التاريخ المغاربيتاريخ الجزائر

الحركة الوطنية الجزائرية في فترة ما بين الحربين

انطلقت حركة وطنية سلمية في الجزائر مطلع القرن العشرين من سنة 1919 إلى 1954، وقد تميزت هذه الحركة “الحركة الوطنية الجزائرية”، في فترة ما بين الحربين، بتعدد اتجاهاتها وباعتدال مطالبها، فركزت على ضرورة إدخال إصلاحات سياسية تعطي لأبناء الجزائر دورا في تسيير بلدهم، كما أسهمت الحركة في إذكاء الوعي الوطني لدى المواطنين.

اتجاهات الحركة الوطنية الجزائرية

الحركة الوطنية الجزائرية: هي شكل من أشكال مقاومة الاستعمار الفرنسي وهي عبارة عن جمعيات وتنظيمات سياسية جزائرية تكونت من تيارات مختلفة، قادها مجموعة من المناضلين السياسيين من أجل تخليص الشعب الجزائري من الاستعمار الفرنسي.

حركة «الأمير خالد»

طالبت حركة «الأمير خالد» بإصلاحات جزئية وسعی “اتحاد المنتخبين المسلمين” لتحقيق الاندماج..

عند حلول الحرب العالمية الأولى، كانت أهم القطاعات الاقتصادية الجزائرية مركزة في يد المعمرين الفرنسيين «الكولون» الذين مثلوا الدعامة الأولى للنظام الاستعماري : ففي الميداني الفلاحي سيطر هؤلاء على حوالي 230.000 هكتار من أجود الأراضي وادخلوا إليها المزروعات التسويقية الرأسمالية، كما أخضعوا الفلاحين الجزائريين لاستغلالهم.

وفي الميدان المنجمي والتجاري، كان المعمرون الفرنسيون يشرفون على %90 من الأموال الموظفة في الجزائر، وتم تحويل الفلاحين والحرفيين الذين أفلسوا إلى يد عاملة مأجورة، كما أجبر آلاف الجزائريين على خدمة مصالح المعمرين.

وفرض التجنيد الإجباري على الجزائريين للدفاع عن فرنسا بجانب الفرنسيين. فاغتنم المثقفون الجزائريون هذه الفرصة للمطالبة بالمساواة مع الفرنسيين، وذلك بإلغاء «نظام السكان الأصليين» Code d’indigénat، الذي قام بتفرقة عنصرية وأعطى امتيازات للمستوطنين الفرنسيين بالجزائر

كما كانت مساعي هذه الفئة المثقفة التي تزعمها الأمير خالد – حفيد الأمير عبد القادر الجزائري – تستهدف إصلاح التعليم، والنظام الجبائي، وزيادة عدد النواب الجزائريين في المجالس البلدية والمناصب المالية، إلا أن السلطات الاستعمارية رفضت تطبيق هذه الإصلاحات المحدودة، كما أنها اعتمدت على الملاكين الكبار وزعماء القبائل وشيوخ الزوايا للوقوف في وجه السخط الذي ولده الاستغلال الاستعماري.

الحركة الوطنية الجزائرية بين الحربين 1919-1939

ومنذ الحرب العالمية الأولى، اتسعت الحركة المعادية للاستعمار، إلا أنها ظلت تلقائية وغير منظمة، وانضم إليها المجندون الجزائريون الذين تخلوا عن الجندية، فعرفت عدة مدن جزائرية مظاهرات. لهذا اضطرت السلطات الفرنسية إلى تقديم تنازلات محدودة أطلق عليها اسم “إصلاحات 1919” والتي تضمنت إلغاء التفاوت في أداء الضرائب بين الأوربيين والسكان الأصليين، ومُنِحَ الأغنياء من كبار الملاكين للأراضي ورجال الأعمال حق تمثيل الجزائريين في مجالس المقاطعات والبلديات. وفي نفس الوقت ضاعفت السلطات الاستعمارية من حملة الإرهاب؛ إذ كان الهدف من تلك التنازلات هو توقيف المد الوطني.

ونظرا لاستمرار معارضة الأمير خالد؛ فقد قامت السلطات الاستعمارية بإلغاء عضويته في المجلس البلدي لمدينة الجزائر؛ إلا أنه تابع نشاطه، فأصدر جريدة «الإقدام» باللغتين العربية والفرنسية، كما أسس أول هيئة للنواب المسلمين في المجالس الجزائرية سماها «كتلة المنتخبين المسلمين الجزائريين». فقامت السلطات الفرنسية بنفيه إلى مصر ثم سوريا حيث توفي سنة 1936. وقد اقتصرت حركة الأمير خالد على كبار الملاك الجزائريين، ولم تمتد إلى كافة عناصر الشعب الجزائري. فهي حركة إصلاحية تطمح في صميمها أساسا إلى المساواة والتفاهم مع فرنسا.

وقد تطورت فكرة إدماج الجزائر في فرنسا على يد جماعة «كتلة المنتخبين المسلمين الجزائريين» التي ترأسها محمد بن جلول و فرحات عباس. ونظرا لارتباط مصالح عناصر هذه الجماعة بالمصالح الفرنسية بالجزائر؛ فقد كانت تؤيد الاندماج التام مع فرنسا. وقد لخص فرحات عباس الخطوط العريضة لهذا الاتجاه بقوله :

« الجزائر أرض فرنسية ونحن فرنسيون لنا أحوال شخصية مسلمة.. فنأمل أن نتحول من مستعمرة إلى مقاطعة. ولا يوجد شيء في القرآن يمنع الجزائري من أن يكون فرنسيا وطيبا من الناحية الوطنية، وإنما المانع هو الاستعمار.. لو أنني كنت قد اكتشفت وجود أمة جزائرية لكنت وطنيا.. لن أموت من أجل الوطن الجزائري لأن هذا الوطن غير موجود..

لقد ساءلت التاريخ وساءلت الأحياء والأموات وزرت المقابر، ولكن أحدا لم يحدثني عنه.. ولا يمكن أن نقيم بناءا فوق الريح. لقد دفنّا دون رجعة الأوهام والتراهات لنربط مستقبلنا، وبشكل نهائي بمستقبل ما تحققه فرنسا في هذه البلاد … ومع ذلك فلا أحد يؤمن بصدق وطنيتنا. إن الذي يحارب وراء هذا اللفظ هو تحررنا الاقتصادي والسياسي، فبدون هذا التحرر للمواطن الجزائري لن تتم استمرارية الجزائر الفرنسية».

من مقال لـ «فرحات عباس» مترجم عن جريدة : «الوفاق»، 23 فبراير 1936.

حركة جمعية العلماء المسلمين

وقفت بعض عناصر الحركة الوطنية الجزائرية مواقف وطنية رافضة لموقف الاتجاه الليبرالي الداعي إلى الاندماج مع فرنسا. وقد كان الاحتفال بالذكرى المئوية لاحتلال الجزائر من طرف الفرنسيين سنة 1930 بمثابة نقطة الانطلاق بالنسبة للعناصر الوطنية المسلمة، وهكذا قام زعماء هذا الاتجاه بحملة دعائية واسعة وعلنية لإفشال الاحتفال، ونجحوا بالفعل في توقيفه بعد مدة قصيرة.

عملت حركة «جمعية العلماء المسلمين» من أجل الحفاظ على القومية الجزائرية والأصالة العربية الاسلامية

وعلى إثر ذلك تأسست “جمعية العلماء المسلمين” سنة 1931، بزعامة عبد الحميد بن باديس (1940 – 1889) الشخصية الرئيسية لهذا الاتجاه. كما كان من بين مؤسسي جمعية العلماء المسلمين: الطيب العقبي و الشيخ محمد البشير الإبراهيمي و مبارك الميلي و العربي التسي و توفيق المدني و غيرهم. وكان لهذا الاتجاه طابع إصلاحي وسلفي، حيث آمن بأن التدهور الاجتماعي والسياسي والفكري الذي تعاني منه الجزائر، لا يمكن التخلص منه إلا بإعداد وتنشئة جيل طموح يرى في : ذ

«الجزائر وطنا وفي الإسلام دينا وفي العروبة انتماءا».

وإذا كانت الجمعية لم تتبنّ برنامج سياسية علنية فإنها ركزت جهودها على تهيئة أرضية لبعث الشعور الوطني المعادي للاستعمار واعتمدت على عدة أساليب منها :

  • الصحافة باعتبارها وسيلة للتوعية ومهاجمة المخططات الاستعمارية، فكان من أشهر صحفها «الشهاب» و «البصائر».
  • المدارس والمعاهد الخاصة، التي تدرس بها اللغة العربية والتاريخ الجزائري وذلك قصد تعميق الوعي الوطني، وكان من أشهر هذه المعاهد، “معهد ابن باديس” في قسنطينة، وبلغ عدد مدارس جمعية العلماء 150 مدرسة يؤمها ما يزيد عن 50.000 طالب وتلميذ.
  • الوعظ والإرشاد في المساجد بقصد الاتصال مباشرة مع الجماهير وتخليصها من البدع والخرافات التي تنشرها الطرقية والزوايا.
  • ايفاد البعثات العلمية لمتابعة الدراسة في الجامعات الغربية، وكانت الجمعية تدافع عن خصائص القومية الجزائرية..

«إننا نرى أن الأمة الجزائرية موجودة ومتكونة على مثال ما تكونت به سائر أمم الأرض، وهي لا تزال حية ولم تزل. ولهذه الأمة تاريخها اللامع ووحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها وتقاليدها الحسنة والقبيحة كمثل سائر أمم الدنيا. هذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسية ولا تريد أن تصبح هي فرنسا، ومن المستحيل أن تصبح هي فرنسا ولو جنسوها».

من مقال نشرته جريدة «الشهاب» لجمعية العلماء المسلمين سنة 1936.

وقد أحرزت الجمعية بهذا النشاط المعادي للإستعمار على شعبية كبيرة لدى السكان الأصليين، لذلك عملت السلطات الاستعمارية على الحد من نشاطها؛ هذا في الوقت الذي شجعت فيه الطرقية.

جمعية نجم شمال افريقيا

تأسست في أوساط العمال المهاجرين بباريس «جمعية نجم شمال افريقيا» سنة 1926 وترأسها مصالي الحاج.

وكان برنامج «نجم شمال افريقيا» يتضمن جزءين :

  • الجزء الأول يتعلق بإلغاء القوانين والتدابير الاستثنائية وحرية الصحافة والسفر والتجمعات والحقوق السياسية والنقابية.
  • الجزء الثاني ويطالب باستقلال الجزائر وانسحاب قوات الاحتلال وتسليم جميع المرافق الاقتصادية والعمرانية والثروات للدولة الجزائرية.

تجند الاشتراكيون الجزائريون للمطالبة بالاستقلال وبتغيير النظام الاجتماعي القائم

هكذا اجتمعت في برنامج المنظمة مطالب استعجالية تتعلق بالمساواة في ظل السيادة الفرنسية ومطالب بعيدة تتعلق بالاستقلال. إلا أن هذا البرنامج لم يحدد الوسائل لتحقيق هذه الأهداف. وقد قامت السلطات الفرنسية سنة 1936 بوقف نشاط «نجم شمال افريقيا» ليظهر من جديد سنة 1937 باسم «حزب الشعب الجزائري».

مصالي الحاج

ولد مصالي الحاج سنة 1898 بتلمسان من عائلة فقيرة حيث كان أبوه اسكافيا. وقام بنشاط معاد للاستعمار أثناء مقامه بفرنسا. كما شارك بشكل فعال في تأسيس «نجم شمال افريقيا» سنة 1926، و «حزب الشعب الجزائري» سنة 1937، و «حركة الانتصار للحريات الديموقراطية» سنة 1946.

مصالي الحاج
مصالي الحاج

وأصدرت جمعية مصالي الحاج جرائد “إقدام شمال إفريقيا” و «الأمة»، كما شاركت في مؤتمر مناهضة الاستعمار الذي نظم ببروكسيل سنة 1927. وأمام ازدياد نشاط هذه المنظمة، قامت السلطات الاستعمارية بحلها سنة 1929، ثم أعيد تأسيسها سنة 1933 تحت اسم «نجم شمال افريقيا الغراء»، وأصبحت تربط بين الاستقلال والتحرر الاقتصادي والاجتماعي.

أما بالنسبة للحزب الشيوعي الجزائري فقد تأخر تأسيسه إلى سنة 1936 وكانت عناصره الأساسية من العمال والمثقفين الجزائريين. وتلخصت مطالبه الأساسية في تحسين وضعية العمال، والحصول على الحريات الديمقراطية.

ولقد عقد الوطنيون الجزائريون أملا كبيرا على “الجبهة الشعبية” التي تولت الحكم بفرنسا، لهذا طالبوا بإصلاحات مختلفة وذلك على إثر المؤتمر الأول الذي ضم مختلف تيارات الحركة الوطنية في يونيو 1936.

ومنحت فرنسا، وفق مشروع بلوم فيوليت سنة 1936، حريات هامة تدخل في إطار سياسة الإدماج منها : حق التنظيم العلني في الأحزاب السياسية والتمثيل داخل البرلمان الفرنسي، لكن المعمرين وقفوا في وجه المشروع وأبطلوا تطبيقه. وبذلك فشلت آخر محاولة للإدماج.

ومع الاستعداد للحرب، شنت السلطات الاستعمارية الفرنسية حملة من الاعتقالات والنفي في صفوف قادة الحركة الوطنية الجزائرية. كما حلت الأحزاب السياسية الجزائرية. لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من كفاح الشعب الجزائري في سبيل الاستقلال.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق