التاريخ العالمي

الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929 وأبعادها العامة

انطلقت أزمة 1929 من الولايات المتحدة الأمريكية، وانتشرت في باقي البلدان الرأسمالية والمستعمرات التابعة لها، ومست الأزمة مختلف الميادين، وكانت لها انعكاسات عميقة على تطور الأحداث الداخلية للبلدان المتضررة وعلى العلاقات الدولية القائمة.

الحالة العامة للبلدان الرأسمالية فيما بين الحربين والجذور العميقة للأزمة

ازدادت المؤسسات الرأسمالية تركزا وتضخم انتاجها في وقت تقلصت القدرة الشرائية الداخلية وتعممت الحمائية

اعتمد النظام الرأسمالي على البحث عن الأرباح المتزايدة كمحرك أساسي له. فمنح للأفراد والمقاولات حرية التصرف المطلقة في الإنتاج والتسويق؛ وبذلك فسح المجال للمنافسة الشديدة بين المنتجين، وعرَّض المجتمع لأزمات اقتصادية دورية كلما اختل التوازن بين الإنتاج (العرض) والاستهلاك (الطلب). وسبقت هذه الأزمات فترات من التوسع الاقتصادي النسبي حملت في طياتها بوادر الخلل. وظل الرأسماليون يعتقدون أن هذه الأزمات لاتشكل خطرا على الاقتصاد، وأنها عابرة وقصيرة المدى.

وكانت آخر أزمة دورية شهدتها البلدان الرأسمالية قبل سنة 1929، والتي دامت ما بين 1920 و 1921، وارتبطت بمشاكل تحويل الاقتصاد من الإنتاج الحربي إلى الإنتاج العادي.

وبعد هذه الأزمة شهدت أغلب البلدان الرأسمالية، بشيء من التفاوت، توسعا نسبيا، عرفت خلاله المرافق الاقتصادية إدخال تحولات استهدفت تحسين ظروف الإنتاج ورفع المردودية وأرباح الشركات.

وفي إطار هذا التوسع تعززت ظاهرة التركز الاقتصادي التي أفرزت تجمعات كبرى للشركات احتكرت الانتاج والتسويق.

واستفادت الصناعة من تطوير التقنيات وإدخال العمل المتسلسل وطرق تايلور (TAYLOR) لتسيير المقاولات. ونتيجة لكل ذلك عرف الإنتاج الصناعي بالبلدان الرأسمالية تزايدا كبيرا.

وفي الفلاحة أدخل ملاكو الأراضي المكننة، واستعملوا الأسمدة وعملوا على الإنتاج أكثر للرفع من المردودية؛ مما جعل عرض المنتوجات الفلاحية على المستوى العالمي سنة 1925 يفوق بكثير طلب الأسواق الداخلية والخارجية.

ولعل من أخطر المشاكل، التي ميزت هذه الفترة، أن استهلاك البضائع (الطلب) لم يساير ارتفاع الإنتاج (العرض). وبرکود القدرة الشرائية لدى أغلبية السكان، لجأت الدول الرأسمالية إلى السوق الخارجية لتصريف بضائعها. لكنها في نفس الوقت اتخذت إجراءات متنوعة استهدفت من خلالها حماية أسواقها الداخلية؛ مما عرقل حركة المبادلات الدولية وبدأ يخل باقتصادیات عدد من البلدان.

أفرز التوسع الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية اختلال التوازن بين العرض والطلب وموجة واسعة من المضاربات المالية

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من غيرها خلال الربع الأول من القرن العشرين موجة واسعة من التركز الإقتصادي، وذلك رغم القوانين المحدِّدة لنفود الشركات الكبرى والتي حاول الرئيس الأمريكي ولسن تطبيقها لحماية المقاولات المتوسطة والصغيرة من الإفلاس.

فخلال هذه الفترة اندمجت شركات كثيرة في تركزات أفقية وعمودية كبرى، وتوسعت استثماراتها ومصالحها على حساب العديد من الشركات الضعيفة.

وازدادت ظاهرة التركيز توسعا خلال حكم الجمهوريين (هاردنغ HARDING و کولیدج COOLIDGE وهوفر HOOVER) مابين 1920 و 1932، ووفرت له الدولة وسائل نمائه.

وتبعت هذه التركيزات الصناعية تحولات جذرية في وسائل وأساليب العمل أدت إلى ارتفاع الإنتاج بشكل واسع.

لقد حقق التركيز الاقتصادي بعد سنة 1920 قفزة جديدة إلى الأمام. ففي سنة 1929 كانت 200 مقاولة تحتكر حوالي نصف الرواج التجاري وخمس ثروات الولايات المتحدة. وسيطرت المؤسسات التجارية الكبرى على %25 من مجموع تجارة التقسيط …

وفي سنة 1903 كان عدد المقاولات المختصة في صنع السيارات يصل إلى 10 مقاولة، بينا لم يبق منها سنة 1926 إلا 181 مقاولة منها ثلاث مقاولات رائدة وهي : فورد وجنرال موتورس وكريزلير. وفي هذا الميدان لم تعد المنافسة قائمة حول الأثمان فحسب، بل تحولت الى الابتكارات التقنية وإلى البحث عن توفير الرخاء والأشكال الجميلة.»

أ. كاسبي : تاريخ الولايات المتحدة – منشورات کولان، 1965

وخلال هذه الفترة من التوسع النسبي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة %57 ، في حين عرف الإنتاج الفلاحي تضخما كبيرا تسبب في إصابة القطاع الفلاحي بصفة مبكرة بأزمة عميقة تمثلت في انهيار متوال للأسعار وهجرة واسعة من البوادي نحو المدن.

وبالمقابل، لم ترتفع أجور العمال إلا بنسبة ضعيفة لا تفوق %13؛ مما قلص القدرة الشرائية ودفع المقاولات إلى استعمال الإشهار للتعريف بمنتوجاتها وخلق الرغبة الشرائية لدى المستهلكين. وقدمت لهم القروض قصد التشجيع على الشراء بالسلف. لكن ذلك لم يكوِّن حافزا كافيا لرفع الاستهلاك الإجمالي، في وقت تزايد فيه عدد العاطلين فأصبح يفوق مليون نسمة.

وبموازاة ذلك تقلصت السوق الخارجية الأوربية على الخصوص بسبب استعادتها لقدرتها الإنتاجية وسنها سياسة حمائية إزاء المنتوجات الأجنبية.

ورغم هذه المشاكل التي مست القطاعات الإنتاجية، لم تتأزم المعاملات المالية، بل استمرت المضاربات التجارية والبورصوية، وبالغ أصحاب رؤوس الأموال في استغلال إمكانات السلف والصرف؛ إلى أن أصبح النظام الرأسمالي الأمريكي سنة 1929 يرتكز على ثقة المساهمين وتفاؤلهم بالغد الأفضل. وانتقلت القيمة الإجمالية لأسهم الشركات المسعرة ببورصة «وول ستريت» بمدينة نيويورك من 27 مليار دولار سنة 1925 إلى 87 مليار دولار سنة 1920. فارتفعت معها قيمة الأسهم ثلاث مرات في ظرف أربع سنوات. ولم يكن ذلك يعبر عن الزيادة الحقيقية الحاصلة في أرباح الشركات.

ومما زاد الأمر خطورة أن جزءا كبيرا من عمليات شراء الأسهم قصد المضاربة فيها كان يتم عن طريق قروض قصيرة الأمد وذات معدلات فائدة مرتفعة. وأصبح بإمكان المضاربين أن يساهموا ب % 10 فقط من رأسمال السهم، بينما يغطون الباقي عن طريق القروض.

ولم تعد الأبناك وحدها هي التي تقدم القروض، بل أصبحت حتى الشركات التجارية والصناعية بدورها تسلم قروضا للمضاربين أملا في الحصول على معدلات فائدة كبيرة وسريعة.

وبذلك أصبح النظام الاقتصادي کله يرتكز على ثقة المضاربين المفرطة في التوسع الاقتصادي الظاهري وفي حتمية تزايد أرباح الشركات واستمرار ارتفاع قيمة أسهمها.

اندلاع الأزمة الاقتصادية وانتشارها

انطلقت الأزمة من الولايات المتحدة الأمريكية

اندلعت الأزمة في الولايات المتحدة وأصابت كل المرافق المنتجة بالشلل

أدى استمرار تضخم الإنتاج في الفلاحة والصناعة مع تقلص الطلب الداخلي والخارجي، إلى تشكيك المساهمين في قيمة الأسهم التي في حوزتهم، وفقد الثقة في صحة المؤسسات الاقتصادية الأمريكية. لذا، وفي يوم الخميس 24 أكتوبر (الملقب بالخميس الأسود)، عرضت أكثر من 12 مليون من الأسهم للبيع في بورصة نيويورك، مما أظهر الأزمة للجميع وبعث الرعب في الأوساط المالية الرأسمالية. وفي يوم الثلاثاء 29 أكتوبر عرضت 16 مليون من الأسهم فانهارت قیمتها بشكل مهول.

وأدى هذا الانهيار البورصوي إلى إفلاس المساهمين والمضاربين، والى إضعاف امكانات السلف والصرف، وإلى إغلاق البنوك. فخلال سنتي 1931 و 1932، أغلقت أكثر من 5000 مؤسسة بنكية، في حين حاولت بعض الأبناك الكبرى التخفيف من حدة الأزمة باسترجاع رساميلها المودعة بالأبناك الأوربية مما نقل الأزمة إلى الخارج أيضا.

أما في المرافق الإنتاجية، فقد استمر فائض الإنتاج وانخفضت الأسعار بنسب متفاوتة. ففي الصناعة انخفضت الأسعار بنسبة تفوق %20 وأغلقت مؤسسات صناعية عديدة أبوابها في انتظار عودة الاستقرار. وفي الفلاحة انهارت الأسعار بنسبة تفوق %50 وأفلس عدد كبير من الفلاحين وعجزوا عن تسديد قروضهم، واضطروا إلى الهجرة إلى المدن بعد التخلي عن أراضيهم للمقرضين.

ولم تعر الحكومة الجمهورية أزمة 1929 الاهتمام اللازم في البداية، واعتبرتها مجرد أزمة عابرة وقصيرة المدى. ويرجع هذا الموقف إلى تشبت الحكم الجمهوري بالليبرالية المطلقة. فالجمهوريون كانوا يعتقدون أن الأزمات الدورية لا تعارض استمرار التوسع الأقتصادي، بل تشكل حافزا مشجعا ومحركا للاقتصاد. لذا لم تتدخل الدولة إلا باتخاذ إجراءات محدودة مثل الرفع من الرسوم الجمركية لحماية الصناعة الوطنية، وتقديم بعض المساعدات للمؤسسات الصناعية المتأزمة، وشراء كميات محدودة من المنتوجات الفلاحية للتخفيف من انهيار الأسعار. كما اتخذت قرار تحديد الهجرة الوافدة عليها.

وخلال هذه الفترة كان الرئيس الأمريكي هوثر من الحزب الجمهوري ينتظر نفاذ السلع التي اكتضت بها الأسواق وعودة الاستقرار. وكان يصرح

«إن الأزمة ستنتهي في ظرف 60 يوما … نحن في طريق الازدهار … اشتروا الأسهم الآن فإن الازدهار في منعطف الطريق … ».

فأبدى الحكم الأمريكي إذن تفاؤلا كبيرا، ولذا لم يتمكن من مواجهة الأزمة. واستمر هذا التفاؤل الرسمي في الوقت الذي أصبح الرأي العام الأمريكي مقتنعا بأن الأزمة تعني إفلاس الرأسمالية الحرة.

تضررت من الأزمة مختلف الفئات الاجتماعية

أصابت الأزمة بصفة متفاوتة أغلبية الفئات الاجتماعية من أصحاب المعامل ورجال الأعمال ومساهمين صغار وعمال وفلاحين. فتضرر الجميع واختفى التفاؤل الذي كان سائدا. فانخفضت القدرة الشرائية الإجمالية للمستهلكين، وتقلصت إمكانات استيعاب الإنتاج الأمريكي. فأثر ذلك على المرافق الأخرى، وعمت البطالة إلى أن وصلت 14 مليون عاطل سنة 1932.

وتزايد غضب الفئات الأكثر تضررا، وعبروا عن سخطهم بتنظيم مسيرات للجياع بالغرب أو بالهجرة نحو المدن الكبرى التي انتشر بها التسكع وكثرت فيها الاصطدامات الدموية.

ولم يبق الميدان الفكري بمعزل عما أصاب الميادين الأخرى من جراء الأزمة. فاهتم الكتاب بالجوانب الاجتماعية الواقعية مثل : دوس باسوس (DOS PASSOS) و وليام فولكنر (WILLIAM FAULKNER) و شتاينبك (STEINBECK) الذين وجهو اتهاماتهم الشديدة للمدنية المعاصرة.

خلال سنة 1932 كانت تطرد كل شهر حوالي 17000 أسرة من منازلها لعدم تأديتها واجبات الكراء. فنشأت على ضفاف نهر الهدسون وبأحياء البرونكس وبروكلين دور شيدت بالكرطون والقصدير. ولقبت هذه الأحياء القصديرية ـ بـ «هوفرسيتي» (أي مدن هوفر) مهداة بذلك إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

کتاب موریس روا : (1979 – 1929) « من أزمة إلى أخرى » منشورات ستفن 1978

انتقلت الأزمة بتفاوت إلى كل البلدان المرتبطة بصفة مباشرة أو غير مباشرة بالولايات المتحدة

انتشرت الأزمة إلى كل البلدان الرأسمالية وكانت لها عواقب وخيمة

تضررت الدول الأوربية على الخصوص من السحب المفاجي للرساميل الأمريكية المودعة بأوربا ومن انتشار نظام الحمائية. كما عانت بعضها خصوصا ألمانيا والنمسا من توقف الاعانات الأمريكية.

ففي النمسا، انتشرت الأزمة بصفة مبكرة في ماي 1931 بعد السحب الشامل للرساميل وتوقف المساعدات الأمريكية، مما أدى إلى إفلاس الأبناك وعرقلة بناء المنشات الاقتصادية.

كما تسربت الأزمة إلى ألمانيا في يونيو 1931 بعد إفلاس الأبناك الكبيرة التي اضطرت إلى استعمال الاحتياطات الذهبية لتسديد الديون.

وتضرر الاقتصاد البريطاني من انهيار التجارة الدولية، ومن تجميد الاحتياطات المالية البريطانية المودعة في كل من النمسا وألمانيا. فعجزت بذلك انجلترا عن تسديد القروض الامريكية. وفي فرنسا، لم تظهر الأزمة إلا بشكل خفيف ومتأخر سنة 1932، بسبب قلة ارتباطها بالرساميل الأمريكية، ووفرة موادها الفلاحية والأولية، واعتمادها الكبير على مستعمراتها.

أما في اليابان، وبعد استفادة كبيرة من ظروف الحرب العالمية الأولى التي سمحت لليابان بتعويض الدول الأوربية في أسواق جنوب شرق آسيا، عرفت البلاد صعوبات عديدة بسبب عدم التوازن بين حاجياتها وإمكانياتها. فبالإضافة إلى قلة الثروات الباطنية وتقلص الأراضي الصالحة للزراعة واستمرار التكاثر الديمغرافي، عانت اليابان من تأزم التجارة الدولية. ومع أزمة 1929، أخذت معظم الدول بسياسة الحمائية، ففرضت ضرائب جمركية عالية على الصادرات اليابانية نحو دول العالم. فلجأت اليابان إلى تخفيض عملتها، ونهجت سياسة إغراق الأسواق بالبضائع الرخيصة. ومع ذلك أصبح من الصعب على اليابان تسويق منتوجاتها، واستحال عليها الحصول على ما تحتاجه من مواد أولية.

«إننا نطالب بالاعتراف بحقنا في ضمان إمكانية العيش لشعبنا. فإذا كان يحلو لبلدان العالم القديم إغلاق حدودها ومنع التجارة الدولية حتى داخل مستعمراتها بما وراء البحار، فإن هذا الإجراء لن يساعد على تنمية الصالح العام بل سيساهم في التحضير لنزاع دولي.»

من تصريح لسفير اليابان بباريس من كتاب التاريخ : منشورات مونييی ص 145

وبعد أن تكدست البضائع وتعممت الحمائية، انخفض الإنتاج الصناعي مثلا ما بين سنتي 1920 و 1982 بنسبة %40 في ألمانيا و % 34 في إيطاليا و %26 في فرنسا، وفي نفس المدة تدهورت المبادلات الدولية بنسبة %40، وانخفضت الصادرات بنسبة %70 في بريطانيا و %60 في ألمانيا و %55 في إيطاليا و %20 في فرنسا.

وحاول أرباب المؤسسات مواجهة الأزمة وإعادة التوازن بين العرض والطلب بتخفيض الإنتاج. فأثر ذلك على اليد العاملة ووصل عدد العاطلين سنة 1932 إلى 6 ملايين في ألمانيا و 2,7 مليون في بريطانيا و 1,3 مليون في إيطاليا و 350.000 في فرنسا.

ومع انتشار البطالة وتعميم اللجوء إلى التضخم المالي، انخفضت القدرة الشرائية للفئات الوسطى، وتضرر العمال، وعمت المجاعة وكثرت الجرائم، واحتوت المدن الالاف من المشردين.

وفي خضم هذه المشاكل التي عمت العالم الرأسمالي، ازداد السخط على الأنظمة السياسية التي تسببت في نشوب الحرب العالمية الأولى والتي لم تستطع مواجهة مشاكل الأزمة. فتعززت النقابات والأحزاب والتيارات المعارضة للأنظمة القائمة. وتزعزعت الحكومات الأوربية، وعرفت بعض التحولات، مثل تكوين حكومة ائتلافية في بريطانيا، ووصول الجبهة الشعبية اليسارية إلى الحكم في فرنسا سنة 1936. كما تم تعزيز النظام الفاشستي في إيطاليا، وظهور النظام النازي في ألمانيا، وقيام نظام عسكري توسعي في اليابان. لكن قيام هذه الدكتاتوريات لم يمس جوهر الرأسمالية بل استهدف إنقادها وتعزيزها.

حاولت الدول الاستعمارية التخفيف من الأزمة بتشديد الاستغلال على المستعمرات

تسربت الأزمة إلى المستعمرات التي كانت مرتبطة بصفة مباشرة بالدول الأوربية، وبصفة غير مباشرة بالولايات المتحدة الأمريكية. كما مست البلدان الفقيرة التي كانت مرتبطة بالسوق العالمية.

فعندما تطورت الدول الرأسمالية وفاض إنتاجها الصناعي وانخفضت مبيعاتها وعجزت عن استيراد المواد الغذائية، توجهت إلى مستعمراتها وشددت عليها الاستغلال. وهذا ما قامت به بصفة خاصة بريطانيا في العالم الهندي، واليابان في الصين وجنوب شرق آسيا، وايطاليا في ليبيا، وفرنسا في الشمال الإفريقي والهند الصينية وافريقيا الغربية.

ومع انهيار الانتاج الصناعي العالمي، انخفضت أثمان المواد الأولية والمنتوجات الفلاحية، التي كانت تشكل المورد الأساسي للمستعمرات والبلدان الفقيرة. واضطرت الشركات الرأسمالية الموجودة بهذه البلدان في كثير من الأحيان إلى إتلاف جزء من منتوجاتها للتخفيف من حدة فائض الانتاج وانخفاض الأسعار.

ففي البرازيل مثلا، تم إحراق مئات الالاف من أطنان البن، واستعماله كمصدر للطاقة عوض الفحم. وفي كوبا تم إتلاف كميات ضخمة من السكر لانخفاض أسعاره في السوق العالمية، وانتقلت مداخيلها من السكر من 375 مليون دولار سنة 1924 إلى 90 مليون دولار سنة 1930.

كما خففت الشركات الاستخراجية نشاطها مثلما وقع بالمغرب بالنسبة للفوسفاط وباقي المعادن الأخرى.

ومن جراء هذه المشاكل، اضطر الكثير من الفلاحين إلى مغادرة أراضيهم وتركها بأبخس الأثمان للمعمرين والمضاربين. فساهم ذلك في تعميق الصراع بين السكان المحليين والسلطات الاستعمارية، وفي ظهور فئة محلية مستفيدة وطموحة، وفي تنشيط الحركات الوطنية.

وفي الوقت الذي كان فيه العالم الرأسمالي يعاني من أزمة هيكلية عنيفة، كان الاتحاد السوفياتي يحقق مخططه الخماسي الأول. ولم تتسرب إليه الأزمة نتيجة انسلاخه من التبعية للبلدان الرأسمالية، وانعزاله عن النظام النقدي الدولي وعن العلاقات التجارية الخارجية، واعتماده وقتئد على سياسة التخطيط التي مكنته من التوفيق بين العرض والطلب.

أشكال مواجهة الأزمة في البلدان الرأسمالية

لجأت الديمقراطيات الرأسمالية إلى التدخل المباشر في الإقتصاد

ظلت النظرية الاقتصادية الرأسمالية الكلاسيكية تعتبر أن أسباب نشوب الأزمات الدورية تكمن في الإفراط في الاستثمار. واقترحت كحل للأزمة التخفيض من نسب الفوائد البنكية لتوفير الرساميل لأرباب المصانع، والتسريح «المؤقت» والواسع للعمال، والتخفيض من الأجور للتخفيف من تكاليف الإنتاج ومصاريف المقاولات. واعتقدوا أن مع هذه الإجراءات سيعود الاقتصاد بصفة تلقائية إلى ظروفه العادية.

فشهد العالم الرأسمالي سنة 1930 انخفاض أثمان المواد الأولية والآلات ونسب الفوائد البنكية وأجور العمال، وارتفاع عدد العاطلين. لكن الأزمة استمرت وطال انتظار الرخاء الموعود. واستمر الاقتصاديون الليبراليون في مطالبة الحكومات الرأسمالية بالتقشف والعدول عن مساندة العاطلين والشركات المفلسة. وألحوا على ضرورة تدخل الدولة لفرض تخفيض أكبر للأجور وحماية قوانين السوق الحرة.

«لا يجادل أحد في كوننا سنوفر العمل للكثير من الناس بتخفيض أجور العمال إلى الحد الضروري. إن المشكل واضح والحل بسيط. والنتيجة أن الجميع سيجد في ذلك منفعة. سينخفض عدد العاطلين وعدد الشركات التي تعمل بعدد قليل من العمال. سيتقلص أجر العامل الواحد، ولكن عدد العمال المأجورين سيرتفع. وبذلك ترتفع القيمة الإجمالية للأجور المدفوعة للعمال في نهاية الأسبوع، وبالتالي ستزداد القدرة الشرائية.»

سغفريذ (SIEGRRIED) : الأزمة البريطانية في القرن xx منشورات أ. كولان 1975

واتبعت نصائح هذا الاتجاه الاقتصادي الرأسمالي في عدد من الدول الرأسمالية، مثل ألمانيا التي تقرر فيها سنة 1932 عدم تشييد منشأت عمومية جديدة، وتخفيض أجور الموظفين بنسبة %20، وتقليص مساعدات العاطلين. فخلفت مثل هذه الإجراءات سخطا كبيرا لدى الرأي العام دون أن تعيد للاقتصاد نشاطه.

وأمام استفحال الأزمة، تبلورت وتعززت الفكرة القائلة بضرورة تدخل الدولة بطريقة أكثر شمولية وفعالية، لمواجهة ظاهرة البطالة التي أصبحت تجسد مصدر توتر اجتماعي واسع وبدأت تكون خطرا سياسيا متصاعدا.

ومع الممارسات المرتجلة الأولى التي قامت بها الحكومات الرأسمالية برزت نظرية الكينزية KEYNES الذي دعا كينز منذ سنة 1925 إلى مواجهة داء الرأسمالية القاتل والمتمثل في البطالة.

ومن أجل ذلك عارض کینز النظرية الليبرالية الكلاسيكية، معتبرا أن الأزمة ليست ظرفية وعادية، وأن الرخاء لايمكنه أن يعود بطريقة طبيعية وتلقائية. كما ربط الرخاء بالاستثمار، ودعا إلى ضرورة الرفع من الأجور لتشجيع الاستهلاك.

إنه لمن الضرورة الحيوية أن تسند للمؤسسات الحكومية سلطات مخولة اليوم في مجملها للمبادرة الحرة … لكنه ليس من مصلحة الدولة أن تستحوذ على ملكية وسائل الإنتاج … وإن توسيع المؤسسات الحكومية الضرورية لضمان الشغل للجميع سيؤدي بالطبع إلى توسع وظائف الدولة، الشيء الذي يسمح لها بالتأثير على الاستهلاك والاستثمار وقد يبدو ذلك بالنسبة لرجل الأموال الأمريكي بمثابة أبشع خرق للمبادئ الفردية. لكنه في الحقيقة الحل الوحيد الكفيل بحماية المؤسسات الاقتصادية الحالية من الخراب ».

جون مينارد كينز . من كتاب «النظرية العامة للشغل والفائدة والعملة»

تدخلت الدولة في الولايات المتحدة بواسطة الخطة الجديدة «نيودیل»

مثلت سياسة الرئيس الأمريكي روزفلت منذ سنة 1932، أول محاولة رأسمالية مطابقة لنظرية كينز؛ الرامية إلى إعطاء دور أكبر للدولة في توجيه ومراقبة النشاط الاقتصادي، من أجل إنقاد النظام الرأسمالي المصاب بالخلل. ومن أجل ذلك وضع روزفلت بمساعدة مجموعة من المستشارين عدة تدابير عرفت بـ «نیودیل» (NEW DEAL) أي الخطة الجديدة.

ولد روزفلت سنة 1882 في أسرة غنية من أصل هولندي. اشتغل بالمحاماة أولا، ثم أصبح عضوا بمجلس الشيوخ. وانتقل بعد ذلك ليقوم بمهام سياسية جديدة، حيث تقلد منصب كاتب الدولة في البحرية، إلى أن انتخب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية سنة 1932 ممثلا للحزب الديمقراطي. فعمل منذئد على تدخل الدولة في الاقتصاد كحل للأزمة.

ومن أهم التدابير المستعجلة المتخذة تنظيم برنامج للأشغال العمومية الكبرى لتوفير الشغل للعاطلين ومساعدة العاجزين عن العمل لخلق قدرة شرائية وتشجيع الطلب والاستهلاك.

ولتمويل سياستها وحمايتها، قامت الدولة بإعادة تنظيم المؤسسات المالية ومراقبتها بمقتضى «قانون الإنقاد البنكي» لسنة 1933. كما أصدرت الحكومة في نفس السنة «قانون التوازن الفلاحي» الذي استهدف رفع الأسعار الفلاحية بتخفيض الإنتاج، ومنح إعانات مالية للمزارعين الذين يقومون بتحديد إنتاجهم أو ماشيتهم، فساعدتهم على تسديد ديونهم واسترجاع أراضيهم المرهونة.

واهتم «قانون إصلاح الصناعة» لسنة 1933 بالتخفيف من المنافسة بين مؤسسات القطاع الواحد، ووضع حد أدنى للأسعار والأجور، وخفض ساعات العمل الأسبوعية. كما حاولت الدولة الرفع من صادرات الولايات المتحدة بتخفيض الرسوم الجمركية بنسبة %50 على السلع الواردة من البلدان التي تعامل البضائع الأمريكية بالمثل، وخفضت حكومة روزفلت قيمة الدولار بنسبة %41 سنة 1924 لتشجيع الطلب الخارجي للمنتوجات الأمريكية.

وفي نفس الفترة تعددت الحركات العمالية وتزايد عدد المنخرطين في النقابات، واعترفت الحكومة بالحق النقابي للعمال بمقتضى «قانون فاكنير» لسنة 1935. كما حددت ساعات العمل الأسبوعية في 36 ساعة، ورفعت الأجور، وأحدثت التأمين ضد الشيخوخة والبطالة.

فأحرزت الخطة الجديدة على نتائج عديدة من أهمها ارتفاع الأسعار بنسبة %31 والانتاج بنسبة %64 والدخل الوطني بنسبة %70 والصادرات بنسبة %30 وذلك ما بين سنتي 1933 و 1937. وتحول عدد العاطلين من 14 مليون سنة 1932 إلى 7.5 مليون نسمة سنة 1937.

ومع تدابير الخطة الجديدة تحولت الرأسمالية الأمريكية من مرحلة الليبرالية المطلقة إلى مرحلة الرأسمالية الموجهة.

لكن سياسة روزفلت عرفت عدة صعوبات نظرا لعدم اقتناع الجميع بالتدابير المتخذة.

فلم يقم الفلاح بتحديد إنتاجه بصفة فعلية، فاستمر الفائض واستمرت الأسعار الفلاحية في الانخفاض. كما رفضت المؤسسات الصناعية تطبيق إجراءات الحكومة. ورفع أرباب المعامل شكوى ضد روزفلت أمام المحكمة العليا، وساندت المحكمة العليا أرباب المعامل، واعتبرت تدخل روزفلت في الاقتصاد عملا مضادا لمبادئ الدستور، وألغت التدابير الفلاحية والصناعية. وكادت سياسته أن تفشل لولا مساندة قوى اقتصادية عديدة مقتنعة بأعماله.

فتمكن من الفوز في الانتخابات مرة أخرى سنة 1939 الشيء، الذي سمح له باتباع سياسته الجديدة.

وإذا كانت الخطة لم تحقق كل أهدافها، فإنها أعادت التوازن للاقتصاد الأمريكي وأنقدت الرأسمالية من الانهيار. وفتحت الحرب العالمية الثانية الأسواق الأوربية من جديد، وساهمت في تعزيز الاقتصاد الأمريكي.

تميزت الأنظمة الفاشستية بالتدخل الاقتصادي الشامل وباللجوء الى الطرق غير السلمية

لم تختلف الاجراءات المتخذة في البلدان الرأسمالية الفاشستية عن تلك التي انتهجت في البلدان الرأسمالية الأخرى بصفة جذرية. فقد تميزت هي الأخرى بالتجريبية EMPIRISME والارتجال ثم بالتدخل الشامل للدولة قصد التوجيه والمراقبة. لكن الإجراءات المتخذة من طرف الأنظمة الفاشستية اتخذت أشكالا أكثر تطرفا وقوة.

ويرجع هذا الاختلاف إلى طبيعة البنيات الاقتصادية الهشة لكل من ألمانيا وايطاليا واليابان وإلى تفسخ ترکیب مجتمعاتها.

فالبلدان الثلاث وجدت نفسها في وضعية من التأزم جعلت حكوماتها تفكر في السبل التي تمكنها من جلب المواد الأولية من الخارج بأبخس الأثمان، وفي كيفية تشغيل ملايين العاطلين دون خلق فائض في الانتاج. كما عانت هذه الدول من عدم توفر الأرصدة المالية الكافية لتمويل مشاريع الانقاذ.

ولحل معضلة البطالة اتجهت الحكومات الفاشستية في البداية إلى تنظیم برنامج للأشغال العمومية الكبرى كتشييد الطرق والسدود وتجفيف المستنقعات.

ولتوفير الشغل لأكبر عدد من العاطلين، قامت الدول الفاشستية بتخفيض ملموس للأجور، بعد تلجيم النقابات وتأطير العمال وإثارة الشعور القومي لديهم وحثهم على تقديم المزيد من التضحيات لإنقاذ الوطن.

ولتمويل مشاريعها واجتناب التضخم المالي، قامت الدول الفاشستية بتجميد الأسعار والرفع من الضرائب وسن القروض الإجبارية. وبذلك تكون الدولة قد تدخلت وبقوة في مختلف المرافق الانتاجية وحصلت على نتائج ملموسة.

ومن أجل سد حاجياتها الداخلية المتزايدة وإشباع طموحاتها الرأسمالية التوسعية، اهتمت الأنظمة الفاشستية بتطوير صناعات الأسلحة وتحويل جزء من النشاط الاقتصادي إلى المنتوجات الحربية. وكان من الضروري بالنسبة لهذه الدول إيجاد حل للحصول على المواد الأولية الضرورية لصناعة الأسلحة، وذلك في وقت لم تكن تتوفر فيه على أرصدة كافية من الذهب أو العملة الصعبة أو على إمكانية الحصول على قروض أجنبية، فاتجهت نحو التوسع المسلح.

وهكذا مثلث أزمة 1929 منعطفا كبيرا في تاريخ البلدان الرأسمالية والبلدان التابعة لها. فقد أدخلت تغيرات على النظام الإقتصادي الرأسمالي، وأدت إلى تأزم الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وساهمت كذلك في خلق ظرف دولي جديد مهد لقيام الحرب العالمية الثانية.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق