التاريخ المغاربيتاريخ الجزائر

الدعم الدولي لـ الثورة الجزائرية

التحرك الدبلوماسي لـ الثورة الجزائرية

انطلقت جبهة التحرير الجزائرية في نسج علاقات مع الخارج، وبدأت في نشاط دبلوماسي حثيث لدعم الثورة التحريرية. فقد كانت السياسة الخارجية في صلب اهتمام قادة الثورة، حيث أسس الجناح الدبلوماسي المعروف بلجنة الخارج والمتكون من أحمد بن بلة، محمد خيذر، حسين آبت أحمد، و كانت غاية هذه اللجنة تدويل القضية الجزائرية وجلب التعاطف العالمي مع الشعب الجزائري.

وقد فرضت الثورة نفسها من خلال انتصارات جيش التحرير الوطني على الأرض، وكذلك من خلال النشاط الدبلوماسي لقادة الجبهة في الخارج، مما جعل القضية الجزائرية تطرح دوليا باعتبارها قضية تحررية، عكس ما كانت تروج له فرنسا، باعتبارها حركة تمرد داخلي. وأدى انتشار الثورة والأصداء التي حققتها إلى طرح النشاط الدبلوماسي ضمن جدول أعمال مؤتمر الصومام في 20 غشت 1956م، والذي أعطى بعدا جديدا ودفعا للعمل الدبلوماسي من خلال قراراته والتي منها:

  • عزل فرنسا سياسيا على المستوى الداخلي، وكذا على المستوى الخارجي، عن طريق تكثيف النشاط الدبلوماسي في الخارج لكسب الدعم المعنوي والمادي والحصول على تأييد الرأي العام العالمي، والتعريف بالقضية الجزائرية بين الدول التي أرادت فرنسا عزلها أو إبعادها عن المجريات الحقيقية في الجزائر، وبالتالي تغيير نظرتها.

وفي يوليوز 1957م، أرسل محمد يزيد تقرٌيرا إلى المجلس الوطني للثورة الجزائرية يلخص فيه النشاط الدولي لجبهة التحرير في ثلاث نقاط:

  • العمل على إخراج القضية الجزائرية من الإطار الفرنسي.
  • جعل القضية الجزائرية في نفس مرتبة القضيتين التونسية والمغربية.
  • إبلاغ هيئة الأمم المتحدة بالقضية الجزائرية.

مثلت المبادئ التي أقرها بيان أول نوفمبر، ومخرجات مؤتمر الصومام الأطر والضوابط الأساسية التي يتحرك على ضوءها العمل الدبلوماسي الجزائري في الساحة الإقليمية والدولية.

أبعاد التوجه الدبلوماسي لـ الثورة الجزائرية

مثلت الثورة دفعا للعمل التحرري بمختلف أشكاله ومستوياته، ومن أبرزها النشاط الدبلوماسي لقادة جبهة التحرير في العالم، من أجل توفير الدعم المادي والمعنوي للثوار، ومحاصرة الدعاية الفرنسية، والأهم من أجل تمثيل الدولة الجزائرية.

كانت البيئة الدولية إبان الثورة بيئة مناسبة بفعل الانقسام الدولي نتيجة الحرب الباردة بين المعسكرين الأمريكي والسوفياتي، كما شهدت الفترة انتشار المد التحرري، ونشاط حركات التحرر في العالم.

نشط ممثلو جبهة التحرير في دوائر دبلوماسية متباينة المستويات بدءا بالدائرة العربية، وما مثلته من عمق استراتيجي وامتداد حضاري، مرورا بالدائرة الأفرو-آسيوية، حيث شهدت بروزا لحركة عدم الانحياز، التي كانت داعمة ومؤيدة لحركات التحرر، وصولا للدائرة العالمية من خلال النشاط على مستوى منظمات المجتمع الدولي، واستغلال التباينات في الساحة الدولية.

الدائرة العربية

نالت القضية الجزائرية تأيدا ماديا ومعنويا كبيرا من طرف الدول العربية منذ انطلاق الثورة الجزائرية عام 1954م، فقد تحصلت على السلاح والمال، والمساندة السياسية في كل المحافل الدولية، كما سهلت هذه الدول لممثلي الثورة الجزائرية فيها بالنشاط السياسي عن طريق مكاتبهم المنتشرة في عواصم هذه البلدان، وكانت مصر من أبرز الدول العربية الداعمة للكفاح الجزائري حتى قبل الثورة، وأسبقيتها، في الجهر بموقفها المساند والمدعم للثورة الجزائرية، حيث أديع بيان أول نوفمبر من إذاعة صوت العرب بالقاهرة مساء أول نوفمبر 1954م، والذي أكد للعالم أن من بين أهدافه الخارجية تدويل القضية الجزائرية.

علاوة على الدعم المادي كان للقاهرة دورا بارزا في دعم القضية الجزائرية في المؤتمرات الدولية، كمؤتمر باندونغ، ومؤتمر القاهرة الذي جمع 46 دولة آسيوية وافريقية في 26 شتنبر 1957م، حيث خرج بقرارات هامة للقضية الجزائرية منها:

  • الاعتراف بالكفاح الجزائري.
  • التنديد بالسياسة الاستعمارية الفرنسية.
  • المطالبة باستقلال الجزائر.

كما فتحت مصر بابها للجزائر من خلال مكتب المغرب العربي والذي مثل الحاضنة لنشاط حركات التحرر المغاربية، ومن خلال الملتقيات والندوات والمؤتمرات للتعريف بالقضية الجزائرية.

كما لعبت السعودية دورا مهما في دعم القضية الجزائرية، حيث كانت سباقة في العمل على تدويل القضية في منظمة الأمم المتحدة بعد شهرين من بداية الثورة في 5 يناير 1955م، غير أن الهيئة الدولية أنتهت دورتها في ذلك العام دون أن تلتفت إلى الوضعية الجديدة التي تعيشها الجزائر، إضافة إلى بلدان سوريا ولبنان والعراق والسودان.

الدائرة المغاربية

كانت الدول المغاربية هي السباقة في دعم الكفاح الجزائري باعتبار وحدة التاريخ والمصير المشترك، وكذلك وحدة الكفاح والنضال لنيل الاستقلال، منذ بدايات الاحتلال وعبر المراحل التاريخية المتوالية، وقد كان التنسيق بين الحركة الوطنية الجزائرية، وبين الدول المغاربية جليا في العديد من المؤتمرات التي جمعتهم، ومن أهمها مؤتمر طنجة من 27 إلي 30 أبريل 1958م، الذي جمع حزب الاستقلال المغربي وحزب الدستور التونسي، وجبهة التحرير الوطني الجزائري.

الدائرة الأفرو-آسيوية

ساهم نشاط الحركة الوطنية في البلدان الأفرو-آسيوية كثيرا في تدويل القضية الجزائرية، وفرضها على أجندة المؤسسات الدولية، بعد التأييد التام الذي نالته الثورة الجزائرية في أول مؤتمر لمنظمة الدول الأفرو-آسيوية، حيث حضرت جبهة التحرير بصفة ملاحظ، وقد مثل الوفد الجزائري كل من محمد يزيد، وحسين آبت أحمد، وكان هذا المؤتمر أول مؤتمر جمع الدول حديثة الاستقلال من آسيا وإفريقيا في 18-24 أبريل 1955 بباندونغ باأندونيسيا.

وبضغط من الكتلة الأفرو-آسيوية أدرجت القضية الجزائرية في جدول أعمال الدورة العاشرة للجمعية العامة المقررة في أكتوبر 1955م، و قد مثل هذا المعطى انتصارا لجبهة التحرير وللكتلة العربية والأفرو-آسيوية، حيث أدرجت القضية على أساس حق الشعوب في تقرير مصيرها، الذي تبنته كتلة باندونغ.

كانت القضية الجزائرية في طليعة القضايا الإفريقية، وقد ساهمت الكتلة الإفريقية في تدويل القضية، خاصة من خلال المؤتمرات ولعل من أهمها:

مؤتمر أكرا بغانا

انعقد المؤتمر يوم 18 أبريل 1958 الذي قرر محاربة الاستعمار بكل الوسائل الممكنة، وكانت الثورة الجزائرية القضية المحورية في هذا المؤتمر، الذي عقدته الدول الإفريقية بهدف إحياء الذكرى الأولى لاستقلال غانا، وتقرر في المؤتمر تشكيل مجموعة افريقية ضمن هيئة الأمم لتوحيد العمل لصالح جبهة التحرير الوطني.

الدائرة الدولية:

سعى قادة الثورة التحريرية إلى استغلال تقلبات الساحة الدولية، والتباينات التي سببتها الحرب الباردة كما أن القضية الجزائرية أضحت بفعل انتصارات المجاهدين، ونشاط ممثلي الجبهة في العالم قضية دولية، وهو ما هدف إليه بيان أول نوفمبر، باعتبار أن طرحها دوليا يحرج فرنسا، ويحاصر الدعاية الفرنسية، التي تروج للقضية باعتبارها قضية داخلية.

وبالنسبة لموقف القطبين الدوليين، فأغلب القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة ، كانت داعمة للحليف الفرنسي، باعتباره في نفس المعسكر، وعضو في حلف شمال الأطلسي، وكذلك كان الموقف السوفيتي، وإن طرأت عليه لاحقا بعض التغيرات نتيجة لانتصارات الثورة، و بعدها العالمي بفعل دعم الدول العربية والكتلة الأفرو-آسيوية.

فقد كان الإتحاد السوفيتي في البداية غير مساند، لكن تطورات الكفاح الجزائري، ومسار العلاقات الدولية، واحتدام الحرب الباردة دفع إلى تغيير الموقف السوفياتي تدريجيا في هيئة الأمم حيث صرح

أنه يشعر بأنه حان الأوان لمناقشة الأوضاع الجارية في الجزائر، لأن هذه المسألة أثارت القلق، كما أنها تعتبر مسألة دولية هامة وخطيرة

وقد بعث الرئيس السوفيتي إلى فرحات عباس برقية تهنئة بمناسبة السنة الهجرية في 1959م، ويقول فيها أن السوفياتيين يؤازرون هذا الكفاح المسلح ويشجعون الشعب الجزائري في مسعاه، وأن كفاح الجزائر ساهم في تحرير القارة الإفريقية كاملة، كما بعث الرئيس السوفيتي برقية أخرى، أعلن فيها التأييد للجزائر بمناسبة أول نوفمبر 1961م.

ما يلاحظ أن الثورة الجزائرية فرضت نفسها كقضية دولية، باعتبارها حركة تحرر تهدف للاستقلال من المحتل.

تأسيس الحكومة المؤقتة

كان إنشاء الحكومة الجزائرية المؤقتة نصرا سياسيا كبيرا يحسب للثورة، حيث مثلت تعبيرا قويا عن وجود هياكل للثورة، أضحت تشكل مقومات لدولة وحكومة، علاوة على أنها تعتبر دفعة قوية للنشاط الدبلوماسي للثورة بفعل الانتصارات المتوالية للثورة على الأرض،وتحققت بذلك الرقابة على قسم كبير من الوطن، وتم تأليف جيش نظامي واسع، و هكذا تضافرت الدوافع لإنشاء الحكومة.

وقد كانت فكرة إنشاءها مطروحة منذ العام 1956م، وفي 1957م طرحت للنقاش بصورة جدية، فقد اتخذ المجلس الوطني للثورة في 27 غشت 1957م قرارا فوض فيه لجنة التنسيق والتنفيذ تأليف حكومة، وأوصى مؤتمر طنجة في قراراته أن تقوم حكومة جزائرية، وفي 9 شتنبر 1958م أعلنت لجنة التنسيق والتنفيذ قرار الهيئة التشريعية (المجلس الوطني للثورة) تأسيس الحكومة الجزائرية المؤقتة.

أما فيما يتعلق بأهداف إنشاء الحكومة المؤقتة، فتتمثل في إقناع الرأي العام العالمي بأن المفاوض الجزائري الشرعي موجود، وأنه مستعد للدخول في مفاوضات رسمية مع الحكومة الفرنسية، بينما يتمثل الهدف الآخر في وضع حد لما تدعيه فرنسا بأنها لا تجد أمامها ممثلا حقيقيا للمسلمين الجزائريين.

وفي 19 شتنبر 1958م أعلنت جبهة التحرير من القاهرة عن إنشاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وقد صدر بلاغ يعلن عن إنشاءها في نفس الوقت في كل من تونس والرباط، وبعض العواصم العربية الأخرى.

وقد حدد مؤتمر طرابلس الذي عقده المجلس الوطني للثورة في دجنبر 1959م، ويناير 1960م، مرتكزات السياسة الخارجية للحكومة المؤقتة والمتمثلة في دعم الكفاح المسلح، وفي محاصرة الدعاية والدبلوماسية الفرنسية في المحافل الدولية، كما مثلت الحكومة المؤقتة وما وفرته من هياكل دفعة قوية لدبلوماسية الثورة، مكنتها من الحضور القوي في مفاوضات الاستقلال، وأسست من خلال هذا الإرث الثوري للسياسة الخارجية للجزائر المستقلة.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق