عين على التاريخمقالات

الخمر عند الموحدين.. ماذا تعرف عن شراب الرب في المغرب الوسيط ؟

اقرأ في هذا المقال
  • شراب الرب في الأطلس والريف
  • مجالات استهلاك الرب
  • بين الحلية والتحريم
  • الرب يصمد في وجه السلطة

بين الحلية والتحريم

كان منتجو الرب على بينة أنه يمكن أن يصبح من المسكرات. لذلك، ألحوا أنه لا سبيل إلى شربه إلا أن يختلط بمثله ماء، ولما كان الأمر على هذا النحو، اختلف بشأن الرب، فأجازه البعض، كأهل سوس، « مالم يؤد إلى السكر ».

ولعل أكثر من أعطى شرعية لشرب الرب هو المهدي ابن تومرت. فعندما رجع إلى المغرب، حرص، في طريقه إلى مراكش، على الدعوة إلى الإقلاع عن شرب الخمر، وكسر أوانيه. غير أنه لما وصل إلى موطنه، لم يتخذ أي إجراء ضد انتشار شرب الرب، ويعزو البعض ذلك إلى أن خطوته تلك كانت ترمي إلى تأليف قلوب المصامدة حوله، أو إجراءا مؤقتا ريثما يستتب له الأمر.

وتأسيسا على رأي ابن تومرت، بارك بعض الإخباريين الموحدين شربه كابن القطان صاحب « نظم الجمان » وابن صاحب الصلاة مؤلف « المن بالإمامة »، هذا الأخير الذي نعت الرب الموحدي بـ « الحلال الذي لا مرية فيه ولا ريب » .

ويبدو أن هؤلاء لم يفعلوا أكثر من التماهي مع الموقف الرسمي للسلطة إزاء الرب ، لاسيما أنهم إخباريون رسميون، دون أن نستبعد أنهم عكسوا نظرة المجتمع إليه خلال العصر الموحدي.

وعلى عكس الموقف المؤيد لشرب الرب ، حث آخرون على تجنبه « لأنه لا يختلف عن مفعول الخمر الحرام ». ومن هؤلاء أبو محمد صالح الذي ندب مريديه « إلى ترك الرب ليس لأنه حرام، بل مخافة أن يجر شربه أتباعه إلى شرب الخمر. وهذا موقف أقرب إلى الإباحة من التحريم. وخلص إلى القول :

” فعلى الجملة، من بلي بشراب هذا الرب ، فليتجنب ما عمل من أعناب الجبال الباردة لأن أعنابها لا يتزبب. وكل ما لا يتزبب من الأعناب، قلت حلاوته، واشتدت مرارته، فلا يذهب عنه السكر …”

من جهته، دعا الخليفة عبد المومن، في رسالة بعثها إلى الطلبة والأشياخ سنة 543 هـ / 1148 م، إلى التمييز في الرب بين حلال وحرامه، وما يجوز شربه وما لا يجوز، تنبيهات تدل على حصول تجاوزات في صناعة الرب ومن ثمة في استهلاكه، مما حوله أحيانا إلى شراب مسكر.

لعل اللبس، الذي حصل بين حلية الرب وحرمته، جعل بعض المغاربة يعرضون عن شربه، حتى إن أحدهم رفض استهلاك الرب نهائيا، رغم طمأنته بعدم وجود أي مسكر به. وقد استمرت هذه الصورة الملتبسة بين الرب والخمر في المجتمع المغربي خلال العصور الحديثة، أو هكذا أرادوها أن تستمر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
المصدر
محمد فتحة : الأحكام والنوازل والمجتمع : أبحاث في تاريخ الغرب الإسلامي من القرن 12 م إلى 15 م محمد عمراني : مسألة الخمور في تاريخ المغرب الوسيطمصطفى النشاط : جوانب من تاريخ المشروبات المسكرة بالمغرب الوسيط معلمة المغرب
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق