مقالات

الذهب أثمن المعادن.. تعرف على تاريخ النقود والعملات وعلاقتها بالذهب

في عصرنا هذا، لم يعد أحد من الناس يصدق أن المعادن «تنضج» في الأرض، وأن الذهب يمثل آخر مرحلة للنضوج الطبيعي. ذلك النضوج الذي كان الخيميائيون يحاولون تحقيقه بكيفية اصطناعية. ومع ذلك، فإن هذا الاعتقاد يوضح تلك الجاذبية التي ما انفك هذا المعدن الأصفر يمارسها على الإنسان، على مر الأزمان.

معلومات عن الذهب

الدهب عنصر كيميائي رمزه Au وعدده الذرّي 79، وهو بذلك أحد العناصر القليلة ذات العدد الذري المرتفع والمتوفرة طبيعيا في نفس الوقت. يوجد في الطبيعة على شكل فلز ذي لون أصفر مائل إلى الحمرة، وكثافته المرتفعة، تجعله قابلا للسحب وللطرق، ويصنف ضمن المعادن النبيلة.

سحر الذهب

الأكيد أن هذه الجاذبية تجد تفسيرها في الخاصيات المدهشة للذهب. فهو طروق بدرجة كبيرة، وله قابلية ملحوظة للتمديد. ومع ذلك فإن قيمته لاتعود إلى خصائصه هاته. بل إن جماله وندرته هما اللذان جعلا منه، منذ القدم، الرمز الأكثر تعبيرا عن الثراء. واليوم، فإن دوره کمعیار نقدي لم يعد قائما، ولكن حظوته ما زالت كبيرة في أعين العموم.

من المقايضة إلى استعمال المعادن

كان إنسان ما قبل التاريخ – الذي كانت مبادلاته أكثر أهمية مما يعتقد عموما – يمارس المقايضة. فعندما تقوم قبيلة بقنص جيد، فإنها كانت تبادل، عن طيب خاطر، جزءا من طرائدها، مثلا، بأوان فخارية من صنع قبيلة مجاورة. غير أن هذه الطريقة كانت تنطوي على مساوئ كثيرة. إذ كيف يمكن، مثلا، أن نقايض دجاجة بثور، مادامت قيمة الدجاجة تختلف كلية عن قيمة الثور؟ من هنا اتضحت ضرورة التوفر على أشياء قابلة للقسمة، ويعترف لها الجميع بنفس القيمة. أي ما يمكن تسميته، بلغة العصر، وسيلة أداء.

وحتى تكون وسيلة الأداء مقبولة في كل مكان يجب، بالفعل، أن تستجيب للمتطلبات الخمس التالية :

  • ألا تكون قابلة للتلف.
  • أن تكون قابلة للتقسيم حتى تسمح باقتناء أشياء ذات ثمن منخفض.
  • أن تمثل قيمة كبيرة رغم حجمها الصغير، حتى يكون تداولها میسورا.
  • أن تكون قيمتها متناسبة مع وزنها لتجنب كل عنصر ذاتي في التقدير.
  • وأن تكون، في الأخير، مقبولة من طرف الجميع.

ومعلوم أن الأجسام الطبيعية التي تستجيب أحسن استجابة لمجموع هذه المتطلبات هي المعادن النفيسة، مثل الذهب والفضة. وبعد أن أدرك الإنسان أن المعادن الأكثر ندرة، هي الأكثر قدرة على تسهيل المبادلات، فكر، للتو، في ضرورة تشكيل الذهب على هيئة سبائك. وبما أن الذهب، للأسف، معدن طروق، فقد وجب أن يضاف إليه معدن صلب لتصنع منه أشابة أكثر مقاومة. الشيء الذي اضطر الناس، آنذاك، إلى التحقق من مقدار الذهب في كل معاملة.

ولكن كيف يتم هذا التحقق؟

هذا الشكل تم حله بصنع سبائك متماثلة في الوزن ونسبة الذهب، وبتزويدها بضمانة. ولتكون مقبولة من الجميع يجب أن تكون هذه الضمانة -الدمغة- صادرة عن الشخص الذي يحظى بأكبر مظاهر القوة والإجلال، أي العاهل “الملك” نفسه. بعد ذلك تم الانتقال إلى القطعة النقدية التي ليست، في الواقع، سوى سبيكة من حجم صغير، سهلة التداول.

وحتى لا نحيد عن الصواب يجب أن نقول بأن القطع الأولى، الخشنة، السيئة التصميم، بأشكالها المربعة أو شبه الدائرية، وبسمكها المتباين، لم تكن توحي بثقة مطلقة. فقد كان كل واحد يقرض منها كمية من المعدن، قبل أن يسلمها للأداء. وقد حصل التقدم الحاسم حينما مكن السك من تزيين وجهي القطعة بزخارف كانت تهدف للحماية أكثر مما تهدف للزينة.

من قطعة الذهب إلى الورقة البنكية

لمدة طويلة، كانت قطع الذهب والفضة والبرونز، تشكل الوسيلة الوحيدة للأداء التي كان يتوفر عليها الإنسان. وقبل تنمية الصناعة الكبرى كانت التجارة مسألة محلية بالخصوص، وكان ثمن المشتريات يؤدي بشكل مباشر. وإذا كان على تاجر أن يسدد ما عليه لمزود بعيد، فإن هذا الأمر كان في غاية الصعوبة.

فالذهب المنقول يتعرض لسطو اللصوص الذين يعيثون فسادا في الطرق. وقد استطاع الإنسان بواسطة الكمبيالة – التي كان البنكي يلتمس بها من زميل له أن يدفع مبلغا معينا إلى أحد زبنائه – أن يحل هذا المشكل. ولما أدرك الناس أن بإمكان ورقة موقعة بشكل قانوني أن تمثل كمية معينة من المعدن النفيس، وأن لها حسناته دون سيئاته، فإنهم كانوا على وشك اختراع الورقة النقدية.

ربط العملة بالذهب

كان جون لاو، رجل المال الشهير المستقر في فرنسا، قد نادی، دون جدوى، بتأسيس بنك الدولة في عهد وصاية دوق أرليان. كما أنه أسس، سنة 1716، بنكا خاصا. وكان حينما يقوم أحدهم بإيداع ذهبه لديه يسلمه في المقابل حوالة نقدية (Assignat) تعادل قيمة المعدن المودع. غير أن تحالفا بين بنكيين منافسين قد نجح في خلق حالة من الذعر اضطر معها جون لاو إلى الفرار، وهو في حالة إفلاس.

وكان مبدأ بنك الدولة بسيطا : على البنك أن يصدر أوراقا بقيمة مساوية للذهب المودع في خزائنه. وكان لهذا النظام عيب وحيد. وهو أن المزودين الأجانب كانوا يرغبون في أن يتم الأداء بالذهب. إذ لم تكن لديهم أية رغبة في الحصول على أوراق لا يستطيعون استخدامها في بلدهم.

وسرعان ما أدرك البنكيون أن بإمكانهم طبع أوراق نقدية ذات قيمة تفوق -بصفة محسوسة- قيمة المعدن النفيس، المخزون في أقبية أبناکهم. وكانت ضمانة الدولة تطمئن أكثر الناس تشككا.

وبعد ذلك بقليل بدأت الدولة تصنع أوراقا بكمية كبيرة جدا لمواجهة نفقات طارئة، مثل نفقات الحرب. وكان من الممكن أن يحدث الحفاظ على مبدأ السداد بالذهب كارثة. ومن أجل ذلك رفضت الدولة بالنسبة للخواص، وبصفة نهائية، إمكانية تحويل أوراقهم النقدية إلى ذهب.

قصة الذهب والدولار

عشية الحرب العالمية الأولى كان النظام النقدي، في جميع البلدان تقريبا، يستند إلى معیار الذهب. بحيث كان كل بلد يتوفر على احتياطي من هذا المعدن النفيس. وكانت تغيرات هذا المخزون تكبح أو تحفز العمليات التجارية بين بلد وآخر.

ولهذا، فإن البلد الذي كان يستورد أكثر مما يصدر، يؤدي الفارق بالذهب الموجود في خزائنه. وبشكل تلقائي تصير عملته أضعف في السوق الدولية. وكان ينتج عن ذلك أن منتوجات صناعته أو فلاحته أرخص بالنسبة إلى المشترين الأجانب، فترتفع مبيعاته. غير أن ارتفاع كلفة البضائع التي يشتريها من بلدان أخرى يؤدي إلى نقص وارداته. وهكذا يزيد رصيده من الذهب ويعود التوازن بكيفية تلقائية.

وقد تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن هذا النظام سنة 1914، لتعود إليه سنة 1919، قبل أن تتخلى عنه من جديد سنة 1934. وبعد الأزمة الاقتصادية، التي بدأت سنة 1929، أراد هذا البلد أن يمنح الاستقرار لعملته وقرر سنة 1934 أن أوقية من الذهب تعادل 35 دولارا، وأن هذه القيمة ستبقى ثابتة. وكان لحكومات البلدان الأخرى وحدها الحق في تحويل دولاراتها إلى ذهب حينما ترغب في ذلك. غیر أن الولايات المتحدة كانت مزدهرة لدرجة أن امتلاك الدولارات، بالنسبة إلى الجميع، كان يعني امتلاك الذهب. وكثير من الحكومات كانت تضع حتى هذه العملة الورقية في احتياطاتها من العملات.

انهيار قاعدة الذهب

مع ذلك، فعندما بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تواجه صعوبات مالية، شرعت تصنع من الأوراق النقدية أكثر مما تسمح به احتياطاتها من المعدن. وقد تم الانتباه إلى ذلك بسرعة، وكان ما حصل، قديما، على مستوى دولة واحدة، قد وقع على الصعيد الدولي، فهددت عدة دول، ومن بينها فرنسا، بتحويل جميع الدولارات التي تمتلكها إلى ذهب. ولذلك أعلنت الحكومة الأمريكية، يوم 15 غشت 1971، أنها لم تعد تقبل تحويل الدولارات المقدمة إليها إلى ذهب.

وهكذا بقيت جميع العملات محددة بالنسبة إلى الدولار، غير أن تحويل مختلف العملات لم يعد يخضع لقواعد صارمة. فحسب العرض والطلب يمكن لقيمة العملات أن تتغير بـ % 4,5 بالنسبة إلى الدولار، وهذا هو نظام أسعار الصرف المرنة أو العائمة.

وفي سنة 1976 كانت هناك بداية لتخطيط أولي لنظام نقدي دولي في مؤتمر كنغستون بجمايكا. فقد تم إحداث معيار نقدي دولي أطلق عليه «احتياطي دولي مشترك». ويتكون هذا الاحتياطي من «حقوق السحب الخاصة» (DTS)، وهي عملة صورية تمثل قيمتها معدل أسعار خمس عملات رئيسية (الدولار، المارك، الفرنك، الين، الجنيه.)

إن عولمة الاقتصاد جعلت من المستحيل استعمال الذهب كمعيار نقدي. وبتعبير أهل الاقتصاد، فإن الدولار هو الجائز بالرغم من كون المعدن الأصفر، في أعين الناس، هو رمز الهيبة والقوة.

مزايا وعيوب قاعدة الذهب

هل يوجد في تاريخ الإنسانية شيء غير ضروري للحياة، منحه الإنسان من الأهمية الرمزية، التي لم تتغير مع مرور الزمن، مثل ما منحه للذهب ؟

الواقع أن الإنسان لم يثبت على شيء كما ثبت على الحب الذي يكنه للمعدن الأصفر. ومع ذلك فإن قيمة الذهب لا تبقى ثابتة. وفي كل الأحوال، فإنه بالنسبة إلى نفس المقدار من المعدن، يُطلب ثمن يزيد ارتفاعا كلما كان الطلب أقوى، إذ إن هناك سوقين للذهب، إحداهما، وتسمى سوق سعر التكافؤ بالذهب، تحدد بالقيمة الذهبية للعملة الوطنية، وهي قيمة تحددها الحكومة ويقبلها صندوق النقد الدولي (FMI). أما السوق الثانية فهي حرة، وقد تم إنشاؤها، في فرنسا سنة 1948.

كما هو الحال في أية سوق، فإن حجم العرض والطلب هو الذي يغير السعر، وكذا الثمن الذي يتم تحديده في لندن، كل يوم عمل، على الساعة العاشرة والنصف صباحا، بمقر بنك روتشلد.

لهذا فعندما يشتري الناس الذهب بكثافة ترتفع الأثمان، أما إذا كان التوجس قويا فإن الأثمان «تلتهب»، ففي سنة 1960 بلغ ثمن أوقية الذهب 40 دولارا، بل لقد وصل سعره سنة 1980 إلى 710 دولارات. وقد سجل الذهب أعلى مستوى له في التاريخ سنة 2020 بلبوغه مستوى قياسي عند 2072 دولار، بسبب التداعيات الاقتصادية لجائحة فيروس كورونا.

ولتدارك مثل هذا الارتفاع تم، سنة 1961، إحداث «مجموعة الذهب» التي كان على أعضائها (الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا العظمى، وألمانيا الفدرالية، وفرنسا، وإيطاليا، وبلجيكا، وهولندا، وسويسرا) أن يجعلوا جزءا من احتياطاتهم مشتركا بينهم عندما يكون من الضروري ضمان استقرار السوق. غير أن المجموعة نفسها بدت غير ناجعة أمام المضاربات التي تلت تخفيض قيمة الجنيه، فقرر أعضاؤها عدم التدخل في السوق الحرة للذهب. وكل هذا يبرهن بقوة على أن ثمن المعدن النفيس يتغير تغيرا كبيرا، وأنه لا توجد قيمة مرجعية للذهب.

ومن البديهي أنه من الصعب تقدير کتلة الذهب الذي تم اكتنازه منذ عدة قرون. في الدواليب والخزائن (باستثناء احتياطيات الدول). ومع ذلك فإن الرأسمال الموظف في الذهب يفقد باستمرار من قيمته. فمن سنة 1949 إلى سنة 1969 مثلا فقد الذهب ثلثي قدرته الشرائية. وفي نفس الوقت ازدادت قدرة القيم ذات الدخل المتغير بنسبة %188. وإذن فإن الذهب لا يشكل، على المدى الطويل، توظيفا جيدا، لا بالنسبة للخواص، ولا بالنسبة للبلد الذي يكون دائما خاسرا، في حالة تجديد الرساميل.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق