عين على التاريخمقالات

الخمر عند الموحدين.. ماذا تعرف عن شراب الرب في المغرب الوسيط ؟

اقرأ في هذا المقال
  • شراب الرب في الأطلس والريف
  • مجالات استهلاك الرب
  • بين الحلية والتحريم
  • الرب يصمد في وجه السلطة

تعود الإشارات الأولى إلى شراب الرب باعتباره شرابا لزجا مكونا أساسا من العنب إلى العصر الموحدي، لكن صناعته وتحضيره تعود “إلى فترة حضارات التاريخ القديمة كالحضارة الرومانية”

كانت طريقة صناعة شراب الرب تتطلب وقتا أطول من صناعة الخمر، ففي جبال درن، حيث سمي «أنزير» حسب الشريف الإدريسي أو «أنريز» في مصادر تاريخية أخرى، فقد كانوا يطهون عصير العنب الحلو حتى يتبخر منه ثلثه، فيزال عن النار، ويرفع ويشرب. أما عصير العنب الرديء، فكان يجب أن تنقص منه نسبة الربع.

وقد عبر أبو عثمان بن الشيخ أبي جعفر بن ليون التجيبي عن طريقة صناعة الرب شعرا فقال :

الرب طبخ صفو ماء العنب 
بعد قعود ثقله المجتنب
للثلث في الطيب أو للربع
في العنب الرديء ذا الباني رع
واطبخه مع ماء يزاد وتزال
رغوته مدة طبخه اتصال

لا يعني هذا أن شراب الرب، بصيغة المفرد أو الربوب بصيغة الجمع، اقتصرت مادته الأولية على العنب، وإن طغت عليه، فقد صنع أيضا من جملة من الفواكه، «بعد طبخها بالماء وتصفيتها»، منها التوت والسفرجل والتين والرمان والتمر ودبس التمر وغيرها، ولعل اختلاف المجالات وتنوعها أسهم في هذا التنوع.

شراب الرب في الأطلس والريف

حمل شراب الرب بعد العصر الموحدي أسماء أخرى كـ « الدبس والصامت وغيرها من الأسماء التي اختلفت عبر التاريخ والجهات ».

يبدو أن جبال درن، في الأطلس الكبير، كانت المنطقة المشهورة بصناعة الرب في المغرب، فقد اشتهر المصامدة بذلك، خاصة خلال العصر الموحدي، ولا يعرف ما إن كان أهل هذا المجال قد استمروا في عادة إنتاج الرب بالنظر إلى أن الحسن الوزان، الذي جاء متأخرا عن العصر الموحدي بقرابة أربعة قرون، لم يشر إلى إنتاجه عندهم. لا يعني هذا أن إنتاج الرب اقتصر على جبال درن، وإنما عرفته العديد من المناطق الجبلية المغربية، ومنها جبال الهبط وغمارة في الريف. فقد ذكر عبد العزيز الزياتي ( توفي 1055 هـ / 1645 م ) في نوازله « الجواهر المختارة مما وقفت عليه من النوازل بجبال غمارة » :

أن عجز سكان هذه الجبال عن تحويل عنبهم إلى زبيب بسبب شدة البرد، وسقوط الأمطار في بداية الخريف، جعلهم لا يصنعون إلا العصير ويحولونه ربا .

كانت كمية إنتاج الرب، كغيره من المنتوجات ذات الأصل الفلاحي، تابعة لـسنوات الرخاء والسنوات العجاف. فمن المعلوم أن المغرب خلال العصر الوسيط، وبحكم وقوعه في مناخ متوسطي، توالت عليه دورات الجفاف والرطوبة. ولا شك أن كمية المنتج منه انعكست على تجارته.

يبدو أن شراب الرب كانت له تجارة مزدهرة في مراكش، العاصمة المرابطية ثم الموحدية لقرب المدينة من جبال درن، ولا غرو أن هذه التجارة المزدهرة هي ما أفضى إلى تسمية أحد أبواب المدينة بـ باب الرب الذي يقع في أقصى غرب الواجهة الجنوبية للسور المرابطي، وهو الباب الوحيد من أبواب المدينة الذي ينتسب إلى منتوج غذائي، وقد شكل نقطة عبور المنتوج القادم من الجبل.

تكشف المصادر التاريخية أن شراب الرب كانت له أسواق خلال العصر الموحدي، ويستشف من رسالة الخليفة الموحدي يعقوب ( 580 – 596 هـ / 1184 – 1199 م ) أن الرب كان يباع في الحوانيت وفي بعض الدور بمراكش.

لم يكن حمل باب في مراكش اسم الرب يقصد به فقط الممر الذي يدخل منه الرب إلى المدينة، وإنما قصد به أيضا مراقبة المخزن الموحدي لهذه التجارة عبر حراس وأعوان ومحتسبين لهم من الكفاءة ما يجعلهم يميزون بين حلاله وحرامه الإباحية الأول ومنع الثاني ، ولا غرو أن الباب حمل اسم النوع المباح من الرب . وفي هذا السياق ، ادعا الخليفة عبد المومن ( 525 – 559 هـ / 1130 1163 م ) ، في رسالة بعثها إلى الطلبة والأشياخ سنة 543 هـ / 1148 م ، إلى تعهد مواضع « بيع الرب واعتصار » .

1 2 3 4الصفحة التالية
المصدر
محمد فتحة : الأحكام والنوازل والمجتمع : أبحاث في تاريخ الغرب الإسلامي من القرن 12 م إلى 15 م محمد عمراني : مسألة الخمور في تاريخ المغرب الوسيطمصطفى النشاط : جوانب من تاريخ المشروبات المسكرة بالمغرب الوسيط معلمة المغرب
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق