التاريخ المغاربيتاريخ تونس

الحركة الوطنية التونسية بين الحربين

بعد احتلال تونس، حولت فرنسا معاهدة الحماية إلى استعمار مباشر ووضعت تشريعات مكنتها من تركيز المعمرين الأوروبيين بالبلاد والسيطرة على الأراضي الزراعية. كما سيطر الرأسمال الفرنسي على استخراج المعادن والتجارة التونسية، وربطت فرنسا الاقتصاد التونسي بالتبعية للسوق الرأسمالية، وتم تشديد الخناق على أغلبية السكان، حيث وقع إفلاس الفلاحين والحرفيين. ولم يتمتع بالامتيازات من التونسيين سوى فئة قليلة لا تتعدى %7 من مجموع السكان، وساهمت كل هذه الظروف في ميلاد الحركة الوطنية التونسية.

الحركة الوطنية التونسية في العشرينات

اندلعت المقاومة المسلحة في مختلف أنحاء البلاد. ففي سنة 1907 قامت ثورة في الجنوب الغربي بزعامة شيخ القبائل علي بن عثمان، احتجاجا على اغتصاب المستوطنين الفرنسيين أراضي القبائل، فأغرقت هذه الثورة في الدماء. إلا أنها ألهبت النشاط السياسي في المدن. وهكذا تكتلت جماعة من خريجي الجامعات الفرنسية ومن مثقفي الزيتونة وأسست حزب «تونس الفتاة» سنة 1908.

وأصدرت صحيفة «التونسي» بالفرنسية والعربية. وقد قاد الحزب عبد العزيز الثعالبي الذي تشبع بالأفكار السلفية والمحامي علي باش حامبه الذي تشبع بالمبادئ الليبرالية.

وتتلخص مبادئ الحزب في العمل على تحقيق الاستقلال في ظل الخلافة العثمانية. أما ممارسته العملية، فقد تجلت في تنظيم عدد من الإضرابات مثل إضراب 1911، احتجاجا على احتلال إيطاليا لليبيا. كما حاولت الحكومة الفرنسية آنذاك ردم مقبرة «الجلازر» ليمر فوقها خط سكة حديد «الترام»، فثار السكان حيث قاطعوا الترام ونظموا مظاهرات أسفرت عن استشهاد عشرات الوطنيين. وفرضت السلطات الاستعمارية الأحكام العرفية، وهاجمت قيادة حزب «تونس الفتاة»، واعتقلت البارزين من قادته، وحلت الحزب ومنعت صحفه.

شكل الحزب الدستوري امتدادا لحزب تونس الفتاة وطالب بإصلاحات في ظل الحماية الفرنسية

عند نهاية الحرب العالمية الأولى عقد الوطنيون التونسيون أملا كبيرا على مؤتمر الصلح. إلا أن المؤتمر خيب أمل الوطنيين التونسيين، فقام الشيخ الثعالبي سنة 1920 بنشر کتاب «تونس الشهيدة»، وأبرز فيه مساوئ الحماية الفرنسية وانعكاساتها السلبية على الشعب التونسي، كما طالب في الكتاب بما يلي :

  • تطبيق إصلاحات دستور 1861.
  • إعلان الحريات الأساسية بالنسبة للتونسيين.
  • تحقيق المساواة في الحقوق بين التونسيين والفرنسيين.
  • الاعتراف للقبائل بحق الملكية في الأراضي التي تستغلها.

ونظرا لأهمية هذه المطالب في تلك المرحلة، فقد اتخذت كنواة لبرنامج «الحزب الدستوري» الذي تأسس سنة 1920 كامتداد «لتونس الفتاة»، وكان الثعالبي من ألمع زعمائه.

وقام الفلاحون أكثر من مرة بانتفاضات في مختلف أنحاء البلاد احتجاجا على اغتصاب المعمرين للأراضي، كما شنوا نضالا مسلحا في جنوب تونس بين 1916 و 1921.

أما في المدن فقد وجد «الحزب الدستوري» استجابة وإقبالا، ولهذا سعت السلطات الاستعمارية إلى تهدئة الحركة الوطنية التونسية، فأنشأت هيئة استشارية في الشؤون المالية، وكانت هذه الهيئة تتكون من 41 عضوا تونسيا و 56 عضوا فرنسيا. وقد أحدثت هذه الإصلاحات انشقاقا في «الحزب الدستوري». وهكذا انفصل الجناح المعتدل، وأسس «حزب الإصلاح» وقبل العمل في ظل المراسيم الاستعمارية، وشارك في المجلس الاستشاري. وبذلك تقلص نشاط الحزب الدستوري بعدما شددت السلطات الاستعمارية الخناق على الحريات.

وعرفت هذه المرحلة ظهور أول نقابة تونسية مستقلة، وأصبحت لها فروع في المدن الرئيسية مثل تونس وصفاقس و بنزرت، وأطلق عليها اسم “الجامعة العامة للعمال التونسيين”. وقد ساندت الاضراب الذي قام به عمال رصيف تونس سنة 1924. ولهذا قامت السلطات الاستعمارية بإعتقال زعماء النقابة ووقف نشاطها سنة 1925. واتخدت إجراءات ضد الصحافة والحريات العامة وكل نشاط سياسي انطلاقا من 1926. وهكذا استقبلت تونس أزمة 1929 في جو من الضغط والإرهاب.

الحركة الوطنية التونسية في الثلاثينات

عرفت تونس في مطلع الثلاثينات أزمة اقتصادية خانقة، تجلت في تدهور الإنتاج التونسي نتيجة التبعية الاقتصادية للسوق الفرنسية. وزادت السلطات الاستعمارية من الضغط الجبائي على السكان. وهكذا فرضت ضرائب إضافية على أشجار الزيتون والنخيل والثمار الأخرى والحيوانات وكل ما هو في ملك التونسيين، في حين استثني من الزيادة كل ما يملكه المعمرون بدعوى تشجيع المنتجين.

أدت هذه العوامل إلى استياء الشعب التونسي، ومسّ الوعي أغلب فئات المجتمع بعد أن كان مقتصرا على المثقفين والفئات الوسطى.

ظهر الحزب الدستوري الجديد في ظروف الأزمة الاقتصادية واتسعت قاعدته تدريجيا

أصبح «الحزب الدستوري» يضم مجموعة من المثقفين الذين درسوا في الجامعات الأوربية. وقد اكتسب هؤلاء تجربة نضالية وسياسية أثناء مقامهم في الخارج. وانتقدوا هؤلاء عجز قيادة الحزب عن تحقيق نتائج ملموسة في نضالها ضد الاستعمار. وما لبثت المجموعة المعارضة أن انفصلت عن الحزب، وأسست سنة 1934 حزبا باسم «الحزب الدستوري الجديد». وعقدت مؤتمرا بـ «قصر هلال» حيث انتخب الحبيب بورقيبة كاتبا عاما للحزب.

من هو الحبيب بورقيبة؟

ولد الحبيب بورقيبة سنة 1993 بـ “موناستير” من أسرة تنتمي إلى الفئة الوسطى. درس الحقوق والعلوم السياسية بباريس، وأصبح محاميا بعد عودته إلى تونس سنة 1927. وانخرط في الحزب الدستوري. وعمل على إصدار جريدة «العمل التونسي» سنة 1934، حيث عرض أفكار الجناح الجديد في الحزب الدستوري. وبنى الحبيب بورقيبة أهم مبادئه على أهداف ثلاثة : «الوطنية التونسية، العلمانية، الليبرالية». كما قاد المعارضة داخل الحزب التي أسفرت عن تأسيس «الحزب الدستوري الجديد» بزعامته.

وعلى عكس «الحزب الدستوري السابق» فقد اهتم «الحزب الدستوري الجديد» بالبوادي وأوضاع الفلاحين. ولذلك انتشرت شعاراته في البوادي، كما أصبح يقود حركة الفلاحين التي ازدادت اتساعا، ففي شتى أنحاء البلاد قامت إضرابات فلاحية سنة 1934، وأخذ الفلاحون يطالبون بالأرض والخبز ويمتنعون عن تسديد الضرائب.

وفي المدن اتسعت الحركة العمالية، فاضطرت السلطات الاستعمارية سنة 1932 إلى الاعتراف بالنقابات والسماح لها بالنشاط العلني. وكانت هذه النضالات سببا في اتساع قاعدة «الحزب الدستوري الجديد» وانتقل عدد المنخرطين فيه إلى 100 ألف، وبذلك أصبح أول قوة سياسية في البلاد .

ولتعزيز مطالبه الاصلاحية كان «الحزب الدستوري الجديد» ينظم الاضرابات والمظاهرات. فدعا إلى إضراب عام في تونس سنة 1937. كما نظم إضراب عمال مناجم «الملتوي» للفوسفاط وإضراب عمال مناجم «جريس» للحديد، وانتشرت الحركة العمالية في نفس الفترة بالمدن التونسية.

وتزامنت ضغوط الحركة الوطنية مع صعود “الجبهة الشعبية” إلى الحكم بفرنسا، فأفرج عن المعتقلين السياسيين، وأعيدت الحريات العامة. كما ألغيت بعض الضرائب مثل ضرائب الاستيطان والعشر التي شكلت عبئا على الفلاحين، وأعطيت للعمال بعض الحقوق مثل تحديد ساعات العمل في أربعين ساعة خلال كل أسبوع.

وشجعت هذه التدابير الوطنيين التونسيين فضاعفوا من مطالبهم للحصول على مزيد من التنازلات والإصلاحات. كما كثرت الإضرابات والمظاهرات : ففي سنة 1938 قام عمال بنزرت بمظاهرات حولتها السلطات الفرنسية إلى مجازر. وامتدت هذه الأحداث إلى المدن التونسية الأخرى.

واغتنمت السلطات الاستعمارية فرصة هذه الأوضاع لإعلان حالة الاستثناء. وحلت الحزبين الدستوريين، كما اعتقلت جل الزعماء الوطنيين. وتميزت مرحلة الحرب العالمية الثانية بنضج الحركة الوطنية التي تحولت من حركة إصلاحية إلى حركة تطالب بالاستقلال.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق