عين على التاريخمقالات

الشرفاء في تاريخ المغرب

عرف المغرب هجرات عدة لفروع الشرفاء، خاصة الحسنيين والحسينيين، إبان فترات زمنية مختلفة خلال العصر الوسيط، وإذا كان هؤلاء حظوا بمكانة رمزية وسياسية خلال الحقبة الإدريسية، فإن مكانتهم السياسية، بعدها، ظلت خاملة طوال قرون، إلى أن بزغت من جديد في مدينة سبتة منتصف القرن 7 هـ / منتصف 13 م بدعم من العزفيين. حيث أضحى الشرفاء يتمتعون بنفوذ معنوي له وزنه في الحياة السياسية للمدينة.

سلاطين المغرب يغازلون الشرفاء

ما لبثت مكانة الشرفاء أن أخذت في الانتشار في المغرب بإيعاز من المرينيين حديثي الوصول إلى السلطة، وهم الذين كانوا يبحثون عن الشرعية عبر قنوات مختلفة، فوجدوا في الأشراف واحدة من أكثرها أهمية للحصول على مساندتهم في صراعهم الخارجي ضد بني عبد الواد، والاستقلال عن الحفصيين، وصراعهم الداخلي بتحصين الدولة ضد أشكال المعارضة ذات المنطلقات الدينية بالحد من مفعول تيار مهدوية الموحدين وردعه بسبب ما كان لأنصار هذا التيار من اعتزاز بشرف ابن تومرت المنحدر من سلالة إدريس.

وكذا بقطع الطريق على الصوفية معارضي النظام القائم الذين كان نفوذهم أخذا في التصاعد، ومزاحمتهم، وإضعاف نفوذهم بشكل أو بأخر، لاسيما أن محبة الرسول وأهل بيته كانت تعتبر ركنا من أركان التصوف الشعبي. إضافة إلى استثمار علاقتهم بالشرفاء لمحاولة ربط الصلة بينهم وبين المجتمع الحضري في فاس خاصة، الذي كان يكن احتراما كبيرا للشرفاء. ولعل اختيار المرينيين فاس، عاصمة لهم، ينم عن إعادة إنتاج لنموذج رمزي من الحكم قام على أساس الشرف.

وتبرز خصوصية تعامل السلطة مع الشرفاء بفاس من خلال العناية البالغة التي أحاطت بها السلطة المرينية الصاعدة الشرفاء الجوطيين المنحدرين من إدريس الثاني مؤسس فاس، من ذلك ظهير التوقير الذي توصل به عبد الواحد بن محمد الجوطي من طرف السلطان المريني يعقوب بن عبد الحق عام 658 هـ / 1259 م.

إضافة إلى الهدايا القيمة التي حصل عليها بمناسبة مشاركته في الجهاد ضد النصارى الذين هاجموا سلا. كما اصطحبه السلطان معه للجهاد في الأندلس عام 674 هـ / 1275م. ولتعضيد الإستثمار السياسي للشرفاء، تصاهر بنو مرين مع الشريف علي بن صالح الحسني السرغيني، وتزوج عبد الحق بن محيو بشريفة عربية من بني علي الشرفاء الحسينيين، وحذا حذوه معظم أمراء بني عبد الحق حيث تزوجوا من نساء عربيات الأصل.

لم يقف الاستثمار السياسي للشرفاء من قبل المرينيين عند هذا الحد، بل سعوا إلى تعضيد حكمهم عبر مبايعة الأشراف لهم، وتوفير غطاء لطموحاتهم « التوسعية » في بلاد المغرب، حيث لوحظ أن المرينيين بذلوا مجهودات إضافية تجاه الشرفاء المحليين، وشرفاء الحجاز إبان فترات « التوسع »، تم ذلك مع أبي يعقوب وأبي الحسن وأبي عنان، فقد استدعى السلطان يوسف بن يعقوب جد الشرفاء الجوطيين للتبرك بحضوره أثناء حصاره لتلمسان.

وقام السلطان أبو الحسن بالإجراء نفسه خلال حملته على المدينة نفسها، إذ بعث إلى جد الأشراف الجوطيين قصد التبرك بصحبته، والانتصار على أعدائه، والتقليل من موقف الصوفية المعارض للحملة على تلمسان، وقامت البعثات المرينية لشرفاء مكة والهدايا المرسلة إليهم، والعناية التي أحاطوهم بها، بالقدر نفسه الذي اعتنوا بممثليهم الذين زاروا المغرب.

فقد بعث السلطان أبو يعقوب يوسف في عام 704 هـ / 1304م أموالا برسم التفريق على أهل مكة والمدينة. ومع رجوع هذا الوفد، وصلت بيعة أشراف الحجاز لسلطان المذكور عام 705 هـ / 1305م. وفي السياق ذاته، وأثناء حصار أبي يعقوب لتلمسان، ظهرت شجرة تنسب بني مرين للشرف.

السلطان يقبل يد الشريف

جاء القرار الرسمي، على عهد يوسف بن يعقوب عام 691 هـ / 1292م، بتعميم الاحتفال بعيد المولد يوم 12 ربيع الأول من كل عام في كافة أرجاء البلاد، ليؤكد الحظوة التي أصبح الأشراف يتمتعون بها لدى السلطة، حيث تبلور وعي جديد اتجاه هذه الطائفة، زادت السلطة في ترسيخه عبر الاحتفال بيوم سابع المولد على عهد أبي سعيد عثمان، وبتحمل أبي عنان لنفقات الاحتفال بليلة المولد في سائر جهات المملكة.

ولجذب مزيد من الاهتمام، وإضفاء الطابع الشعبي على الاحتفال، عمل السلاطين المرينيون في عهود قوة الدولة على تنظيم مباراة لشعراء الملحون في مدح الرسول بإحدى ساحات فاس. وعند نهايتها، كانوا يكافئون صاحب أحسن نظم بلقب «أمير الشعراء»، وبجائزة مالية مقدارها «مائة مثقال وفرسا وجارية، ويخلع عليه [السلطان الكسوة التي يكون لابسا لها. كما يأمر لكل واحد من الآخرين بخمسين مثقالا، بحيث ينصرفون جميعا بهدايا».

ولتكتمل الصورة كانت السلطة تنتجز يوم المولد النبوي لاتخاذ جملة من القرارات السياسية أو ذات البعد السياسي، سواء منها التي تهم الداخل أو الخارج. هكذا، يظهر أن خلفيات سياسية، أسهمت في بعث وترسيخ المكانة الاجتماعية للشرفاء. كما يظهر أن الشرفاء ذوي الثقل والتأثير والنفوذ قبلوا أن يكونوا نصراء للسلطة لتزكية مكانتهم.

ويمكن الوقوف عند العديد من المظاهر التي تبرز المكانة الاجتماعية التي أضحى الشرفاء يتبعونها لدى السلطة المرينية، نذكر منها أنهم كانوا في مقدمة المخاطبين في الرسائل الرسمية كحال ذوى الجاه، حيث نعتوا في بعضها بعبارات التبجيل والتقدير من قبيل «الشرفاء المعظمين الأجلاء»، أو «الشرفاء المعظمين الأصلاء»، أو «الشرفاء المأثورين المرعبين الملحوظين المحترمين».

وشغلوا إلى جانب السلطة العديد من الوظائف السلطانية، من كتابة العلامة كأعلى وظيفة في هرم السلطة، ووزارة، وقضاء ورئاسة الشورى، وسفارة وغيرها، وكانت لنقيبهم مكانة متميزة داخل المجلس السلطاني، وكلمة مسموعة به. وحصل بعض الشرفاء على ظهائر التوقير من السلطة، وشاركها صدورهم تدشيناتها، واصطحبتهم السلطة في حروبها قصد التبرك بهم، كما كانوا من بين المقدمين لاستقبال السلطان لدى قدومه إلى الحضرة.

وكانوا يحظون باستقباله في مناسبات مختلفة، حتى إن السلطان أبا الربيع خرج بنفسه حافيا لاستقبال أحد شرفاء الحجاز، يتعلق الأمر بالشريف محمد الهادي بن أبي القاسم بن نفيس العراقي الحسيني. وحرص السلطان نفسه على تجديد سقف مسجد الشرفاء الذي بني على عهد إدريس الثاني.

وكان السلطان أبو عنان وأعضاء مجلسه يقفون احتراما عند استقبالهم لزوار الشرفاء، حتى أصبح هذا الأخير يناهز الخلافة في «المنزلة والإبانة»، بل أضحى بفضل هذه «المؤسسة» يحظى بامتيازات خطيرة، لعبت دورها على مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولم ينس المرينيون أن تأمين طرق الحج يدخل في إطار سياستهم الرامية إلى تعظيم الشرفاء وإكرامهم، وبلغت مظاهر هذا التقدير أقصاها من قبل السلطة بإقدام السلطان أبي عنان على تقبيل أياديهم

امتيازات مقابل الولاء

لا ينبغي أن يفهم من كل هذا سذاجة السلطة، فهي بقدر ما كانت تقدر الشرفاء، وتغدق عليهم الأموال كاستثمار السياسي، فإنها لم تكن لتترك الأمور تتطور إلى ما يخالف مصالحها. لذلك، يلاحظ أن سلاطين بني مرين لم يكونوا يتورعون أحيانا عن الإساءة لبعض الشرفاء حينما يتطلب الأمر ذلك، ومن هؤلاء السلاطين أبو عنان الذي قام باعتقال الشريف محمد بن أحمد الحسني التلمساني لعدة شهور.

هكذا يظهر أن الشرفاء اضطلعوا بدور مهم بجانب المخزن، الذي وزن بشكل جيد حظوتهم الاجتماعية، وقدرتهم على تحريك الجماعات والتأثير على مواقفها، مما خول لهم الحصول على موارد مالية مهمة كانت تقتطع من بيت المال، شكلت مصدر ثراء لبعضهم.

فمما لا مراء فيه ، أن الأسر الشريفة حظيت من قبل المخزن بامتيازات مادية عينية ونقدية واسعة شهرية وسنوية، غالبا ما كانت تمنح لهم بمناسبة عيد المولد، واقطاعات ممنوحة على شكل هبات وأعطيات تتوارث بواسطة الظهائر، وكان بعضها معفي من الضرائب، طالما أن إمكانيات الدولة تسمح بذلك، واستفادتها منهم قائمة. الشيء الذي نشط وشجع، فيما يبدو، على هجرة الشرفاء من الحجاز إلى المغرب.

كما عملت السلطة على تحمل أعباء ديونهم، والسعي في إطلاق سراح أسراهم، فقد افتك السلطان أبو سعيد الشرفاء السبتيين من يد المسيحيين في 20 محرم 720هـ / 13 مارس 1320 م بـ 7000 دينار ذهبية. وبذلك يكون الشرفاء قد أحسنوا استغلال الظروف لصالحهم، فجنوا ما أرادوا من تمام النعمة. ونظرا للامتيازات التي حظي بها الأشراف، عملوا على ضبط عملية الانتساب إلى الشرف بطريقة تمنع كل فرد غير قادر على إثبات نسبه إلى آل البيت من الانتماء إلى هذه الطائفة.

وللسبب نفسه الذي دفع الشرفاء إلى ضبط أنسابهم، عمدت السلطة على عهدي أبي الربيع سنة 709هـ / 1310م، وأبي الحسن عام 731 هـ / 1331 م، بعد أن كثر أدعياء الشرف للحصول على مكانة اجتماعية مرموقة، وما يتبعها من امتيازات مادية ورمزية أثقلت كاهل ميزانية بيت المال، إلى إجراء عملية إحصاء الشرفاء، وتمييز «الحقيقيين» منهم عن غيرهم، وإن لم يشمل هذا الإحصاء جميع فروعهم، ومنهم الشرفاء السعديون في درعة، لأسباب تسكت عنها المصادر، لكن يبدو أنها مرتبطة بعدم استخلاص السلطة لأي استفادة منهم.

قصارى القول إن الشرفاء عامة والجوطيين والصقليين خاصة، احتلوا موقعا اجتماعيا متميزا، ظهر عبر أغلب العلاقات التي جمعت السلطة بالمجتمع. وإذا كانت سياسة السلطة تجاههم إيجابية في عمومها إلى حدود عهد السلطان أبي العباس أحمد مع استثناء عهدي أبي سالم إلى حد ما، وأبي فارس عبد العزيز خاصة إزاء الفرع الجوطي بدليل ما روج له بعض الإخباريين، على عهد السلطان الأخير، من طعن في نسب إدريس بن إدريس ونسبته إلى مولاه راشد، الذي قد يكون تم بإيعاز من هذا السلطان، ومن الراجح أيضا أن تكون السلطة نفسها دفعت بإثارة السؤال حول أحقية الشرف من قبل الأم نتيجة كثرة المنتحلين للشرف بغية اكتساب الجاه والمال؛ فقد أفتى أحد الفقهاء الفاسيين الذين عاصروا هذه الحقبة، بعدم جواز الشرف من قبل الأم، متمسكا حسب رأيه بالإجماع على أن نسب الولد «لأبيه لا لأمه».

ثورة الشرفاء .. الشرفاء في مواجهة السلطة

لتبيان أن السلطة المرينية إنما كانت تقرب الشرفاء، وتغدق عليهم ما دامت تستفيد منهم سياسيا، فإن سياستها تجاههم عرفت تحولا شبه جذري تجاههم على عهد السلطان أبي سعيد الثالث ( 823-800 هـ / 1420-1398م)، يكمن أهمها في تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في المغرب بفعل عوامل داخلية وخارجية، أدت إلى تقلص الجبايات وتراجع عائدات «نمط المرور».

أما أبرز تجليات هذا التحول، فتمثلت في إلغاء أبي سعيد الثالث للاحتفال -الرمز- المتمثل في عيد المولد النبوي، ووضع حد لامتيازات الشرفاء بعد أن أصبحت السلطة لا تفكر في الزعامة ولا في الخلافة وهي التي كانت تعاني من ضائقة مالية خانقة.

ووجد هذا الوضع صدى له في النوازل وفي بعض كتابات الشرفاء الداعية إلى رد الاعتبار إليهم، ومنها كتاب «بهجة الناظرين» للأزموري الذي يعد بمثابة خطاب استعطاف، ووسيلة للتأثير على السلطة التي كان يعاصرها قصد الإبقاء على ما كانت تخصصه للشرفاء الأمغاريين. ولما كان الأزموري واعيا بالأزمة التي كانت تتخبط فيها السلطة المرينية، عزف على نغمة شرعية السلطة، وأن دوامها رهين، من وجهة نظره، باعتراف أولي الأمر بمكانة الشرفاء وعلى رأسهم آل أمغار، وإحلالهم المكانة المناسبة التي خولت لهم في الماضي.

وعبر الأزموري على ذلك بوضوح، عندما كتب مستندا إلى قول بعض العلماء في حق السلطان، أنه

«إذا لم يأخذ بتجديد تلك الظهائر والعمل بها والزيادة على مقتضياتها، فضلا على تقدير ما وجد فيها، فذلك أسرع لهدم مملكته وتمزقه».

وبعبارة أخرى، فإن «بهجة الناظرين» رسالة رافضة للتهميش الذي طال أل أمغاريين بعد وفاة أبي عنان وعهد أبي سعيد الثالث. ومن المؤلفين، الذين دافعوا عن الشرفاء، ابن السكاك صاحب «نصح ملوك الإسلام» الذي ألفه على عهد أبي سعيد عثمان الثالث بتاريخ 1 رمضان 814 هـ / 13 ديسمبر 1414م بطلب من أحد الشرفاء. ونهج فيه نفس أسلوب الأزموري، حيث ربط بدوره بين دوام السلطة وبين الاعتناء بالشرفاء، فمن كان من السلاطين

«مشفقا على ملكه محبا فيه مريدا لطول مدته وتمهيد بلاده (…) وبقاء الملك في عقبه من بعده عظم الشرفاء، واعتني بهم، وأفرط في إكرامهم، ورفعهم عن سائر الناس، ونزلهم المنزلة التي يستحقونها، والرتبة التي عين االله لهم ورسوله»

يمكن اعتبار مؤلف ابن السكاك بمثابة احتجاج على السياسة المجحفة للسلطان المذكور تجاه الشرفاء، وكرد فعل عن تراجع السلطة عن خطة التقارب مع الأشراف، وتنبيهها إلى خطورة ما اقترفته في حق آل البيت من إهمال بأسلوب طبع بالمبالغة والتهويل المقصود اعتبارا للخلفيات التي انطلق منها، شأنه في ذلك شأن أقلام أخرى وظفت للدفاع عنهم عامة والأدارسة منهم خاصة.

واستغل في دفاعه عن الأشراف موقع الصوفية في نفوس الناس، والإشادة ببعض المواقف أو الشهادات التي كانت لهؤلاء في حق الشرفاء. وطبعا لم يكن بإمكان الأشراف الفاقدين لعصبية قوية عصرئذ، سوى القيام بمثل هذه الدعوات المسالمة للدفاع عن امتيازاتهم المهددة.

غير أن كل هذه الاقتراحات والدعوات لم تغير في واقع الأمر من شيء، ولم تعد مكانة الشرفاء لدى السلطة إلى سالف عهدها إلا مع «اكتشاف» قبر إدريس الثاني عام 841 هـ / 1437م بمسجد الشرفاء في فاس على يد أبي الحسن علي محمد بن عمران، مما زكي من جديد مكانة الشرفاء، لاسيما أن هذا «الاكتشاف» وما صاحبه من تأسيس زاوية الشرفاء بفاس، سمح للسلطة بالتخفيف من نفوذ الصوفية بالبوادي، وبعض الفقهاء المعارضين.

لكن سياسة السلطة تجاه الأشراف ما لبثت أن أصبحت مجحفة من جديد على عهد أخر سلاطين بني مرين عبد الحق بن أبي سعيد، حيث طالهم ما طال باقي أفراد المجتمع من جبابات «ظالمة». ثم تلقي الشرفاء، الذين كانوا يعيشون من عائدات تجارتهم، ضربة موجعة من جراء منافسة التجار اليهود الذين أعلنوا إسلامهم (البلديون)، وسيطروا على قيسارية المدينة، القلب التجاري النابض فيها، التي شيدت من طرف إدريس الثاني بالقرب من مسجد الشرفاء ودار القيطون سكني الشرفاء العمرانيين.

كل هذا دفع بالعلاقات بين السلطة والشرفاء نحو التوتر.

وجاء حادث الاعتداء على المرأة الشريفة من طرف أحد اليهود، الذين أعلنوا إسلامهم خلال هذه المرحلة التاريخية ليفيض ما بالكأس، وليؤشر عن ثورة المجتمع الفاسي بقيادة الشريف محمد بن عمران الجوطي (مزوار الشرفاء) عام 869هـ/1465م، لما كان للشرفاء من حظوة في هذه المدينة، انتهت بالقضاء على الحكم المريني في فاس وباقي المناطق التي ظلت تحت حكمهم إلى ذلك التاريخ.

ورفض الشريف المذكور التنازل عن السلطة بعد مطالبة الوطاسيين بذلك، رغم ما حمله طلبهم من امتيازات له متعللا بأنه من ذرية المختار عليه السلام صاحب الأرض والبلاد. وما قوله هذا إلا دليل على مسألة الصراع على السلطة منذ العهود الأولى للإسلام، ومدى أحقية ذوي الأصول الشريفة لها دون غيرهم.

غير أن حكم الشرفاء في فاس والنواحي لم يعمر طويلا، إذ تمكن الوطاسيون عام 875 هـ/1471م من انتزاع الحكم منهم. ودخل الحكام الجدد في صراع مع الشرفاء سواء داخل فاس أو خارجها. ففي فاس، وبمجرد ما تولوا زمام الحكم، قاموا بنفي بيت الجوطي إلى تونس بدعوى دوره في ثورة عام 869هـ 1467م. ولم يعر أحمد الوطاسي احتجاج الشرفاء التجار المتضررين امن سيطرة البلديين على القيسارية، والمطالبين بطردهم منها أدنى اعتبار، مستندا إلى رأي الفقهاء الذين أفتوا بأن الأصل الشريف لا يمكن أن يكون سببا في التمييز الشرعي بين المسلمين، وأن طرد البلديين لا يمكن أن ينفذ إلا إذا ظهرت الحجة على تدليسهم.

وعلى عهد أبي حسون الوطاسي، تم القبض على القائد محمد بن راشد الإدريسي من بيت له صيته داخل المدينة، فحركت غيرة النسب أحد الشرفاء الذي ذهب يشفع فيه عند السلطان، فلم تلق شفاعته استجابة السلطة. كما دخل الوطاسيون في مشاحنات مع شرفاء جبل العلم الذين ينحدرون بدورهم من إدريس الثاني، بعد أن أعلن هؤلاء الأخيرون استقلالهم في شفشاون، ودعمهم للسعديين ضد الوطاسيين.

إذا كان المرينيون سعوا إلى الاستثمار السياسي في الشرفاء الجوطيون منهم خاصة، وعمل الوطاسيون إلى الفعل ذاته، فنجحوا فيه قبل وصولهم إلى السلطة، وفشلوا فيه بعد ذلك. فإن السعديين، وهم شرفاء، لم يكونوا في حاجة إلى نسج علاقة مع نظرائهم الجوطيين، فلم تجمع بينهما، حين دخولهم إلى مدينة فاس، أية شراكة.

لقد كان لتجربة المرينيين مع الشرفاء أثر بعدي كبير في تاريخ المغرب، بدأ بوصول الشرفاء الجوطيين إلى السلطة في فاس سنة 869 هـ/1465 م، ومهد هذا الوصول بدوره لاضطلاع شعبة من الشرفاء بدعم من الصوفية بدور أساس في نقل الحكم من العنصر الأمازيغي إلى العنصر العربي، فكانت التجربة السعدية تلاها حكم العلويين الذي ما زال مستمرا إلى اليوم.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق