التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

انجليزي في خدمة السلطان المولى اسماعيل.. علوج المغرب

من منا لا يعرف باب منصور العلج بمكناس؟ هذا الباب، الذي يعتبر أجمل وأضخم باب بشمال إفريقيا، صممه وبناه أحد العلوج، الذين خدموا السلطان مولاي اسماعيل والذي لا نعرف عنه أكثر من اسمه. أما توماس بیلو Thomas Pellow الإنجليزي، رفيقه في الأسر، والذي كان هو الآخر من علوج المولى اسماعيل، فإنه تمكن لحسن الحظ من كتابة مذكراته، فعرفنا بمساره المخزني وعلى موقع العلوج عموما في المجتمع والدولة بالمغرب.

باب المنصور العلج مكناس
باب المنصور العلج بمكناس

ضرورة سياسية

بوصول المولى إسماعيل إلى الحكم في سنة 1672، قرر هذا الأخير فتح صفحة جديدة في العلاقات مع القوى المسيحية بإصراره على تحرير الثغور المحتلة، وفي نفس الوقت تصفية أسباب التوتر مع هذه القوی خاصة عبر التخلص من مسألة الأسرى الموجودين لدى الطرفين.

شكل استرجاع مدينة طنجة، في سنة 1684 ورحيل الإنجليز عنها، بداية لتصفية مشكل الأسري بين الطرفين. لكن تعنت الإنجليز ورفضهم لحل شمولي يستفيد منه كل الأسرى جعل المفاوضات بين الطرفين تتخبط لعدة سنوات، وهو الأمر الذي تطلب عدة سفارات في الاتجاهين. وكانت النتيجة الحتمية توقف المفاوضات في سنة 1715 وانهيار الهدنة بين المغرب وإنجلترا. انهيار سيكون توماس بيلو Thomas Pellow من من بين ضحاياه.

تختلف تقديرات عدد الأسري الأوربيين بالمغرب خلال العهد الإسماعيلي من مصدر إلى آخر. المؤرخ أبو القاسم الزياني يشير إلى وجود 25.000 أسير مسيحي في سجون المولى إسماعيل، إلا أن المصادر الأوربية تتحدث عن حوالي 2000 أسير فقط عقب تحرير المعمورة والعرائش وأصيلا (1681-1691)، وهو التاريخ الذي يمثل ذروة عدد الأسرى المسيحيين بالمغرب،

وإذا كان المسيحيون يقعون في أيدي رؤساء البحر السلاويين أو غيرهم، فإن هؤلاء كانوا ملزمين بتسليمهم للسلطان مقابل تعویض يدفع لهم. وبعد وصولهم إلى مكناس كان هؤلاء الأسرى يوضعون في حي خاص بهم ولأسباب أمنية وتجنبا لفرار الأسرى، كان هؤلاء مجبرين على السكن في دهاليز وبيوت تحت الأرض. كما حرص السلطان على بقائهم بالمدن الداخلية حتى لا يقيموا أية علاقة بالتجار والقناصلة الأوربيين الموجودين بالمدن الساحلية.

وبمكناس كان الأسرى المسيحيون يعاملون معاملة أحسن بكثير. كانوا يستفيدون من تأطير ومساندة رهبانهم، ولا يشتغلون خلال الأعياد المسيحية، بل إن الأحياء التي كانوا يقيمون بها كانت تتوفر على حانات يُصنع ويستهلك فيها النبيذ. وحسب شهادة الأوربيين الذين زاروا الأسرى المسيحيين بمكناس، فإن إرغام هؤلاء على اعتناق الإسلام كرها كان شيئا محرما، وكان بوسع الأسير أن يحتفظ بدينه إلى أن يتم تحريره على إثر افتكاك الأسرى بموجب اتفاق أو هدنة تبرم بين المخزن المغربي والدول التي ينتمون إليها.

وهكذا كتب الدبلوماسي الإنجليزي بريثوايت الذي زار مكناس مباشرة بعد وفاة المولى إسماعيل :

«إنه من النادر جدا أن يقوم المسلمون بإرغام مسيحي على تغيير دينه ماعدا إذا وقع هذا الأخير في يد مسلم متعصب».

العلوج في عهد مولاي اسماعيل

يمكن القول إن الأسرى المسيحيين الذين كانوا يعتنقون الإسلام كانوا يقدمون على ذلك لأحد السببين :

  1. التخلص من الملل وانتظار سنين قد تطول قبل أن يستعيد حريته،
  2. الرغبة في تحسين وضعيته والانصهار في المجتمع بدل العيش على هامشه لمدة قد تطول.

وهنا يطرح السؤال:

ما هي نسبة وعدد المسيحيين الذين كانوا يعتنقون الإسلام، أي يصبحون علوجا؟

يظهر أن عدد هؤلاء ظل ضئيلا في كل الأحوال. فعند بداية القرن الثامن عشر تظهر قائمة للأسرى الإنجليز بمكناس أن عدد هؤلاء لم يكن يتجاوز 265 فردا، أسلم منهم 15 فقط، أي بنسبة أقل من %6. وكما يذكر توماس بیلو نفسه، في مذكراته، فإن عدد العلوج، وجلهم كان مرتبطا بالخدمة المخزنية، لم يكن يتجاوز 600 فرد بعد وفاة المولى إسماعيل، وبعد أن هلك جلهم في الحروب التي شهدتها البلاد آنذاك.

إن اعتناق الأسير المسيحي للإسلام، حتى لا يبقى على هامش المجتمع، لا يعني أن انصهاره في من المجتمع كان أمرا مضمونا، بل يمكن القول إن جل العلوج ظلوا محل تشكك وحذر من طرف المغاربة، فالعلج هو حديث العهد بالإسلام وقد يكون إسلامه شكليا وصوريا فقط، الغرض منه حسب الاعتقاد السائد هو کسب وضع اجتماعي أفضل. فمصطلح “العلج” في حد ذاته كان ذا حمولة قدحية، وهكذا يتحدث بریثوايت عن وضعية ابن بلاده توماس بيلو بما يلي :

«إنه حاليا جندي كما هو الوضع بالنسبة لكل العلوج الذين لا يتوفرون على تكوين وليست لهم حرفة معينة فما يحصل عليه من راتب ومن زرع غير كاف إلى درجة أنه لا يفلت من الجوع إلا بلجوئه إلى سرقة ما يسد به رمقه، مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر الموت إذا ضبط وهو يسرق».

إن هذه الشهادة لا تعكس الواقع، وغالب الظن إن الأسرى والعلوج كانوا يحبكون صورة حالكة لوضعهم عسی أن يشفق دبلوماسيو بلدهم لحالهم فيضاعفون الجهود لتخفيف آلامهم وبذل الأموال لافتكاكهم.

الأمر الذي لا يمكن التشكيك فيه هو أن المعاناة المعنوية بالنسبة للعلوج كانت أشد وطأة من المعاناة المادية. فالعلوج ظلوا يمثلون بالنسبة للمجتمع جزءا من الجهاز المخزني الذي كان يسخرهم لقمع انتفاضات القبائل وإكراه هذه الأخيرة على دفع المغارم والجبايات لبيت المال. لذلك، بقي العلوج محل شك بالنسبة لإسلامهم الذي اعتبر انتهازيا وغير صادق، كما كان الناس ينظرون إليهم نظرة تجمع بين الاحتقار والحقد، لأنهم في مرتبة العبيد والمماليك ومع ذلك يحملون السلاح كجنود وينفذون أوامر المخزن بنفس القسوة والشدة التي يمارسها باقي الجهاز العسكري.

وهكذا يقول أحد الفرنسيين، الذين قدموا لافتكاك الأسرى المسيحيين إن المغاربة المسلمين منهم واليهود، يحتقرون هؤلاء “المرتدين”، (أي العلوج)، بحيث إذا مات أحدهم فإن دفنه لا يقوم به إلا إخوانه من العلوج، وإلا بقي بدون دفن.

في رحبة القراصنة

يقول توماس بيلو إنه ولد بالجنوب الشرقي لإنجلترا سنة 1704 والتحق بالبحرية عن طريق عمه جون بيلو الذي كان رئيسا لسفينة على أهبة الإبحار إلى ميناء جنوة الإيطالي، وفي سنة 1715 وبعد سماع أخبار استيلاء القراصنة السلاويين على عدة سفن إنجليزية في المحيط الأطلسي، حاولت أسرة طوماس بيلو أن تثنيه عن فكرة المغامرة وركوب البحر صحبة عمه، خاصة وأن سنه آنذاك لم يكن قد تجاوز إحدى عشرة سنة، لكن عمه استطاع أن يتغلب على مخاوف والديه فسمحا له بالإبحار.

مرت رحلة الذهاب بسلام وبينما كانت السفينة عائدة إلى ميناء فالموث الذي انطلقت منه أصلا باغتها قرصانان من قراصنة سلا على مقربة من مدينة بريست الفرنسية فوقع هو وعمه في الأسر.

بعد وصوله إلى مكناس، أرسله السلطان إلى مدرسة کی يتعلم “لغة المغاربة”، وفق بيلو نفسه، لكن وجوده بالمدرسة لم يستمر طويلا إذ قرر السلطان أن يوجهه بعد بضعة شهور نحو التكوين العسكري الذي كان مآل جل الأسرى المعتنقين للإسلام. وبمعسكر التكوين تلقی بيلو نفس التدريب الذي كان مخصصا للعبيد السود وأبنائهم، ثم تم تعيينه بعد حوالي أسبوعين على رأس كتيبة من 80 متعلما، أي “أني أصبحت قائدا” يقول بيلو.

مذكرات الأسير الانجليزي توماس بيلو Thomas Pellow
مذكرات الأسير الانجليزي توماس بيلو Thomas Pellow بالمغرب

يحكي طوماس بيلو أن السلطان ومساعديه كثيرا ما لجؤوا إليه كلما تعلق الأمر باستقبال سفير أو مبعوث إنجليزي بحكم إتقانه للغتين العربية والإنجليزية. وهكذا، نجده بصحبة السفير الإنجليزي ستيوارت الذي قدم إلى مكناس في سنة 1721 للتفاوض حول افتداء الأسرى الإنجليز. وبعد مفاوضات عسيرة شارك فيها بيلو كمترجم وكمسهل للمفاوضات، تم التوصل إلى تحرير كل الأسرى الإنجليز وعددهم 301 أسيرا.

يقول بیلو إن الرعايا الإنجليز الوحيدين الذين لم يشملهم هذا الاتفاق هم الذين أسلموا، أي العلوج كما كان الأمر بالنسبة له. وعلى إثر هذا الاتفاق الذي أفضى إلى تحرير الأسرى الإنجليز تم تكليف بيلو بمرافقة السفير ستيوارت إلى تطوان حيث، كان من المفروض أن يستقبلهم عامل المنطقة الشمالية أحمد بن علي الريفي الذي كلفه السلطان بتأمين إبحار السفير والأسرى المرافقين له.

تامسنة والقصبات الإسماعيلية

لجوء الدولة المغربية إلى العلوج في المجال العسكري لم يبدأ مع العلويين، إذ اعتمدت كل الدول السابق على العنصر الأجنبي کرديف للجيوش المحلية، بل إن السلاطين وجدوا في العلوج قوة طيعة ووفية لأنها منفصمة عن المجتمع، ويمكن للمخزن أن يعتمد عليها في مواجهة القبائل. وحتى يضمن السلطان ولاءهم كان يبذل كل ما في وسعه ليفصلهم عن المجتمع ويربطهم به بروابط متعددة، وفي طليعتها تزويجهم من داخل ” الدار” بإماء القصر، من سليلات عبيد البخاري أو من غيرهن.

ويحكي بيلو كيف أن المولي إسماعيل أحضر في سنة 1721، مباشرة بعد رحيل السفير الإنجليزي، 800 صغار العلوج وأمر بتزويجهم، وكان توماس بيلو من ضمنهم. ومن حسن حظ هذا الأخير أن السلطان زوجه ببنت أحد قواد الجيش المرموقين كان تحت إمرته حوالي ألف وخمسمائة من “قواد رؤوسهم”، وهم صنف من القواد الذين لم تسند لهم أية مهمة عسكرية تتضمن رئاسة الجنود. وهذه العلاقة المتميزة التي أصبحت تجمعه بقائد عسكري مرموق هي التي سهلت له على ما يظهر التسلق السريع في السلم العسكري، إذ أسندت إليه مباشرة بعد ذلك قيادة 300 من الجنود.

مباشرة بعد تزويجه وتعينه على رأس كتيبة عسكرية تتألف من العلوج ينتمون، حسب بيلو إلى عدة جنسيات منهم الفرنسي والإسباني وغيرهم، أرسله مولاي اسماعيل إلى قصبة تامسنا، التي سيستقر بها من سنة 1721 إلى حين وفاة هذا السلطان في سنة 1727.

يشار إلى أن منطقة تامسنة كانت بها عدة قصبات إسماعيلية مهمتها الحراسة وضبط الأمن في هذا الجزء الهام من البلاد المتحكم في الطرق الرابطة بين شمال وجنوب المملكة، منها قصبات سطات، ومديونة، وبن احمد، وبولعوان.

يقول بيلو إن العدد الإجمالي للجنود المرابطين بالقصبة التي عين بها كان يفوق ثلاثة آلاف فرد، وهو ما يدل على أهميتها والواقع أن هذه القصبات الإسماعيلية المنتشرة في كافة جهات المملكة لم تكن تنحصر مهمتها في الإشراف على الأمن المحلي فقط، بل كانت بمثابة ثكنات تتجمع فيها الجيوش لتنطلق في مهام عسكرية مختلفة يحددها السلطان، وقد يصل مداها إلى مناطق بعيدة من البلاد.

وهذا ما كان ينتظر بیلو، بالضبط، عندما أرسل إلى تامسنة. فخلال خمس سنوات (1722-1727) قضاها بهذه الناحية، شارك في أربع حَرْكات كبرى قادته إلى الأطلس الكبير جنوب مراكش، ودرعة، وتوات، وأخيرا وجدة وبني يزناسن في شرق البلاد. وكان الغرض من هذه الحملات العسكرية جمع الأعشار من القبائل أو معاقبة الرافضة منها لأداء ما يتوجب عليها.

هذا النشاط العسكري المكثف، الذي ميز هذه السنين الأخيرة من حياة المولى إسماعيل والذي يوثقه بيلو بتفصيل دقيق، من شأنه أن يدحض الاعتقاد السائد لدى الكثير من المؤرخين المغاربة والقائل بأن الجزء الثاني من حكم هذا السلطان تميز بسيادة الأمن والهدوء الشاملين في كافة ربوع المملكة.

وفاة المولى اسماعيل

عقب وفاة مولاي اسماعيل في سنة 1727، ساءت الأحوال وغرقت البلاد في بحر من الحروب الأهلية بعد أن تنازع أبناؤه الملك وأصبحت البلاد عبارة عن دويلات وإمارات متقاتلة. وفي ظل هذه الوضعية المزرية، وجد بيلو نفسه مجبرا على خدمة هذا الأمير أو ذاك، دون أن يعلم أين ستقذف به الأقدار. كل ما يسجله بمرارة شديدة هو حنينه إلى الأيام التي قضاها بمنطقة تامسنة والتي عاشها في ظل سلطان قوي ضمن للبلاد درجة عالية من الاستقرار والأمن.

ضريح مولاي إسماعيل من الداخل في مكناس المغرب
ضريح مولاي إسماعيل من الداخل في مكناس، المغرب

وكان من الطبيعي أن تنعكس هذه الأوضاع المزرية التي عاشها المغرب بعد رحيل المولى إسماعيل على نفسية بيلو، ففقد الأمل في العيش في هذه البلاد التي استقر بها اضطرارا، فأصبح يفكر في ترکها والرجوع إلى وطنه. حاول الفرار عدة مرات وألقي عليه القبض أكثر من مرة، لكنه أعاد المحاولة من مرسی سلا ثم أكادير، قبل أن ينجح في ركوب سفينة أقلته من طنجة إلى جبل طارق، ومنها إلى إنجلترا التي وصلها في أواخر سنة 1738.

بواسطة
يونس المسعودي
المصدر
The adventures of Thomas Pellow, of Penryn, mariner, three and twenty years in captivity among the Moorsأبو القاسم الزياني: الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق