التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

الحماية القنصلية بالمغرب ومؤتمر مدريد 1880

حاولت الدول الأوربية منذ النصف الثاني من القرن 18، زرع ورم سرطاني في الدولة المغربية، أطلق عليه الحماية القنصلية ، منتهزة في تغلغلها هذا تفاحش اختلال ميزان القوى بين المغرب وأوربا وتسارع الأفراد -الأوربيين والمغاربة- لاستغلال وضعهم القانوني الإستثنائي إلى أقصى درجة والعيش على حساب المخزن المغربي.

وكان من تداعيات تفشي الحمايات القنصلية خلال القرن 19م المس بسيادة البلاد وشلل وظائف المخزن و “تعطيل الأحكام” وتقويض الموارد المالية للمخزن. ومع مرور الوقت، صار عدد المحميين في تزايد، وصارت المعاهدات المنظمة لوضعيتهم تتضمن تدريجيا شروطا مجحفة. وهو الأمر الذي أثاره مبعوث السلطان الحسن الأول محمد الزبدي أثناء مقابلته بلندن، في يوليوز 1876، لوزير الخارجية البريطاني، اللورد دوربي، حيث أكد الزبدي مخاطبا دوربي:

«إن الحماية أدخلت على الدولة ضررا عظيما بكون جل المتلبسين بها يتمردون على الأحكام ويتجاسرون بما لا يمكن الصبر عليه، وكثر ممن يحتمي إنما هم أهل الجرائم والدعارة ومن يريد الامتناع من دفع الواجب عليه والكلف وغير ذلك (…) وصار الأجناس يقتدي بعضهم ببعض ويكثرون من محمييهم حتى بلغت الحماية الحد الذي لا يمكن السكوت عليه».

كان هذا جزء من شكوى بعث بها الحسن الأول إلى قادة كل من فرنسا وبلجيكا وبريطانيا وإيطاليا في صيف سنة 1876، عبر سفيره محمد الزبدي، داعيا إياهم إلى تقنين نظام الحماية القنصلية، ولم لا مراجعة بنود مجموعة من الاتفاقيات السابقة، التي فتحت باب التجاسر على المخزن من طرف المحميين قبل أن يتسرب إليه اليأس من مثل هذه المبادرات ويقرر التوجه إلى مؤتمر دولي للبحث عن علاج لهذا الداء العضال، فكانت الوجهة مدريد سنة 1880.

طنجة أولا، جعجعة بلا طحين

اتسم هذا التحرك الدبلوماسي بظرفية داخلية حرجة على كافة المستويات، فإلى جانب تجاوزات المحميين، كان المخزن يعاني من تداعيات هزيمتي إيسلى وتطوان، فشرع في محاولة ترميم الذات عسكريا، ومن تعاقب السنوات العجاف، ومن تزايد الفتن بين القبائل، بل وانتقال شرارتها إلى الحاضرة العلمية فاس، فيما عرف بانتفاضة الدباغين سنة 1873، وكذا تزايد تطاول اليهود، بعد أن شكلت زيارة منطفيوري سنة 1864 دعما معنويا لهم، شجعهم على نهج ممارسات غير مسبوقة أضرت كثيرا بهيبة المخزن.

أما على المستوى الخارجي، فالمنافسة على المستعمرات شكلت العنوان الأبرز للمرحلة، بين فرنسا الجريحة أمام الألمان في الألزاس واللورين، والساعية إلى الثأر ورد الاعتبار، ولو من بوابة المستعمرات، أو بريطانيا المزهوة بإمبراطوريتها التي لا تغيب عنها الشمس، والحريصة على ضمان مكاسب جديدة في مختلف أرجاء العالم، وألمانيا وإيطاليا الملتحقتين بركب المنافسة على المستعمرات بعد إنجازهما للوحدة الوطنية.

تزامن ذلك مع حرص إسبانيا على الاستفادة مما وفرته لها الجغرافيا لتأكيد حضورها في المغرب، وبداية اهتمام أمريكي بالموضوع، وتدشين الجمعيات المهتمة باليهود المغاربة لعملية ضغط وتأثير مزعجين للمخزن.

أمام هذا التراكم والتعقيد، رأى الحسن الأول أن الاقتصار على توجيه الدوريات المحذرة إلى سفراء الدول المعتمدين بطنجة، أو حتى إرسال سفراء مغاربة إلى أوروبا لشرح الموقف المغربي من الحماية القنصلية ، والدعوة إلى الحد من انتشارها لن تجدي نفعا مع أمر واقع أصبح المتوقع منه أشد من الواقع. لذلك، استقر رأيه على أخذ الأمور محمل الجد، والذهاب بها إلى أبعد ما يمكن، من خلال وضع الدول الأجنبية أمام مسؤولية تجاوزات سفرائها وقناصلها بالمغرب، الذين تحولوا إلى تجار وسمسارة يبيعون الحمايات القنصلية، كما أقر بذلك السفير الإيطالي سكوفاسو الذي رأى أن الحماية تحولت إلى بضاعة تباع لأكبر مغال في الثمن.

اعتمد السلطان على تحركات قام بها السفير البريطاني جون دراموند هاي لدى زملائه، السفراء الأجانب، لطرح قضية الحماية القنصلية على بساط المناقشة الصريحة مع جميع الدول الأجنبية الممثلة في المغرب، وأصدر أمره بذلك إلى نائبه في الشؤون الخارجية السيد محمد بركاش الذي سلم في 10 مارس سنة 1877 إلى رؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية بطنجة مذكرة من 19 نقطة سرد فيها اعتراضات المخزن وبين التعديلات التي يجب إدخالها، داعيا إياهم إلى الاجتماع في مؤتمر ينظرون من خلاله إلى الكيفية التي يضعون بها حدا، عن طريق اتفاق جماعي، للمخالفات الناجمة عن الحماية أو على الأقل التخفيف منها.

استهلت المذكرة بنودها بالتأكيد على أن الشروط التي يمكن بموجبها منح الحماية هي المنصوص عليها في المعاهدتين الموقعتين مع بريطانيا (1856)، وإسبانيا (1861)، وفي التسوية التي تم التوصل إليها مع فرنسا وانخرطت فيها سائر الدول سنة (1863)، وأن تلك الشروط تقضي بأن يختار كل ممثل من ممثلي الدول الأجنبية ترجمانه ومستخدميه من بين رعايا السلطان عربا كانوا أو غير عرب مع إعفاء هؤلاء من أداء أي مغرم والقيام بأي تكليف، لكن في حدود ترجمان واحد وحارس واحد وخادمين اثنين لكل قنصل من القناصل المقيمين بالمدن الساحلية.

وإذا كانت الحماية تشمل أموال الأجانب التي بيد الغير، والتي هي معفاة من الضرائب، فإن السماسرة العاملين لحساب الأجانب (تؤكد المذكرة) يطالبون بأداء الضرائب على ممتلكاتهم الشخصية سواء كانت عقارا أو مالا أو قطعان ماشية أو سلعا (…)، بل تطالب المذكرة أيضا بأن يؤدي الأجانب ومحميوهم من المغاربة الذين يمارسون الفلاحة الضرائب على محاصيلهم وقطعانهم.

لم يشرع رؤساء البعثات الأجنبية المعتمدين بطنجة في مناقشة هذه المذكرة إلا يوم 9 يوليوز الموالي، وبعد جولات مارطونية، ومخاض عسير انتهى الأمر، بعد سنتين من التفاوض، إلى جعجعة بلا طحين. إذ ظهر في الأخير أن إجماع الممثلين لم يحصل إلا على نقط قليلة كأداء الأوربيين ومحمييهم للضرائب، وإنهاء التعسفات التي تقترن بالتجنيس. وحتى هذه القرارات الإجماعية التي وصلوا إليها بشأن هذه الأمور القليلة لم تكن في الواقع سوى توصيات في حاجة إلى تزكية صناع القرار بدولهم المتباينة الأنظمة والاتجاهات والسياسات.

ولما لم يسفر صبح هؤلاء النواب الأجانب بطنجة عن شيء يستجيب لانتظارات المخزن، ولو في حدودها الدنيا، ظهر جليا أن الحسم يوجد بيد من يملكون سلطة التقرير، لذلك لابد من مؤتمر دولي يعقد خارج المغرب، بتمثيليات ذات صلاحيات تقريرية.

مؤتمر مدريد، نزال دبلوماسي غير متكافئ

عاد جون دراموند هاي للمناورة من جديد، واختار مدريد مقرا للمؤتمر لحسابات كان يدرك مغزاها، في سياق السباق مع الفرنسيين نحو الظفر بالمغرب، أو على الأقل كسب أوراق تفاوض وتقوية مواقع. وهو الاختيار الذي قابلته إسبانيا بارتياح كبير، وشرعت في التحرك يوم العاشر من فبراير 1880 في اتجاه إقناع الدول المعنية بالملف المغربي بالحضور إلى مدريد بممثلين غير أولئك المنتدبين بطنجة، والذين ربما كانوا بفعل مشاعرهم وآرائهم الذاتية وراء فشل اجتماعات طنجة، حسب ما كان يعتقد هاي.

ولما حصلت الحكومة الإسبانية على موافقة سائر الدول بفكرة المؤتمر وبنوعية المؤتمرين، وجهت يوم 10 أبريل الدعوة إلى كل من المغرب والبرتغال وفرنسا وبريطانيا وهولندا والدنمارك والسويد والنمسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية لحضور المؤتمر الذي تقرر عقده ابتداء من 15 من شهر ماي الموالي.

كان من المفترض أن يبدأ المؤتمر مباشرة بالمصادقة على ما تم الاتفاق بشأنه في طنجة سنة 1879 بخصوص مذكرة بركاش، غير أن الأمور نحت منحى آخر، وتم اعتماد المذكرة نفسها أرضية المداولات جديدة. لتشهد قاعة المؤتمر صراعا مريرا، بين ممثل المغرب محمد بركاش «مؤازرا» بممثل كل من بريطانيا وإسبانيا من جهة، وممثل فرنسا الأميرال جوريس، الذي حضر إلى مدريد بفكرة أن لا تنازل عن مكتسبات بلاده السابقة بالمغرب، وأن التنازل الوحيد الذي يمكن أن يقبله هو أداء السماسرة للضرائب الفلاحية، ولكن مقابل الاعتراف الصريح بحق الأجانب في تملك الأراضي، مدعوما في ذلك من طرف ممثلي كل من إيطاليا والولايات المتحدة.

وبالموازاة مع تهديدات جوريس الكلامية في مدريد، ولإعطائها دعما أكثر، أرسلت فرنسا سفنها الحربية في يونيو 1880 إلى السواحل المغربية. وهو ما يفسر كلام السلطان في إحدى رسائله إلى بركاش، والتي جاء فيها :

«ولولا وزير الصبنيول عالج ذلك ولم يقصر في الوقوف في جانبنا السعيد لكان الأمر أشد، وأن من جملة ما ذكر باشدور الفرنصيص أنك تريد القباحة مع جنسه، وعنده الإذن أن لا يتكلم في ذلك، فتكلم معه وزير الصبنيول بكلام لطيف، وطلب منك ترك الكلام الذي تكلمت به في المجلس حتى يستشير مع دولته على طريق السلك وتشرعون في غير ذلك ريثما يأتيه الجواب (…)، وذكرت أنك لازلت طامعا في أن تحفك عناية الله تعالى وسعادتنا في التحصيل على نيل المطلوب وصار جميع ما ذكرته بالبال».

بل وصل الأمر إلى استعمال لغة بكائية معبرة، من قبيل :

«وإن لم يكن، فالخير في الواقع، والله المستعان، إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأما ما صدر من باشدور الطاليان فقد كان في غنى وسعة عن تصديه لهذه الإذاية، الله حسيبه ووكيل عليه ويده سبحانه فوق يده لأنه لا داعية له لذلك، لولا الشهوة والغرض (…) والله يعينك ويصلحك ويأخذ بيدك».

هكذا، حققت الدول الأجنبية، عبر لعبة تبادل الأدوار، ما أرادت بحيث جاءت مقررات المؤتمر وفق رغباتها، واعترفت الدولة المغربية للأجانب بحق التملك، طبقا للقانون المغربي بموجب الفصل الحادي عشر الذي نص على أن:

«حقوق الأملاك العقارية لرعية الأجناس بالمغرب معروف وشراء هذه الأملاك يكون بتقديم إذن الدولة المراكشية ورسوم هذه الأملاك تكون مكتوبة بقوانين مقررة في شريعة البلد، وجميع النوازل التي تقع في هذه الحقوق يحكم فيها على مقتضى شرع البلد ولهم رفعها لوزير الأمور البرانية كما هو مقرر في الشروط».

وفي المقابل، اعترف المؤتمر بحق المخزن في استخلاص الضرائب من الأجانب والمحميين طبقا للفصل الثاني عشر الذي نص على أن:

«رعية الأجناس والمحميين الذين لهم الملكية في الأرضين أو يكونون اكتروها والسماسرة الذين تكون عندهم الفلاحة يبتغون الزكاة والأعشار، وفي كل سنة يدفعون لقونصوهم تقييدا صحيحا مما يملكونه ويدفعون بيده ما يجب عليهم من الزكاة والأعشار، والذي يشهد بالزور يؤدي ذعيرة مرتين الأعشار الواجب عليه شرعا في هذا الشيء الذي سكت عنه وإذا وقع منه هذا مرة أخرى فتثنى له الذعيرة المذكورة، والوجه والكيفية والتاريخ والقدر من هذه الزكاة والأعشار سيقع فيها ترتيب مخصوص بين نواب الأجناس ووزير الأمور الخارجية للحضرة الشريفة».

وطبقا كذلك للفصل الثالث عشر الذي جاء مكملا لسابقه ومؤكدا أن «رعية الأجناس والمحميين والسماسرة الذين عندهم بهائم الحمل يؤدون ما يجب في الأبواب، والقدر وكيفية قبض هذا الواجب تكون واحدة لرعية الأجناس ورعية السلطان، ويكون في ذلك ترتيب مخصوص بين نواب الأجناس بطنجة ووزير الأمور البرانية للحضرة الشريفة، وهذا القدر لا يزاد فيه إلا باتفاق جديد مع نواب الأجناس».

نسجل بشأن هذه المقررات ملاحظتين أساسيتين :

  • الأولى تمكن في ضعف القوة التفاوضية للمغرب كما يتضح ذلك على الخصوص من فرض أسبقية تملك العقار في الفصل 11 على أداء الواجب في الفصلين 12 و 13.
  • الثانية في تزايد التدخل الأجنبي في المجال التشريعي من خلال تقييد حرية المخزن في وضع القوانين الجبائية، وتعليق تطبيقهما إلى حين موافقة الهيئة الدبلوماسية كما جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 13، بعدما كان الأجانب قد حصلوا في وقت سابق على حق التدخل في المجالين الجمركي والقضائي.

بعد انتهاء أشغال المؤتمر يوم 3 يوليوز سنة 1880 جاءت مرحلة تطبيق توصياته، ولا سيما البندين الثاني عشر والثالث عشر منه، وهو ما تم يوم 30 مارس 1881 في شكل إقرار للقانون المنظم لضريبة الترتيب لكن الأجانب عملوا على إقباره في المهد، ولاسيما في الجانب المتعلق منه بحقوق الصاكة، حيث تذرعوا بما ورد في الفصل الثاني من هذا القانون الذي ينص على أن:

«الرعايا الأجنبية وأهل حمايتها تكون في خلاص الصاكات والعشور والزكاة على حد سواء مع رعية الحضرة الشريفة »

فرفضوا تأدية ما عليهم من واجبات حتى يؤدى جميع الرعايا المغاربة وهو مؤشر على أن هذا «المكتسب الرمزي»، كان في الواقع سرابا سريع التلاشي. غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل أرغمت الدول الأجنبية المخزن على تكريم كبار خدامها من المغاربة، عبر حماية استثنائية وفوق العادة، لم يجد لها الكاتب المخزني مقابلا في اللغة العربية فاحتفظ بصيغتها «الأعجمية». فقد ورد في الفصل السادس عشر من مقررات هذا المؤتمر:

حتى حماية خارجة عن القانون أو بوجه التوسط لا تعطى في المستقبل، والولاة المراكشية لا يعرفون أبدا حماية من أي وجه كان دون هذه الحماية الخاصة التي اتفق عليها في هذا الوفق، ولكن إجراء حق حماية كنستدبنير، وهي الحماية المعتادة تستحفظ في صورة واحدة لتكون جزاء لبعض الخدمات العظيمة الصادرة من مراكشي لإحدى دول الأجناس أو لأسباب أخرى غريبة الوقوع”.

نبوءة السلطان تتحقق

تستوقف الباحث المهتم بالأداء الدبلوماسي للوفد المغربي المشارك في مؤتمر مدريد، الرسالة التوجيهية التي بعثها الحسن الأول إلى وزيره في الشؤون الخارجية محمد بركاش في الموضوع، لأنها كفيلة بشرح جانب من الأداء الدبلوماسي المغربي إبان هذا المؤتمر، والتي جاء فيها :

«خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد، فقد وصلنا كتابك جوابا عما كتبنا لك في شأن سفرك لمدريد للحضور في الجمع على قضية الحماية (القنصلية)، وذكرت أنك لا تجد انفكاكا منهم بخاطرهم إلا بمدافعة من جانبنا العالي باالله، لكونهم يذكرون أن غيرك إذا توجه لهذه القضية لا يتمكن من الغرض غير أنه تخيل لك من كثرة إلحاحهم عليك في التوجه أن لهم في ذلك شيئا مع مشاهدتهم لمرضك وملازمتك للفراش، ولولا أخذ ولدك بيدك لتعذرت عليك مباشرة الأمور. (…) فأما توجهك للمحل المذكور، فقد تقدم لك كلامه وما أخبرت به من أن غيرك إذا توجه لهذه القضية لا يتمكن من الغرض هو الذي توسمناه وهجس في الخاطر والباطن ولذلك شرح الله صدرنا للإذن لك في التوجه (…) وإذا عزمت فتوكل على الله. وأما ما تخيل لك من أن لهم في توجهك شيئا، فخذ في ذلك بالحزم واحتط ما أمكنك، ولا توافقهم على ما فيه ضرر أو شبهة أو مخالفة للشرع، فإنا لا نقبله ولا نوافق عليه أصلا إذ المقصود من هذا هو التطهير من هذا الرجس لا إبداله بما هو أقبح وأفظع. في المثل كمن غسل دما بدم أو بزيادة أخر عليه، في المثل جاء يطب فأعمى، وفيه أيضا جاء ليستفيد قرنين فرجع بلا أذنين».

تحققت نبوءة السلطان، وحصل ما حذر منه في شكل أمثال، بعد أن وجه البلد العليل بمرض الحماية سفيرا عليلا وعاجزا عن الحركة بسهولة، فحسمت الدول الأجنبية الأمر لصالحها منذ البند الأول من معاهدة مدريد الذي جاء فيه:

« والشروط التي تقبل بها الحماية هي المقررة في شروط النجليز والصبنيول مع دولة المغرب والوفق الواقع بينهما وبين الفرنسيس والأجناس الأخرى عام 1863 سوى التراتيب التي ستقع في هذا الوفق».

وهو ما يعني عمليا أن مؤتمر مدريد جاء بصيغة “تركيبية” للامتيازات التي حصلت عليها الدول الأوربية منفردة وبالتدريج، وأضفى عليها، وعلى امتيازات أخرى مستجدة، صبغة قانونية وأهمها أحقية الأجانب في تملك العقار في المغرب الذي كفله البند الحادي عشر من مؤتمر مدريد.

بل لم تكد تنصرم على انعقاده سوى سنوات قليلة حتى عادت بريطانيا، عبر سفيرها في المغرب، “عراب مؤتمر مدريد“، جون دراموند هاي، الذي كانت ولايته الطويلة توشك على نهايتها، إلى الضغط من جديد على السلطان الحسن الأول لقبول مساومة فجة، رأت فيها حلا، عبر ترياق الليبرالية، لتقوية دعائم الإمبراطورية الشريفة التي بدت لها على وشك الانهيار. هكذا عرضت عليه تحريرا كاملا للمبادلات التجارية مقابل مراجعة نظام الحماية القنصلية في أفق إلغائه. غير أن السلطان كان يعي أن وعود الدول الأجنبية زائفة، وأن الليبرالية المنوه بها انجليزيا قد لا تجد في المغرب بيئتها الحاضنة عصرئذ.

وبعد فترة شد للحبل بين الجانبين، إنتهت بإخفاق هاي في مسعاه، عاد خلفه وليام كيربي كرين للضغط مرة أخرى على المخزن، للتوقيع على معاهدة جديدة دون جدوى. حصل هذا في وقت كانت فيها فرنسا تفكر في «تونسية المغرب»، وتسلك خيارا أخر مخالف للنهج البريطاني، فكثرت النصائح والمكائد، وما إن أوشك السلطان الحسن الأول، على طي ملف المؤتمر الثاني المقترح من طرف بريطانيا والمدعوم من إسبانيا وإيطاليا، حتى داهمه الخطر الأمريكي، في شكل بوارج حربية، للضغط من أجل إطلاق سراح محمي أمريكي، فعاد جون دراموند هاي مرة أخرى لطرح نفس الفكرة في نهاية سنة 1889، ولو بصفة المحاضر المقترح للحلول، في لحظة خرج فيها المارد الألماني من قمقمه، وانتفض باحثا عن موطئ قدم في المغرب، ودخل في منافسة شرسة، انتهت فيها العلاقة مع فرنسا إلى أزمة أكادير سنة 1911.

وبالنسبة للمغرب انتهي مسار الضغط والمنافسة بين الدول الأجنبية إلى ترك حبل الحماية القنصلية على الغارب كرها، فحصل ما تخوف منه السلطان في رسالته بعد أن جاء المغرب إلى مؤتمر مدريد «ليستفيد من قرنين فرجع بلا أذنين».

المصدر
عبد الرحمن ابن زيدان، اتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناسمحمد كنبيب، المحميونإدموند بورك ، الاحتجاج والمقاومة في مقرب ما قبل الاستعمار 1860 - 1912Pennell , c , R , Morocco since 1830 : a history
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق