؤدي بصاحبها إلى الموت»، وفق ما يورده الباحث بوجمعة رويان.

محاولات الحماية الفرنسية

كان لابد لسلطات الحماية من أن تتخذ إجراءات تحد من تفاقم هاته الأوضاع، وارتباطا بما عاشه المغاربة ونعتوه بعام البون، ذلك أنه كان يتم اعتماد نظام “البون” وهو وصل يسلم لكل رب أسرة يخوله الاستفادة كل شهر من كمية معينة يختلف مقدارها من منطقة لأخرى.

اعتبر الباحث رويان أن تدخل سلطات الحماية خلال عام الجوع تم في إطار ما أسمته “مكافحة الجوع”، وذلك من خلال عمليتين، همت أولاها تحرير سوق اللحم في محاولة لاستغلال قطعان الماشية، وثانيهما ما عرف يومئذ بمعجزة القمح، لكن هذه العملية، بحسب الباحث نفسه، لم يكن بإمكانها أن تحل مكان الخبز، لأن المجتمع المغربي يستهلك الخبز بكثرة.

وبالنسبة للعملية الثانية، فتتعلق بجلب القمح من الخارج، وخاصة القمح الأمريكي، كما رتبت سلطات الحماية مع الجمعيات الخيرية الإسلامية والفرنسية، وكذا الرابطة الإسرائيلية، من أجل توزيع “حريرة” مع بعض الخبز على المعوزين في كل يوم. من جهة أخرى، عانت بعض المناطق من ندرة المياه بالرغم من تدخل الإدارة الفرنسية وفرضها الأنظمة صارمة في هذا الأساس.

ويسجل رويان، في مقالته حول مجاعة 1945، أن المدن التي تعتمد في تزودها بالماء من قناة الفوارات، وكذا مدينة وزان، خضعت لتحديدات صارمة في توزيع الماء، وبالتالي عاني سكان البوادي من صعوبات في التزود بالماء.

كيف استغل أعوان السلطة ضعف المغاربة

بخصوص الأوضاع التي عاشها المغرب في ما سمي بعام الجوع، جاءت في موسوعة “معلمة المغرب” إشارة إلى تصرف بعض المغاربة تجاه بعضهم، وبالتحديد المسؤولين المغاربة تجاه ذويهم، تذكر الموسوعة أنه

«نتيجة كثرة الطلب على المواد الأساسية خلال فترة تقنين المواد و توزيعها مقابل “البون”، كان المراقب وأعوانه من الشيوخ والمقدمين يحتكرون أوراق التموين لبيعها بأثمان مرتفعة جدا أو لتقديمها مقابل خدمات في ضيعات المعمرين ومشاريعهم وبهذا فإن عملية تقنين توزيع المواد الأساسية كانت تفتح الباب على مصراعيه أمام استغلال أوراق التموين لمآرب شخصية وأمام الاغتناء والاحتكار والسوق السوداء، ثم إن التقنين لم يكن مفروضا بالشكل الذي رأيناه من التقشيش والتقتير سوى على المغاربة.

بواسطة
غسان الكشوري
المصدر
ألبير عياش، الحركة النقابية في المغربعبد الحميد احساين، الإدارة المركزية في عهد الحمايةبوجمعة رويان، الإدارة المركزية في عهد الحمايةوقفات في تاريخ المغرب
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق