عين على التاريخمقالات

مدرسة الريف.. التعليم في جمهورية عبد الكريم الخطابي

أعد محمد بن عبد الكريم الخطابي برنامجا تعليميا نموذجيا مستمدا أصوله من الحداثة الغربية والفكر الإصلاحي الإسلامي، وجاعلا اللغة العربية لغة التدريس الأولى.

اقرأ في هذا المقال
  • الإصلاح الإسلامي والحداثة الغربية
  • "مسيد" عصري
  • "المدرسة الوطنية"
  • التأثير المشرقي
  • العروبة والأمازيغية

قال علال الفاسي، الزعيم الوطني الشهير، إن الجمهورية الريفية لم تفتح ولو مدرسة واحدة طيلة عمرها الممتد لحوالي خمس سنين. ردا على ذلك قال محمد بن عبد الكريم الخطابي:

“أنتم الوطنيون لم تقوموا بأي شيء سوى بتأسيس المدارس، إلى غاية نهاية الحرب العالمية الثانية”

نعرف اليوم أن الخطابي أسس هو الآخر المدارس، بل وضع نظاما تعليميا متكاملا لجمهورية الريف الناشئة.

لا يجب أن ننسى أن ظروف الحرب الطاحنة التي كان يواجهها الخطابي لم تكن لتترك له مجالا للتفكير في رؤية منسجمة للتعليم، أو رؤية شمولية للمسائل الاجتماعية بشكل عام. فتجربة الجمهورية الريفية لم تدم أكثر من خمس سنين، وهي مدة لا تساوي حتى دورة واحدة للتعليم الابتدائي، مع ذلك، زرع الخطابي بذور برنامج تعليمي كان يعتزم تطبيقه في مدارس دولته الفتية.

من شأن تحليل رؤيته في الميدان التعليمي أن يقودنا ليس فقط لاستيضاح فلسفته التربوية، بل أيضا تبيان المرجعيات الأيديولوجية للزعيم الريفي في هذا المجال كما في غيره من المجالات.

الإصلاح الإسلامي والحداثة الغربية

محمد بن عبد الكريم الخطابي هو أولا فقيه تربي في المدرسة التقليدية امتلك تكوينا متينا في مجال “الشرع” من خلال جامعة القرويين العريقة في فاس، والده عبد الكريم بن محمد الخطابي كان هو الآخر فقيها وقاضيا في قبيلته أيت ورياغل. كما والده، مارس بن عبد الكريم وظيفة القاضي، وترقى فيها حتى بلغ المرتبة الراقية لمنصب “قاضي القضاة”.

من الطبيعي إذن أن تكون المرجعية الثقافية والإيديولوجية للزعيم الريفي متجذرة في تربة المعايير الإسلامية، بيد أن محمد بن عبد الكريم كان له كذلك حظ الاحتكاك ببعض جوانب الفكر الإصلاحي في الشرق الأوسط، آنئذ. هذا الامتياز الذي كان يتقاسمه في تلك الفترة، أي مطلع القرن العشرين، مع جزء من النخب المدينية في فاس أو تطوان، بينما لم تكن سوى قلة قليلة من المتعلمين في المجال القروي مطلعة على هذا الفكر المنتشر حينئذ من القاهرة حتى فاس.

من جهة أخرى، امتلك الخطابي فرصة الاحتكاك بالحداثة الأوربية أثناء وجوده في مليلية المحتلة، وهي المدينة التي اضطلع فيها بوظيفتي صحافي في جريدة “تليغرامة ديل ريف”، ومعلما في “الأكاديمية العربية والبربرية الريفية”.

يعود الفضل في تأثر الخطابي بفكر النهضة العربي إلى أحمد كمال، وهو صحافي سوري كان يشتغل معه ضمن هيئة التحرير العربية في جريدة “تليغرامة ديل ريف”. كما أنه قضى فترة دراسة قصيرة في مدريد ساهمت، إلى جانب المرحلة التي عاشها في مليلية، في جعله يقتنع بمزايا الحضارة الغربية.

صحيح أن الإسبان كانوا في وضعية المحتلين والغزاة الأجانب فوق التراب المغربي، لكن الحس البراغماتي والروح الاصلاحية للخطابي جعلاه يدرك أن قوة هؤلاء الأوربيين ليست سوى الوجه الآخر لضعف المجتمعات الإسلامية، وأن سر الهوة الفاصلة بين العالمين الغربي والإسلامي يتجلى تحديدا في العلم والتكنولوجيا. لذلك كان محمد بن عبد الكريم يعتقد، دائما، أن انبعاث المغرب يمر بالضرورة عبر اكتساب المعرفة الغربية والتعاون مع الأمم الأوربية.

هذا الوعي التحديثي لم يجعل الخطابي، مع ذلك، غافلا عن الأهم أي الهوية الإسلامية للريف والمغرب عموما. منذ البداية، اختار نظام حكم بمرجعيات إسلامية. بل إن إصلاح المجتمع الريفي كان يمر، بالنسبة إليه، عبر تطبيق الشريعة الإسلامية. كما أن تجاوز القبلية والأحكام العرفية، التي كان يعتبرها رجعية وظلامية، لم يكن ممكنا سوى على أساس النظام الإسلامى الكفيل بالتخلص من كافة الممارسات والخرافات القروسطية.

يتطابق هذه التصور تماما مع الدعوة السلفية الإصلاحية التي كان ينادي بها رشيد رضا في مصر أو محمد بن العربي العلوي في المغرب. هكذا عين محمد بن عبد الكريم “محتسبا” يسهر على تطبيق أحكام الشريعة في معاملات ونزاعات الأفراد والجماعات، وفرض غرامات ثقيلة على مدخني الكيف والذي كان، بالمناسبة، قليل الانتشار خارج مناطق غمارة وجبالة.

“مسيد” عصري

اعتمد محمد بن عبد الكريم، في الميدان التعليمي كما في ميادين أخرى كثيرة، على البنية التحتية التقليدية الموجودة سلفا في المنطقة. هكذا كانت المدرسة، كما تصورها، تتمثل في “المسيد” الجماعي يشرف عليه مدرس بدل فقيه، بمضمون بيداغوجي مختلف نسبيا وعصري. يظهر أن البرنامج التعليمي، الذي حرره الخطابي سنة 1923، لم يكن ثوريا، باستثناء مبدأ إجبارية التعليم الوارد في ديباجة البرنامج.

تتركز المرحلة الابتدائية التي تشمل ثلاث سنوات، أساسا، على تعلم قواعد اللغة العربية باعتبارها وسيلة ضرورية لاكتساب المعرفة. خلال هذه السنوات الأولى للمرحلة الابتدائية يفترض أن يتعلم التلميذ قراءة وكتابة الأبجدية العربية بطريقة منهجية تعتمد على التكرار والتمرين. خلال هذه المرحلة، أيضا يفترض أن يكتسب التلميذ حدا أدنى من معرفة المعجم اللغوي من خلال الحفظ والاستظهار.

منهجية الخطابي هاته في تعليم العربية للتلاميذ الريفيين، كانت هي نفسها منهجية تدريس اللغات الأجنبية التي احتك بها في مليلية، عندما كان يدرس “الأمازيغية” الريفية لأطر الإدارة الاسبانية. في الواقع كانت العربية، بالنسبة للأطفال الريفيين، “لغة أجنبية” يكتشفونها للمرة الأولى في المدرسة. تقليديا، كان التلاميذ “الأمازيغوفونيين” يتعلمون العربية في المسيد بواسطة حفظ القرآن دون أن يفهموا منه شيئا.

وضعية لم تكن مختلفة كثيرا بالنسبة لبقية المغاربة الذين يعتبرون بين قوسين (عربوفونيين) لأن الدارجة المغربية ليست عربية . الجديد الذي حملته منهجية الخطابي أن القرآن لم يعد جزءا من المقرر التعليمي. يبدو أنه كان يفضل عدم تعقيد مسار الطفل التعليمي بإجباره على حفظ نص مقدس منذ بداية مشواره الدراسي. تمثل هذه الخطوة في حد ذاتها ثورة صغيرة إذا تذكرنا أن القرآن كان حجر الزاوية في النظام التعليمي التقليدي المغربي كما كان يطبق في المسيد. بل إن التعليم الأولى في ذلك النظام التقليدي لم يكن يعني، غالبا، سوى حفظ القرآن.

“المدرسة الوطنية”

تتوج هذه المرحلة الأولية بشهادة الدروس الابتدائية التي تؤهل التلميذ لولوج المرحلة الثانية، مرحلة “المدرسة الوطنية” كما يسميها البرنامج، وتمتد على أربع سنوات. في هذه المرحلة الثانية يبدأ اكتساب المعرفة بشكل أقوى، إذ قبلها كان التلاميذ الأمازيغوفونيون مدعوين أساسا لتعلم اللغة العربية، مفتاح المعرفة الدينية والدنيوية.

في هذه المرحلة الثانية، إذن يتلقى التلاميذ دروس التاريخ والجغرافيا والرياضيات والآداب، مع ذلك، يبقي مجمل المقرر الدرس مركزا على دروس اللغة العربية، النحو، الإنشاء، القرءاة والمعجم، كما لو أن هاجس بن عبد الكريم الأساسي كان تأهيل التلاميذ للوظائف التي تحتاجها دولته الفنية، أي الكتاب، والمدرسين وكتاب الضبط في المحاكم… بمجرد ما يحصل التلميذ على شهادة “المدرسة الوطنية”، يصبح بإمكانه أن يدمج في مؤسسات الجمهورية الريفية، أو ينتقل لاستكمال الدراسات العليا في الخارج، وخاصة في بلدان المشرق العربي.

التأثير المشرقي

كانت أنظار محمد بن عبد الكريم الخطابي متجهة نحو ما يحدث في المشرق العربي خلال عشرينات القرن الماضي، شأنه في ذلك شأن معاصريه من النخب المغاربية، كان المشرق يعيش فورانا سياسيا وثقافيا يعد بأيام أفضل للأمم العربية والإسلامية، أو على الأقل، يمثل أملا في النجاة من الهيمنة الامبريالية.

يبدو أن الحركة الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك أثارت اهتماما خاصا لدى الزعيم الريفي، هذا ما تؤكده المصطلحات التي يستعملها في برنامجه التعليمي. حتى أن الإدارة التي كان يعتزم أن يعيد إليها تنفيذ هذا البرنامج سميت “نظارة المعارف والعلوم” تماما كما كان الشأن في مصر.

إلى مصر، تحديدا، كان الخطابي ينوي إرسال الشباب الريفي لمتابعة الدراسات العليا. الظاهر إذن، أن انجذاب الخطابي لمصر له جذور تمتد لما قبل لجوئه إليها سنة 1947.

العروبة والأمازيغية

إن انبعاث المجتمعات المسلمة يقتضي بالضرورة، عند الأمير محمد بن عبد الكريم ، أخذ المعرفة أينما وجدت، أكانت لدى المسيحيين أم لدى المسلمين، هذا ما يفسر استقدامه لخبراء ومؤطرين لجيشه من مختلف البلدان الأوربية. في المقابل كان حريصا على الحفاظ على الهوية الوطنية والإسلامية عندما تعلق الأمر بتعليم النشئ، ولذلك اختار تعليما باللغة العربية، باعتبارها الأداة التي تمكنه من الانفتاح على عالم المعرفة والتكنولوجيا مع الحفاظ في نفس الوقت على تجذر المجتمع الريفي في تربة المرجعية الإسلامية.

هكذا جعل البرنامج التعليمي، الذي تبناه محمد بن عبد الكريم الخطابي، من اللغة العربية لغة إلزامية مانعا على المدرس استعمال “الأمازيغية” المحلية ” تاريفييت” في القسم، إلا إذا اقتضت ذلك الضرورة. حتى في فترات الاستراحة بين حصة وأخرى كان التلاميذ ملزمين بالحديث بالعربية وذلك من أجل هدف محدد، ضمان اكتساب هذه اللغة من خلال صيغة “الغوص اللغوي”، منهجية ثورية في ذلك الزمن، ما تزال تعتمد في يومنا هذا في البلدان ذات الازدواجية اللغوية مثل كندا.

بواسطة
محمد المنصور، زمان
المصدر
عبد الرحمان الطيبي والحسن الإدريسي، التربية والتعليم في برنامج محمد بن عبد الكريم الخطابيDavid Hart, Ait Waryaghar of the Moroccan Rif : an ethnography and History
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق