عين على التاريخمقالات

الخمر عند الموحدين.. ماذا تعرف عن شراب الرب في المغرب الوسيط ؟

اقرأ في هذا المقال
  • شراب الرب في الأطلس والريف
  • مجالات استهلاك الرب
  • بين الحلية والتحريم
  • الرب يصمد في وجه السلطة

الرب يصمد في وجه السلطة

كان التحول الذي من صناعة شراب الرب واستهلاكه دافعا للسلطة الموحدية لمحاربته، ظهر ذلك بداية مع الخليفة عبد المومن، ويبدو أن ذلك تم بخلفيات عدة منها إضفاء مزيد من الشرعية على حكمه، وصراعه مع المجتمع المصمودي الطاعن في شرعيته.

فبالنظر إلى تفاقم ظاهرة شرب الرب، نبه الطلبة والأشياخ في رسالة بعثها إليهم سنة 543 هـ / 1148 م، حاملة لمجموعة من الأوامر، إلى ضرورة تعهد « مواضع بيع الرب واعتصاره »، وحث منتجيه على الاقتصار على الرب الحلال فما « أحل منه أباحوه، وما كان غير ذلك قطعوه أصلا وفرعا وأراقوه ». ولعل أوامره هذه لم تجد أذانا صاغية، فزاد موقفه تشددا إزاء الرب إلى درجة الأمر بقتل بائعه.

لم يكن هذا التشدد إزاء الرب حتى في أقصى درجاته ليحد من انتشار تجارته واستهلاكه، ويبدو أن الناس استغلوا الغموض الحاصل في تحديد المسكر وغير المسكر من الرب أي الحلال والحرام منه، فتمادوا في استهلاكه، فجاءت أوامر الخليفة الثالث يعقوب المنصور للحسم في الموضوع .

فقد شن حملة ضده، بعدما بدا له أن المجتمع المغربي، أو على الأقل المحيط به، انغمس في الرب بعدما أضفى المهدي شرعية على شربه خلال المراحل الأولى للثورة الموحدية، فما كان منه إلا أن نبه، في رسالة شديدة اللهجة، إلى أن

« الناس تجاوزوا في أمر الرب تجاوزا أغفلوا فيه الاجتهاد .. وسامحوا فيه تسامحا خرق المتعارف من المأذون فيه والمعتاد، وحاول اتخاذه وبيعه مَن لا يتوقف على احترام، ولا يتخوف بما يكتسب من آثام، .. وأجاز فيه مباح البيع والشراء .. وما تقرر عندنا من الالتباس في ذلك ما تقرر، وتردد على أسماعنا ما استرسل فيه وتكرر، وعلمنا أن الذي وسع على الناس في اتخاذه لم يتبين لهم الحق فيه على وجهه ولم يتحرر، وأن ذلك مما يصعب عليهم بسبب ما تساهلوا فيه ويتعذر، رأينا .. أن قطعه بالكلية أخلق بالاحتياط لدينهم وأجدر، فإذا وافاكم كتابنا هذا فاقطعوه جملة وتفصيلا، ولا تجهدوا في بيعه سبيلا، وأخووا الحوانيت التي كان يباع فيها منه وأفقروها، والديار المعروفة ببيعه أيضا لا تتركوها على ذلك ولا تقروها، وأريقوا ما تلقون من مشتبه وملتبسة، وعاقبوا من تجدونه عنده أشد عقوبة على دلسه، ومن وجدتم عنده رائحة منه كائنا من كان، فأقيموا عليه ما رسمه الشرع في ذلك وحده ».

يبدو أن محاربة الخليفة يعقوب للرب لم تكلل باجتثاثه الكلي والنهائي، والظاهر أن صناعته وتجارته واستهلاكه استمر من بعده، لاسيما أن الدولة الموحدية دخلت طور الضعف، ولها من المشاكل والمشاغل ما يلهيها عن محاربة الرب. وقد يكون استمرار حمل أحد أبواب مراكش اسم الرب إلى حدود عهد أبي ثابت المريني، على الأقل، دليلا على استمرار تجارة هذا الشراب واستهلاكه في هذه المدينة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4
المصدر
محمد فتحة : الأحكام والنوازل والمجتمع : أبحاث في تاريخ الغرب الإسلامي من القرن 12 م إلى 15 م محمد عمراني : مسألة الخمور في تاريخ المغرب الوسيطمصطفى النشاط : جوانب من تاريخ المشروبات المسكرة بالمغرب الوسيط معلمة المغرب
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق