التاريخ المغاربيعين على التاريخمقالات

التيار الموري: “المورية”، أو التنظير للقومية المغربية

ظهر في غضون السنتين المنصرمتين اتجاه يدفع بتعريف جديد للانتماء للمغرب، ويقول بالعمق الموري، ويتسمى بـ التيار المغربي الموري، أو بالأمازيغية أمْزاز (بتفخيم حرف الزاي) أمروكي أموري من كلمة “Maure” الرومانية.

يلقى دعاة هذا الاتجاه الجنيني، الذي لم يسفر بعد عن وجوده من خلال لقاءات، الاهتمام في فترة تعرف كثير من المرجعيات الإيديولوجية نفوقا أو تمر بأزمة، ويتوخى الاتجاه أن يكون معبرا “لقومية مغربية”، أسوة بالقوميات التي ظهرت في القرن التاسع عشر، والتميز هوياتي على غرار اتجاهات يمينية في الغرب، التي تؤمن بصفاء هوية أمام التحولات الكبرى الناجمة عن العولمة والهجرة، ويستعمل أسوة بها الوسائل الاجتماعية، ويقوم على غرارها بما يضفي عليها مسوغ وجود، وهو المؤامرة.

يتقاطع التيار الموري مع اتجاهات، ويتعارض مع أخرى، ويلتقي في الغالب مع توجهات الدولة. يتقاطع مع فكرة تمغربیت، ويتجاوزها، بإعطائها مدلولا عبر قراءة التاريخ، ومن ثمة يستوعبها، ويلتقي مع الحركة الأمازيغية، في عناصر عدة، ومنها العمق الأمازيغي والعلمانية، ويختلف معها، لأن الحركة الأمازيغية فوق وطنية، في حين أن نطاق الاتجاه الموري وطني حصرا، ويتحدد في جانب كبير في تباين عن العناصر الأخرى المكونة لشمال إفريقيا.

محدد هوية الاتجاه الموري، هي في تضاد مع من يناوئ الدولة المغربية في كيانها ومقوماتها ومؤسساتها.

حرب المصطلح

أول شيء يلفت الانتباه هو مصطلح “المور” والنسبة الموري، المصطلح قديم، ويعود إلى الفترة الرومانية، حيث كان ينعت ساكنة شمال إفريقيا بالمور. ولعل أن تكون الكلمة مشتقة من أمور، بالأمازيغية التي تعني الحمى وباشتقاق المعنى، البلد. ومنه طعام المروزية، وهو في الأصل طعام المور، وأضحى علما لوجبة معينة، وهو المصطلح الجاري إلى اليوم.

يرفض الاتجاه مصطلح مغرب، لأنه يحيل إلى فترة معينة، وهو مصطلح جغرافي، فضلا عن حمولته الحضارية، الحصرية، وينأى عن مصطلح أمازيغ، لما اقترن به من إحالة عرقية، ولسانية. ولذلك، يجري تطابقا ما بين ساكنة لفضاء، وإطار جغرافي.

قد يختلط في الأذهان مصطلح موري مع مصطلحين شبيهين، هما الموريش، اتجاه ظهر في أمريكا تعود أصوله إلى المغرب، والموريسكي، فئة تحيل إلى من طردوا من الأندلس عقب سقوط غرناطة. يرد خطأ في بعض اللغات الأوربية مصطلح “Morish” أو “Morisque” عوض “Maure” مما يفضي إلى نوع من البلبلة. يستعمل الاتجاه مصطلح الشخصية عوض الهوية، لأنها القاعدة الثابتة والتي تنبني الطبقات المتوالية. يبدو هناك تكرار ما بين أمروكي وأموري في أدبيات الاتجاه، أو التيار، كما ينعت هو نفسه.

الدال

يتقاطع الاتجاه الموري مع اتجاهين، الاتجاه الرسمي قعّد له الملك الحسن الثاني، وهو المرجعية الإيديولوجية للدولة المغربية، وإن كان يتجاوزه لأنه يجعل البعد الأمازيغي القاعدة للشخصية المغربية. يتمايز عن الخطاب الرسمي الذي كان سائدا لفترة، الذي يبدأ من فترة مولاي إدريس الأول، ويضرب صفحا عن البعد الأمازيغي، ويجعل لغة الضاد من المقدسات.

يتماهى الاتجاه مع الدولة المغربية، ليس بالمفهوم الغربي المستحدث لدولة، ولكن بمفهوم سلطة، ولا يستعمل مصطلح مخزن. ويدعم الدولة المغربية في خياراتها الاستراتيجية الكبرى حسب أدبياته.

يتقاطع مع الاتجاه الذي ظهر سنة 2005 المعروف بـ تمغربیت، لكنه يتجاوزه، فتمغربيت هي بالأساس طريقة عيش، وتقتصر على بعدين العربي والأمازيغي، وتظل مصطلحا فضفاضا.

يتقاطع التيار الموري مع الحركة الأمازيغية، لأنه يعتبر القوام الأمازيغي “Le substrat” العمود الفقري للشخصية المغربية، ويختلف عنها، لأن يحصره في رقعة المغرب، على خلاف الحركة الأمازيغية التي تؤمن بتمازغا، وأرض الأمازيغ، أو ما كان يسمى في الأدبيات العربية بلاد البربر، والأدبيات الغربية “La berbérie”، ولذلك لا يقف التيار عند الرموز المشتركة للحركة الأمازيغية في شمال إفريقيا من شيشنق وماسينسا ويوغرتن وديهية، وتبدأ مرجعيته من ملوك موريتانيا، من بوكوس الأول وبوكوس الثاني ويوبا “ويسين” الثاني.

لا يتمايز الاتجاه الموري عن الأبعاد التي تحلقت بالشخصية المغربية، ومنها البعد العربي، إذ يرى في الجسد “الموري” جسدا واحدا ارتدى ألبسة متعددة عبر الفترات التاريخية، ولا يرى في ساكنة الأندلس إلا أمازيغ هاجروا إلى الأندلس، ثم عادوا إلى المغرب.

والتمايز الكبير الذي يجريه الاتجاه الموري هو مع الجزائر، التي ينظر إليها الاتجاه الموري متأثرة بالبعد العثماني مما سلخها من عمقها الأمازيغي، ولا يرى فيها إلا استمرارية لمنظومة انكشارية.

يخلص التيار الموري إلى هوية متفردة، وحصرية تنفرد عن مكونات أخرى، مجاورة.

المدلول

يسعى التيار الموري إلى سبغ مرجعية إيديولوجية لـ “قومية مغربية”، تتجاوز تلك التي أرساها الملك الحسن الثاني. ينطلق التيار من السلطة أكثر من المجتمع، ويقول بالتماهي مع الدولة المغربية، فيما تعتبره الخيارات الاستراتيجية الكبرى.

ليس بين التيار الموري وبنية السلطة تناقض، على خلاف الاتجاه العروبي، والإسلامي، وحتى الأمازيغي..

لا يخلو الاتجاه من قراءة مأسطرة للتاريخ (Une lecture mythiftiée)، ذلك أن الوعاء الجغرافي لبنية السلطة كان متحولا، ما بين موريتانيا الطنجية والمرابطين أو الموحدين، مثلا، ويضرب التيار صفحا عن التمايزات بداخل المجتمع المغربي، منها ثنائيات محددة، مخزن/سيبة، عرب/أمازيغ، حضر/بدو، عمران بدوي/عمران حضري.

يجري التيار قراءة مختزلة لبعض الرموز الفكرية منها علال الفاسي، ذلك أن علال الفاسي متعدد، وهناك تقاطع مع ما يدعو له الاتجاه الموري وما ورد عن علال الفاسي في “النقد الذاتي”، إذ يقر علال الفاسي بشخصية مغربية متفردة، ويربط هذا المحدد بعوامل جغرافية، منها سلسلة جبال الأطلس، والمحيط الأطلسي، ما يضفي على المغرب عمقا، هو تجلي لعمق الأطلسي حسب تعبيره.

هل يمكن سلخ المغرب عن بعده المغاربي؟

حتى الأدبيات الرسمية في الدساتير المتوالية تقر بالانتماء للمغرب الكبير، أو أن المغرب جزء من المغرب الكبير، والتمايز بين المغرب والأقطار الأخرى، سياسي، إذ عرف تجربة متفردة سياسيا عن باقي أقطار بلاد المغرب، لكن ذلك لا يعني تمايزا ثقافيا، إذ كما يقول المؤرخ دانييل ريفي:

المغرب صورة مصغرة لبلاد المغرب “Un Maghreb en miniature”

إذ تتواجد فيه مجتمعة كل أبعاد بلاد المغرب “Le Maghreb”، منها العمق الأمازيغي، وهو أوضح في المغرب عن بقية البلدان الأخرى، والبعد العربي من خلال منارات فكرية أهمها القرويين، والبعد الأندلسي، والامتداد الصحراوي، إذ كانت العلاقات بين الشمال والجنوب عمودية، ومن دون شك أن المدينة المغربية التي تتداخل فيها هذه الأبعاد هي مراكش بلا منازع، وهي التي أعطت للمغرب اسمه الذي كان يعرف به.

يحيل الاتجاه إلى المؤرخ عبد الله العروي، ومن دون شك أن كتابه جذور الوطنية في المغرب، يعتبر مرجعا لتجربة متمایزة، ولو أن العروي، على الأقل في مقدمته لا يقطع بشيء، وينطلق من سؤال لتجاوز كل من بنية القبيلة وبنية الزاوية، ويعتبر الوطنية المغربية رد فعل لهجمة الاستعمار سنة 1830، وحينما كتبه كتابه بالفرنسية “L’histoire du Maghreb , un essai de synthèse” “تاريخ المغرب، محاولة في التركيب” لم يحصر دراسته في المغرب الأقصى.

صحيح أن عبد الله العروي، في سياق مناوأة المغرب في وحدته الترابية، يتحدث عن المغرب بصفته جزيرة، ولا يرى في سياسة حكام الجزائر إلا استمرارية للضباط الفرنسيين إبان الجزائر الفرنسية.

يجعل العروي توجه المغرب أطلسيا، ويكاد البعد المتوسطي أن يكون منعدما وهو معطى موضوعي، لكن البعد الأطلسي مستحدث، فقد كانت ضفاف الأطلسي حاجزا، ولم ينفتح المغرب على البعد الأطلسي إلا مع الحماية الفرنسية، وأضحت الدار البيضاء هي من يجلي هذا البعد.

لكن الغائب الأكبر في الاتجاه الموري ليس القراءة الإيديولوجية للتاريخ، إذ ليس عنها قراءة قومية تخلو من ذلك، سواء مع حركة القومية الإيطالية، أو الحركة الطورانية في تركيا، ولكن خلو أدبيات الاتجاه من أهم عنصر في بناء أمة، وهو المصير المشترك، أو النظرة للمستقبل ولدينامية الحاضر، فكل شيء متحول، وهي القاعدة الثابتة.

بواسطة
حسن أوريد
المصدر
مجلة زمان
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق