التاريخ العالمي

الحملة الفرنسية على مصر 1798.. الأسباب والنتائج

اقرأ في هذا المقال
  • الظروف التي سبقت الحملة الفرنسية على مصر
  • جاءت الحملة الفرنسية في إطار التنافس الاستعماري بين انجلترا وفرنسا حول مصر
  • كيف أثرت الحملة الفرنسية على مصر
  • أدخلت الحملة الفرنسية على مصر تغيرات على الواقع المصري، وكانت لها نتائج متعددة

عاشت مصر لعدة قرون تحت حكم المماليك، الذين فرضوا عليها سلطتهم وأخدوا باقتصاد محلي مغلق. وعرفت تحولات جذرية ابتداءا من الحملة الفرنسية على مصر التي مكنت المصريين من الاحتكاك بالحضارة الغربية كما بينت الأهمية الاستراتيجية التي امتازت بها بلاد مصر كحلقة وصل بين أوربا والشرق الأقصى مما وجه الأطماع الامبريالية نحوها. فكان من نتائج هذا الصراع دخول القوات الفرنسية إلى مصر بقيادة نابليون بونابرت قبل أن يتم طرده من قبل الإنجليز.

الظروف التي سبقت الحملة الفرنسية على مصر

كانت أقليات من الأتراك والمماليك تهيمن على الحكم في مصر عند وصول الحملة الفرنسية

كانت مصر في أواخر القرن الثامن عشر تحت سيطرة أقليتين أجنبيتين هما : الأتراك الذين كان عددهم يقدر بـ 12.000 تركي، ثم المماليك الذين بلغ عددهم حوالي 8.500 مملوكا.

وأخضعت الأقليتان بحكمهما مجموع سكان مصر الذين يقدر عددهم بحوالي مليونين ونصف مليون نسمة وتنازعتا السلطة السياسية : فالحكم كان اسميا في يد “الوالي” الممثل للسلطان العثماني “للباب العالي” وهو من أصل تركي، في حين كان المماليك يحتكرون ثروات البلاد. وبالتالي فهم يشكلون قوة اجتماعية هامة.

وكان هؤلاء يستغلون إقطاعات، لكنها لم تكن وراثية. وَحُدّدت العلاقات بين المستفيدين من الأراضي والمنتجين من الفلاحين بثلاث التزامات رئيسية هي : السَخرة ودفع الضرائب وربط الفلاحين المصريين بالأرض.

أما في المدن؛ فإن الركود الصناعي والتجاري كان هو الطابع الشامل. ومع ذلك فقد استطاعت طائفة من التجار المصريين جمع ثروات هامة عن طريق تبادل المواد مع الدول الأوربية.

إلا أن أموال هؤلاء التجار كانت عرضة للمصادرة أو للتبديد باستمرار بسبب الضرائب والديون التي كانوا يُجبرون على تأديتها للسلطة الحاكمة. وكان العلماء يستفيدون من التجارة ويمارسونها لأن مركزهم الديني في المجتمع يجعلهم في مأمن من المصادرة، لكنهم لم يكونوا يشكلون سوى أقلية.

وهكذا يلاحظ وجود عراقل تحول دون تركز الثروة بشكل يجعل نمو فئة وسطى أمرا صعبا داخل المجتمع المصري، وعملت الزمرة الأجنبية الحاكمة للبلاد المماليك والأتراك، على الاحتفاظ بالوضعية القائمة المتميزة بالركود الشامل، هذا في الوقت الذي وسعت فيه الرأسمالية التجارية الأوربية نشاطاتها في السواحل المطلة على البحر الأحمر.

جاءت الحملة الفرنسية في إطار التنافس الاستعماري بين انجلترا وفرنسا حول مصر

اهتمت انجلترا بمصر لما تكتسيه هذه البلاد من أهمية استراتيجية في طريق الهند. وفي هذا الاطار عقدت شركة الهند الشرقية البريطانية سنة 1775 معاهدة مع “محمد بك أبو الذهب” والي مصر آنذاك، كان الهدف منها فتح ميناء السويس أمام التجارة الانجليزية القادمة من الهند، ومنح امتيازات للتجار الانجليز المقيمين بمصر أو المارين منها وحماية أموالهم وممتلكاتهم وأشخاصهم.

وقامت فرنسا بدورها سنة 1792 بعقد معاهدة مشابهة مع أمراء المماليك. واشتدت المنافسة بين انجلترا وفرنسا. واستطاعت انجلترا أن تُلغي المعاهدة الفرنسية.

فاحتدم التنافس بين الدولتين الاستعماريتين، حول مصر، بحكم موقعها كممر نحو أسيا وافريقيا وأوربا. وكان من نتائج هذا التنافس الأوربي أن بادرت فرنسا باحتلال هذه البلاد على يد نابليون بونابرت قصد تحقيق حلم فرنسا، الذي استهدف تقليص دور بريطانيا المسيطرة على تجارة رأس الرجاء الصالح. فكان مبرر الحملة الفرنسية على مصر أنها جاءت لتأديب المماليك التي ادعت فرنسا باشتداد مظالمهم ضد الرعايا الفرنسيين.

وهكذا، وفي ماي 1798، قاد نابليون بونابرت أسطولا فرنسيا مؤلفا من 30 ألف جندي نحو الاسكندرية، ومنها توغل داخل الأراضي المصرية.

الحملة الفرنسية على مصر معركة الأهرامات
نابليون بونابرت في معركة الأهرامات. مصر

وبالاستيلاء على مصر حصل نابليون napoleon على مستعمرة غنية، وتقوى نفوذه في القسم الشرقي من البحر المتوسط، فأخذ يهدد، من هناك الامبراطورية العثمانية حيث قام بحملة عسكرية على الشام انتهت بالفشل عند أسوار مدينة عكا سنة 1799، كما قطع طريق الهند على انجلترا.

نتائج الحملة الفرنسية على مصر

أدخلت الحملة الفرنسية على مصر تغيرات على الواقع المصري، وكانت لها نتائج متعددة

وكان أول أعمال نابليون بونابرت العسكرية داخل مصر هو القضاء على حاميات المماليك الذين فروا من القاهرة وتركوها للجيش الفرنسي في 24 يوليوز 1798. ثم طاردت الجيوش النابليونية فلول المماليك في باقي الأقاليم. وقام نابليون بمصادرة ما يقرب من ثلثي أراضي مصر التي كانت موقوفة على المماليك، فأصبحت مداخيلها وضرائبها تدفع لصالح الجيش الفرنسي، وأشرف على إدارتها موظفون فرنسيون.

أما عن موقف نابليون من الفئات الوسطى في البلاد، فنقتطف من النداء الذي وجهه إلى المصريين في فاتح يوليوز من سنة 1798 ما يلي :

.. من طرف الفرنساويّة المبني على أساس الحرية والتسوية … بعون الله تعالى، من الآن فصاعدا لا ييأس أحد من أهالى مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العالية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيديرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها.

إذن حاول نابليون جلب الفئات الوسطى إلى صفه على عكس معاملته للمماليك، فأسس بالقاهرة “ديوان العامة” الذي اختار أغلب أعضائه من بين كبار التجار وبعض العلماء. وكان يهدف من وراء تأسيس هذا الديوان جلب الفئات المشاركة فيه إلى صف الفرنسيين وإتاحة الفرصة لها لتنشيط حركتها الاقتصادية، في إطار معين وتحت المراقبة الفرنسية. كما كان يهدف من ذلك ضمان حلفاء له من الداخل ضد الاقطاع المملوكي، وبالتالي تدعيم ركائز الحملة الفرنسية داخل البلاد.

وفي ميدان القضاء استحدث نابليون إلى جانب المحاكم الشرعية محكمة القضايا، التي تتركب من 12 قاضيا نصفهم أقباط والنصف الآخر مسلمون. وتهتم بالخلافات بين التجار وبقية السكان وبالإرث وبعض الشكايات.

ووضع برنامج صناعي، تم تحقيق جزء منه بإقامة مصانع للأسلحة والنسيج ودبغ الجلود وصنع الجعة والصابون والبارود، وذلك تبعا لحاجة الحملة الفرنسية وجيوشها، ولتفادي حالة الحصار المفروضة على الجيش الفرنسي في مصر من طرف الانجليز.

الصراع الفرنسي الانجليزي على مصر

واحتدم الصراع الاستعماري بين فرنسا وانجلترا بمجرد وصول الحملة الفرنسية إلى مصر، فقامت وحدات من الأسطول الأنجليزي بتعقب الأسطول الفرنسي إلى الإسكندرية إلى أن تم إغراقه في معركة “أبي قير” سنة 1798. وحاصر الأنجليز الشواطىء المصرية.

وفي مارس 1801 نزلت حملة عسكرية انجليزية على الساحل بالقرب من الاسكندرية وزحفت نحو القاهرة بقصد طرد الفرنسيين من مصر. وتم إجلاء الجيش الفرنسي ابتداء من شتنبر، بينما تماطلت الجيوش الأنجليزية عن مغادرة التراب المصري. وبذلك ثم تعويض الحامية العسكرية الفرنسية بالانجليزية.

نتائج حملة نابليون على مصر العلمية

ومن النتائج المهمة للحملة الفرنسية القيام بمجموعة من البحوث والدراسات الشاملة لمصر، على يد مجموعة من العلماء الذين اصطحبهم الجيش النابليوني معه. وتم فرز ألغاز الحروف الهيروغليفية بقراءتها على يد العالم “شامبليون” ووضعت خريطة مساحية لمصر وكتب تاريخ مصر القديمة. كما تم القيام بدراسات تطبيقية لمشروع شق قناة السويس. وظهرت دراسات هؤلاء العلماء وأبحاثهم في عشرين مجلدا أطلق عليها اسم “وصف مصر”.

النتائج العلمية الحملة الفرنسية على مصر
البعثة العلمية التي قدمت مع نابليون بونابرت خلال الحملة الفرنسية على مصر

إلا أن أهم ما نستخلصه حول نتائج الحملة الفرنسية على مصر أنها زعزعت الدعائم العسكرية والسياسية للنظام المملوكي، وأن الحكم الفرنسي بما أنشأه من دواوين وما فرضه على مدن وقرى مصر من إتاوات نقدية وعينية فادحة -تفوق ما فرضه المماليك- بالإضافة إلى الغرامات والجبايات الاستثنائية، قد أثار السخط ورد الفعل المصري الذي تُرجم في عدة مقاومات أهمها مقاومة سكان القاهرة الأولى سنة 1798.

وبذلك تكون الحملة الفرنسية على مصر التي قادها نابليون بونابرت قد ساعدت بطريقة غير مباشرة على نمو الشعور الوطني في مصر خاصة بين الفئات التي أهلها مركزها الاجتماعي لتتزعم الحركة، وهي التي سيعتمد عليها محمد علي باشا، للوصول إلى الحكم.

المصدر
عبد الرحمن الجبرتي - كتاب عجائب الآثار في التراجم والأخبار
الوسوم

‫2 تعليقات

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق