التاريخ المغاربيتاريخ الجزائر

الثورة الجزائرية : تفاصيل مفاوضات الاستقلال

اقرأ في هذا المقال
  • الثورة الجزائرية.. المفاوضات قبل ايفيان
  • اللقاءات السرية لجبهة التحرير الوطني
  • الاتصالات في عهد ديغول
  • مفاوضات إيفيان الأولى
  • مفاوضات ايفيان الثانية

لقد قامت الثورة الجزائرية المسلحة سنة 1954، في عهد الجمهورية الفرنسية الرابعة، والتي تميزت سياستها اتجاه حركات التحرر المطالبة بـ الاستقلال بالغطرسة والعناد. ولم تنجح مختلف الإجراءات الفرنسية القمعية والسياسية في كبح جماح الثورة بل زادتها اشتعالا وانتشارا، اضطرت معها فرنسا قبول الدخول في مفاوضات مع الحكومة الجزائرية المؤقتة، ويرجع هذا التحول في الموقف الفرنسي إلى عدة عوامل أهمها:

  • الضربات العنيفة التي تلقتها الدولة الاستعمارية في الجزائر على يد الثورة الجزائرية.
  • التنظيم المحكم الذي امتازت به الثورة الجزائرية خاصة بعد مؤتمر الصومام 1956
  • الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي أنهكت فرنسا نتيجة التكاليف الباهظة لقمع الثورة.
  • ضغط الرأي العام العالمي على فرنسا وتنديده بسياستها في الجزائر خاصة في جلسات الأمم المتحدة.

المفاوضات قبل ايفيان

مرت المفاوضات بعدة مراحل، وطال أمدها بفعل عدم جدية فرنسا بل حاولت من خلال التظاهر بالتفاوض إضعاف الثورة لكن الانتصارات الميدانية والتفاف الشعب حول ثورته هو الذي أرغم فرنسا على الاستجابة لمطالب الثورة في التفاوض على أساس الاستقلال الذي دعت إليه منذ أول نوفمبر 1954. ويمكننا تتبع تطور المفاوضات عبر المراحل التالية:

اللقاءات السرية

تعود الاتصالات السرية بين السلطات الاستعمارية وجبهة التحرير الوطني إلى 12 أبريل 1956 بالقاهرة بين جوزيف ببفارا وجورج غورس من الجانب الفرنسي ومحمد خيضر من جبهة التحرير الوطني، ثم ببلغراد في 25 يوليو 1956 بين محمد ٌيزيد والدكتور أحمد فرانسيس من جبهة التحرير وبييركومين وبيير هيريو من الجانب الفرنسي، ثم حصل اتصال جديد في روما بإيطاليا يومي 2 و3 شتنبر بين محمد خيضر ومحمد يزيد و عبد الرحمان كيوان عن جبهة التحرير الوطني وبييركومين، وبيير هيريو عن الجانب الفرنسي غير أن هذه اللقاءات لم تسفر عن نتيجة، ثم انقطعت بسبب حادثة اختطاف الطائرة في أكتوبر 1956.

الاتصالات في عهد ديغول

بدأت الاتصالات أكثر جدية في عهد ديغول كنتيجة منطقية لفشل فرنسا في القضاء على الثورة وسقوط الجمهورية الفرنسية الرابعة بفعل ذلك وتمثلت هذه الاتصالات فيما يلي:

محادثات “مولان” بفرنسا بين 25 و29 يونيو 1960 وانتهت بالفشل نظرا لاشتراط فرنسا استسلام المجاهدين وفصل الصحراء عن الجزائر.

ضم الوفد الفرنسي كل من روجي موريس، الجنرال الهوميردي كاسين أما الوفد الجزائري فضم أحمد بومنجل ومحمد الصديق بن يحي ولقد حاول الجنرال ديغول في أواخر 1960 أن يقنع نفسه بأنه بإمكانه حل مشكل الجزائر بما يفيد فرنسا، ومن ذلك اقتراحه لما أسماه ب “الجزائر جزائرية” ولكي يضمن النجاح لمشروعه ذهب بنفسه إلى الجزائر يوم 10 دجنبر 1960 ليقوم بالدعاية الواسعة له فاستقبله السكان بالمظاهرات.

إلى غاية 1960م كان ديغول يعتقد أن بإمكان فرنسا أن تحقق نصرا عسكريا وكانت سياسته تستند إلى هذا الاعتقاد ولكنه أمام الانتصارات التي حققتها جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني، اقتنع أن طريق النصر أصبح مسدودا وقد لمس هذه الحقيقة عندما زار الجزائر في دجنبر 1960 ليشرح سياسته الجديدة فاستقبله الجزائريون يحملون العلم الجزائري وينادون بشعارات الجبهة.

كانت لهذه المظاهرات نتائج إيجابية خاصة بعد أن اتسعت رقعتها ليجبر ديغول على التصريح “إن هذا الوضع لا يمكن أن يجلب لبلادنا سوى الخيبة والمآسي، وأنه حان الوقت للخالص منه” وجلوسه إلى طاولة المفاوضات والاعتراف بجيش التحرير وجبهة التحرير الوطنًي كممثل وحيد شرعي للشعب الجزائري.

أثار هذا الموقف استياء الجنرالات الفرنسيين في الجزائر أمثال (راؤول سلان، إدموند جوهو، موريس شارل، أندري زيلر) الذين قاموا بمحاولة انقلاب ضد ديغول وذلك في 22 أبريل 1960 إلا أنه باء بالفشل.

أدرك ديغول حساسية الموقف وتيقن من استحالة الحل العسكري وأدرك ضرورة تقديم التنازلات وهكذا استؤنفت المفاوضات ما بين 20 و22 فبراير 1961 في مدينة لوسرن (LUCERNE ) السويسرية وشارك فيها عن الجانب الجزائري أحمد بومنجل والطيب بولحروف، وعن الجانب الفرنسي جورج بودبييرو وبرونو دولوس واعترف ديغول موازاة لذلك في 22 أبريل 1961 بحق الجزائريين في إقامة دولتهم، لكن ما يلاحظ هو طول مدة المفاوضات التي تعود إلى تمسك فرنسا بما يلي:

  • إعطاء الجزائر الحكم الذاتي بدلا من الاستقلال.
  • حصول المعمرين على امتيازات خاصة في الجزائر.
  • فصل الصحراء عن سائر القطر.
  • إشراك أطراف أخرى في المفاوضات عوضا عن الاقتصار على التفاوض مع جبهة التحرير وحدها.

مفاوضات إيفيان الأولى

أجريت مفاوضات إيفيان الأولى (إيفيان بلدة على بحيرة ليمان) ما بين 20 يونيو و13 يوليوز 1961 ترأس الوفد الجزائري كريم بلقاسم والوفد الفرنسي لويس جوكس، توقفت ثم استؤنفت في لوغران وهي بلدة فرنسية شرقي إيفيان، وأخفقت مثل سابقتها بسبب الصحراء ومصير المعمرين، وحاولت فرنسا بين مفاوضات إيفيان الأولى ولوغران وبعدهما إيهام الدول الإفريقية المجاورة بأن الثورة الجزائرية تريد الهيمنة على الصحراء وكذا أن تبحث عن مفاوضين جزائريين من خارج جبهة التحرير فخاب مسعاها في المحاولتين وعادت المباحثات في “لًي روس” وهي قرية على الحدود الفرنسية السويسرية ما بين 11 و19 فبراير 1962.

وفيها اتفقا مبدئيا على وقف إطلاق النار وتم تناول كل المحاور وشرع في تحرير النصوص وفي خضم هذا السعي الحثيث لإنهاء الصراع كانت المنظمة السرية الفرنسية تبذل محاولات بائسة لوقف عجلة التاريخ ناشرة في طريقها الموت والدمار وقدرت بعض المصادر عن التفجيرات التي نفذتها المنظمة بأكثر من 4000 والإغتيالات بحوالي 900 اغتيال ومجموع ضحايا جرائمها بأكثر من 12 ألف قتيل.

ورغم محاولات هذه المنظمة الإرهابية إفشال المفاوضات إلا أن انتصارات الثورة على كل الجبهات أرغمت فرنسا على التعامل بواقعية مع مطالب الجزائريين تجلت في الاستجابة للأهداف التي حددتها الثورة في أول نونبر 1954 والتي عرضها الوفد المفاوض على المجلس الوطني للثورة الجزائرية المنعقد في تونس من 22 إلى 27 فبراير 1962 وبعد المناقشة وافق المجلس بالأغلبية الساحقة على نتائج مفاوضات “ليروس” التي تعترف بالاستقلال والوحدة الترابية ووحدة الشعب الجزائري.

مفاوضات ايفيان الثانية

انطلقت مفاوضات إيفيان الثانية النهائية والحاسمة من 07 إلى 18 مارس 1962. ترأس الوفد الجزائري كريم بلقاسم. انتهت بالتوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار يوم 11 مارس، وكان هناك اعتراض داخل فرنسا على الاتفاقية جعل ديغول يجري حولها استفتاء أسفر في 08 أبريل 1962م عن موافقة %91 من الفرنسيين عليها.

تضمنت اتفاقيات إيفيان ستة فصول، نص كل منها على النقاط الرئيسية التالية:

  • إعلان وقف إطلاق النار والعفو العام
  • الاعتراف بوحدة الأرض الجزائرية، وإجراء استفتاء يقرر فيه الشعب الجزائري مصيره في غضون مدة لا تزيد عن ستة أشهر.
  • تسيير البلاد خلال الفترة الانتقالية حكومة مؤقتة من 3 فرنسيين و9 جزائريين في انتظار نتيجة الاستفتاء
  • احتفاظ المعمرين وعملائهم بالحقوق التي كانت لهم ثلاث سنوات قبل اختيارهم جنسيتهم النهائية، إما الجزائرية فيصبحون رعايا للجزائر أو الفرنسية فيعاملون كأجانب.
  • جلاء القوات الفرنسية عن الجزائر خلال ثلاث سنوات مع احتفاظها بالمرسى الكبير لمدة 15 سنة، ومطارات عسكرية في عنابة، وبوفاريك وبشار، وقاعدة رقان لمدة خمس سنوات.
  • تحتفظ فرنسا بمصالح اقتصادية في قطاعات النفط والتعدين خاصة، وامتيازات ثقافية (كحق فتح المدارس على سبيل المثال) كما تعهد الطرفان بالتعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية، مقابل حصول الجزائر على معونات مالية فرنسية.

دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 19 مارس 1962م، وقد حاولت منظمة السرية القيام بعملياتها الإرهابية لدفع الثورة إلى ارتكاب الأخطاء من أجل عرقلة المسار الاستقلالي إلا أنها فشلت، وأجري استفتاء تقرير المصير في فاتح يوليوز 1962 وصوت فيه %97 من الجزائريين لصالح الاستقلال، وبعد يومين اعترفت فرنسا رسميا باستقلال الجزائر وفي 5 يوليوز 1962 أعلنت الجزائر رسميا استقلالها.

المصدر
بسام العسلي، الاستعمار الفرنسي في مواجهة الثورة الجزائريةأحمد الشقيري، قصة الثورة الجزائريةالغالي غربي، فرنسا والثورة الجزائرية 1954-1958، "دراسة في السياسات والممارسات"مريم الصغير، المواقف الدولية من القضية الجزائرية 1954-1962. بسام العسلي، جبهة التحرير الوطني الجزائرية
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق