أعلام وشخصياتالتراثالحكايات الشعبية

قصة خربوشة .. حكاية الشيخة والقائد عيسى بن عمر

في أواخر القرن 19م، انتفض أولاد زيد ضد القايد عيسى. وفي خضم تلك الأحداث، ظهر صوت نسوي يحمس رجال القبيلة ضد القايد. غير أن نهاية خربوشة أو "حويدة" لم تكن أقل مأساوية من نهايات أبناء القبيلة.

اقرأ في هذا المقال
  • خربوشة أم حويدة
  • السياق التاريخي لانتفاضة قبيلة خربوشة
  • خربوشة ضد جبروت القائد عيسى بن عمر
  • انتفاضة أولاد زيد
  • السلطان يساند القائد عيسى بن عمر
  • النهاية البئيسة لـ الشيخة خربوشة

كثير من الملامح والبطولات الشعبية، تتخذ صورا يتناقلها الخيال المغربي مع مرور الزمن، ليحولها إلى أسطورة، قد لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وتأتي في مقدمتها ملامح وبطولات البادية المغربية، التي اختزنتها الذاكرة الشعبية، وتناقلتها عبر الأجيال لتصبح فيما بعد جزءا من «رمزيتها التاريخية». وخير مثال قصة خربوشة والقايد عيسى بن عمر

وقد تناولت الذاكرة الشعبية تلك البطولات بالخيال والمبالغة وأخرجتها من مجال التاريخ والحقيقة إلى نطاق الخيال والأسطورة. ورغم ما قد تحمله هذه الأسطورة من صور المبالغة والحوادث الخيالية المصطنعة، فإنها مع مرور الزمن تدخل في ذاكرتها، وتصبح بمثابة الملهم الذي تستلهم منه باقي البطولات. وأسطورة «خربوشة»، التي احتفظت بها الذاكرة الشعبية، تحيل على ذلك.

خربوشة أم حويدة

اتخذت «خربوشة» أشكالا ومظاهر أسطورية داخل مجال الزمان والمكان، والجدير بالملاحظة أن رمزيتها ارتبطت بعنصرين أساسين هما:

  • أولا جدارة المرأة المغربية والموقع الأساسي والريادي الذي كانت تحلته داخل مجال المجتمع القروي.
  • ثانيا دور الكلام «الملحون والموزون» بأشكاله المختلفة بما فيه الشكل الفني الغنائي «كالعيطة والملحون» وقدرته على تعبئة الأفراد لمناهضة كل أنواع التسلط والقهر الذي كانت تمارسة السلطات المتحكمة والحاكمة.

وهو غالبا ما يكون تعبيرا شفويا غير مكتوب وغير مدون، وقد انمحى أو تلاشي الكثير من صور هذه البطولات أو الملاحم، والتي لم نعد نعرف عنها شيئا إلا بالرجوع لما تختزنه المصادر التاريخية من وثائق وسجلات، أو ما تختزنه الذاكرة الشعبية الجماعية.

وما تناقلته الذاكرة الشعبية عن خربوشة يدفع إلى البحث عن الحقيقة التاريخية للفصل بين الجانب الحقيقي والتاريخي، من جهة، والجانب الخيالي – الأسطوري، من جهة أخرى.

من المحتمل أن يكون الأصل في « خربوشة» يعود إلى ما عرفته بلاد عبدة أواخر القرن التاسع عشر من أحداث، تجلت، بصفة خاصة، في قيام فخذة من قبيلة عبدة بمناهضة قائدها المشهور بـ «السي عيسى». وإذا ما سلمنا بهذا الاحتمال، سيكون من الضروري الرجوع بهذه الملحمة البطولية إلى أصولها التاريخية، اعتمادا على مصادر التاريخ، وفي نفس الوقت ما تبقى من ذلك في الذاكرة الشعبية.

لم نعثر في المصادر التاريخية المعروفة، عن شخصية مؤثرة خلال هذه المرحلة تحمل اسم خربوشة ، ولذلك يحق التساؤل كيف أمكن للذاكرة الجماعية أن تبقى محافظة على الاسم؟

نفترض في هذه الحالة وجود بعض الاحتمالات منها: إن خربوشة Kharboucha ليست إسما تعريفيا حقيقيا بل ربما هو اسم مستعار انتحلته صاحبته خوفا من ملاحقتها ومطاردتها، لما كانت في حالة اختفاء. وبالطبع لم يكن أحد يعرف اسمها الحقيقي، لذلك غاب اسم التعريف واستبدل باسم نعت للحالة الوصفية التي تفيد وجود خربشات كانت ظاهرة واضحة، قد تميز المظهر العام لهذه الشخصية.

مما يدفع إلى ترجيح هذا الاحتمال، هو التعبيرات الصادرة عن هذه المغنية الشهيرة أو الشيخة بلسان الدارج، والتي تعكس، في معظم تعبيراتها، جانبا من الأحداث والمعاناة التي عاشتها بادية عبدة تحت سطوة القايد السي عيسى بن عمر أواخر القرن التاسع عشر.

وإذا عدنا إلى مصادر تاريخ هذه المرحلة، نجد أن الاسم الذي اشتهرت به هذه الشخصية هو اسم حويدة، وهو أصلا تصغير الاسم حادة من قبيلة البحاترة من عبدة. ويستنتج من ذلك أن الأصل في خربوشة هو الشيخة حادة الزيدية شاعرة قبيلة أولاد زيد، وأن حكايتها ومآسيها المدوية في العيطات المعروفة عنها أو المنسوبة لها، قد انتقلت مع مرور الزمان، وانتحلت صفة أسطورية لتتحول إلى عدة خربوشات.

لقد شبت حويدة وترعرعت في كنف قبيلتها، وكانت حافظة للقرأن ومتدينة، وتشبعت بعشقها للغناء والفن السائد داخل قبيلتها، وكانت بمثابة شاعرة ومغنية حماسية، تعبئ وتستنهض همم قبيلتها؟ لحظة انفجار الصراع والتمرد ضد تعسفات القايد عيسى بن عمر العبدي.

امرأة ضد جبروت القائد عيسى بن عمر

خلدت الشيخة حويدة تراثا فنيا رائعا، ما تزال الذاكرة العبدية تحتفظ به كملحمة درامية لقبيلة عبدة، يعرف تحت اسم العيطة الحصباوية.

يدخل هد التراث الفني فيما اصطلح على تسميته عيطة. وما تبقى في مخزون الذاكرة الجماعية العبدية، من هذه الملحمة الدرامية التي خلدتها الشيخة خربوشة رغم ندرته، يشكل وثيقة تاريخية لها دلالة عميقة في مجرى الصراع السياسي والاجتماعي، الذي كانت تخوضة البادية، ضد استبداد وتسلط ممثلى السلطة المخزنية.

فالشيخة حويدة “خربوشة”، من هذا المنظور، ليست مجرد شيخة، تؤدي أغنية فقط، بل هي رمز للمرأة البدوية المناضلة، التي كانت لا تتردد في رفع صوتها عاليا، معلنة عن رفضها وتمردها باسم قبيلتها، لكل أنواع الهيمنة والاستعباد والقهر، صارخة في وجه قايدها، الجبروت بقولها:

«أنا عبد لعبدة، وللسي عيسى لا»

وبذلك تعتبر عيوط الشيخة حويدة بمثابة وثيقة تاريخية، تسجل أحداثا بتطوراتها وانكساراتها ومعاناتها.

أغنية الشيخة خربوشة تدم فيه قائد قبائل عبدة عيسى بن عمر: غناء الفنانة سكينة فحصي

ومع الأسف، فإن مخزون الذاكرة من هذا التراث الفني للشيخة حويدة، كان ضئيلا جدا، والبعض منه محرفا أو منتحلا، وهو شيء طبيعي ما دامت العيطة كلاما شفويا غير مكتوب. وهذا ما جعل أحمد بن محمد الصبيحي، الذي كان ناظرا لأحباس آسفي منذ سنة 1920، وهو من القلائل الذين نقبوا في مخزون الذاكرة العبدية، ودون ذلك داخل مخطوط سماه «عيسى بن عمر وفضائحه». وكان من الأوائل الذين سجلوا ما احتفظت به الذاكرة العبدية من بقايا كلام وغناء خربوشة، فلم يعثر إلا على النزر القليل.

السياق التاريخي لانتفاضة قبيلة خربوشة

تعود أحداث انتفاضة قبيلة حويدة إلى السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، وبالضبط بعد وفاة السلطان مولاي الحسن وتولية ابنه مولاي عبد العزيز، حيث قامت القبائل الحوزية، وبالأخص قبيلة الرحامنة، وامتنعت عن مبايعته لصغر سنه، واستبداد الوزير الوصي أحمد بن موسي (با حماد) بأمره.

وتجسد قيام هذه القبائل في انتفاضتها ضد كل ممثلي المخزن المركزي من ولاة وعمال نظرا «لما كانوا يسامون من الضيم فهدموا الكثير من دور القواد، وقضوا من محوها أتم المراد»، كما أورد الصبيحي.

إلا أن قبيلة البحاترة من إيالة القايد عيسى بن عمر العبدي بقيت بمنجاة من هذا «الفساد والإفساد»، رغم أن قائدها كان غائبا عنها بفاس لتقديم البيعة وفروض الطاعة والولاء للسلطان الجديد. وكان يتوقع، عند عودته، أن يقع بأهله وداره ما وقع لغيره، لكن فرحته كانت شديدة عندما وجد قبيلته سالمة وأحوال إيالته هادئة

«فأظهر لقبيلته كل انعطاف، وجزي كبراءها عن حسن استماتتهم خيرا… وسرح المساجين وألان الكلمة، وخفض الجناح…»

لكنه مع ذلك أخذ الحيطة والحذر، وبدأ يعيد ترتيب أوضاع قيادته، فقلص من نفوذ فخذة أولاد زيد نظرا لما كانوا يتمتعون به من مؤهلات طبيعية وبشرية، كانت تجعل منهم المنافس القوي لمكانته، ولأنهم كذلك، كانوا يتأففون من قيادته وغير راغبين في الولاية عليهم، بل كانوا يحطون من قدره وقيمته، وكان يقابل ذلك منهم بالليونة والتعقل، إلى أن تمكن من إبعادهم وتهميش نفوذهم. فقرب إليه إخوانه من فخذة الثمرة، وأعطاهم مسؤوليات وصلاحيات داخل القبيلة، تمادوا في استعمالها حتى أصبح القول الشعبي يردد:

« مائة جمرة ولا حر الثمرة»

وجعل من قبيلتي دكالة وأحمر قوة احتياطية وأمدهما بالخيل والسلاح، بينما جرد فخذة أولاد زيد من الخيل والسلاح لإضعاف شوكتهم.

كان القايد يسعى من وراء هذه الإجراءات إلى استعباد فخذة أولاد زيد. فاجتمع أعيانها ووجهاؤها بزعامة الشيخ الحاج محمد بن ملوك، وأعلنوا رفضهم لإجراءات القايد، بل رفعوا رسالة إلى مولاي عبد العزيز، بواسطة عامل آسفي حمزة بنهيمة في يونيو 1895، يطلبون فيها عزل القائد عيسى بن عمر وتولية غيره عليهم.

ثورة أولاد زيد

كانت تلك الرسالة بداية الإعلان الرسمي عن انتفاضة أولاد زيد ضد القايد عيسى بن عمر، وهي الانتفاضة التي عاشتها وتفاعلت معها الشيخة حادة الزيدية ” خربوشة “ لمدة تزيد عن نصف سنة، كانت كلها صراع وعنف، وهي التي خلدت ملحمتها الدرامية من خلال ما صاغته من كلمات.

اتخذ أولاد زيد مكانا محصنا بموقع يقال له «حصن كاسين» ومنه بدؤوا ينظمون الغارات على ممتلكات أعوان القايد، الذي لم يكن في استطاعته أول الأمر أن يغامر بمواجهتهم، فأرسل إليهم من يتوسط في الصلح والهدنة معهم، لكن أولاد زيد رفضوا الصلح وصعدوا من حملاتهم، فجهز القايد حملة تتكون من إخوانه «الثمريين» وأعوانه من دكالة، وقصد أولاد زيد في مكان تحصينهم، ودارت بينهم مقاتلة عنيفة انتهت بسحق أولاد زيد وتدمير حصنهم وهدمه بالفؤوس، وفر زعيم الانتفاضة الشيخ محمد بن ملوك وبعض أعوانه إلى آسفي، واحتموا هناك بضريح الشيخ أبي محمد صالح، فبعث له القايد من يؤمنه وعاهده بالضريح.

لكن فلول أولاد زيد، اجتمعوا من جديد، وقرروا مواصلة الانتفاضة، لكنهم كانوا في حاجة إلى السلاح والعتاد، فوفدوا على عامل أسفي بنهيمة، وأهدوه ثورا. وطلبوا منه السماح لهم في شراء السلاح من آسفي، فلم يأذن لهم بذلك، ومع ذلك قرروا متابعة انتفاضتهم، فتعددت المواجهات بينهم وبين القائد في موقعة «فليفل» ثم موقعه «المكادم»، ثم انتقلت المواجهة إلى ضواحي أسفي، فاختنقت المدينة بسبب ذلك، واحتمى أولاد زيد برباط آسفي، وكان ذلك سببا في قطع معاش أهل المدينة، فقاموا بمضايقة أولاد زيد، وطردوهم من المدينة، فتمكن منهم القايد في موقعة «الضريضرات»، مقر إقامة بن ملوك، وهزمهم شر هزيمة، وقتل منهم الكثير من الرؤساء وتخاذل بعضهم.

وحاول عامل أسفي التوسط من أجل الصلح، فاستدعي لذلك بعض أعيان قبائل عبدة وقبيلة أحمر، واجتمعوا بضريح الولي الصالح أبي محمد صالح، واتفقوا على صيغة للصلح، لكن هذا الصلح لم يدم إلا شهرا واحدا، تمكن خلاله أولاد زيد من استرجاع أنفاسهم، وضمان تزويدهم بالعتاد والذخيرة لاستئناف الانتفاضة، فقام فيهم زعيم آخر هو الحاج عبد القادر البوديني، وانتقد صيغة الصلح، واعتبر ذلك بمثابة تخاذل وتراجع عن موقف مبدئي هو رفض قيادة عيسى بن عمر عليهم. فقام في ثمانية من عشيرته، وحرض من جديد على مواصلة الانتفاضة.

في خضم هذه الأحداث بانكساراتها ومعاناتها، ظهرت خربوشة أو حادة الزيدية في صورة شاعرة ومغنية لقبيلة أولاد زيد، فكانت تنظم كلاما مغني بطريقة فنية كانت معروفة وسط قبائل عبدة باسم «العيطة العبدية»، وهي ليست نمطا غنائيا أو موسيقيا جديدا، بل هي تدخل في الأشكال العادية للتعبير، تكون حسب المناسبات اليومية أو الموسمية والحديثة العارضة، التي تعيشها بعض المجموعات القبلية داخل عبدة أو دكالة أو الشاوية.

لذلك، يعتبر بعض المهتمين بفن العيطة أن هذا النوع من الفن الشعبي ازدهر في القرن التاسع عشر داخل بعض القبائل، وكانت الشيخة حويدة من روادها الأوائل، التي وظفت الكلمة والتعابير الفنية للعيطة، كوسيلة للصراع في مواجهة تعسفات القايد عيسى، وهذا ما أكده الصبيحي في مخطوطته إذ قال

« إن حويدة كانت مع زعماء أولاد زيد، وأن دورها كان أساسيا في صمود ومقاومة أولاد زيد للقائد عيسى بن عمر، حيث كانت تحرضهم وتحثهم على مواصلة المقاومة، وتثير فيهم الحمية بتعبيراتها الفنية، المسماة العيطة الحصباوية»

وبفعل ذلك، كانت تمدهم بشحنة قوية لمتابعة الانتفاضة. ومن قولها المحفوظة :

نوضا نوضا حتي لبوكشور  
نوضا نوضا لباب السي قدور

السلطان يساند القائد عيسى بن عمر

كانت حويدة تردد كلماتها على شكل عيطة تتغنى بها وسط أفراد فخدة أولاد زيد، ثم تنتقل بسرعة من مكان إلى آخر فيرددها الناس فرادى وجماعات، وهذا ما أعطى نفسا ودعما لانتفاضة أولاد زيد، واستعادوا سندهم المادي والمعنوي.

كانت الشيخة حادة الزيدية “خربوشة” تنادى بأعلى صوتها لتثير حماسة المحاربين من شباب قبيلتها، وكانت بذلك تفجر في أعماق المحاربين الشجاعة والبطولة، التي كانت تتغنى بها القبائل لتخلد البطولات والأمجاد فتقول :

أعيسى بن عمر أقتال أخوتو
أعيسى بن عمر وكال الجيفة

ثم تزيد فتقول :

دار السى عيسى كالو خلات 
راها مقابلة للمعاشات

اتخذت الانتفاضة مظهرها العنيف، وأقيمت الكمائن وحوصرت آسفي، فتدخل المخزن المركزي لوضع حد للانتفاضة. كتب السلطان إلى عامل آسفي، وأوعز إليه بتثقيف دور أولاد زيد بالمدينة. فقام العامل بتثقيفها وإحراق بعضها لوضع حد لوجودهم داخل المدينة وإبعادهم عنها.

كما كتب لأمناء مرسي الجديدة، بتاريخ 19 ربيع الأول 1313هـ، يأمرهم بتوجيه السلاح والعتاد إلى القايد ليتمكن من سحق انتفاضة أولاد زيد. وكتب إلى عامل دكالة للتدخل من أجل مساندة القايد. ووقع تنسيق بين كل هذه الأطراف لتطويق الانتفاضة ووضع حد لها ومحاصرتها من كل جانب: العامل من داخل المدينة والقايد من خارجها، بعد المحاصرة والتطويق التجأ أولاد زيد إلى مقبرة رباط آسفي، وأقاموا هناك لبضع ساعات ثم التجؤوا إلى حرم الشيخ أبي محمد صالح، بعد أن اشتد الأمر عليهم.

ولم يتمكن عامل آسفي من إخراجهم من حرم الشيخ إلا بحيلة فاقترح عليهم التفاوض من أجل الصلح في مكان بعيد عن حرم الشيخ، واقترح عليهم الالتقاء بمخزن لأحد الإسبان في مدينة آسفي يدعي خورخي. ولما حضر أولاد زيد إلى مكان التفاوض، ثم القبض عليهم والفتك بهم، وكان ذلك سببا في وقوع انزعاج واضطراب عام داخل المخزن وخارجه، مما أدى إلى فرار الناس وازدحامهم على الباب، فمات منهم خلق كبير. وقع ذلك عشية يوم 15 جمادى الأول عام 1313هـ، واحتفظت الذاكرة العبدية بأحداث هذا اليوم تحت اسم «عام الرفسة».

وتابع القائد الفارين من أولاد زيد، واعتقل منهم زهاء 800 رجل من بينهم الحاج محمد بن ملوك، وقد أمعن القايد بالفتك والتنكيل بهم، يقول الصبيحي في هذا الصدد :

« إثر الواقعة الشنعاء تفرق زعماء أولاد زيد… وهرب كل من ظن نفسه اشتباها فمنهم من ذهب إلى سوس ومنهم من تعلق برؤوس الجبال، ومنهم من خرج من المغرب أصلا. وصار يتفنن في قتل كل من وجده، والتنكيل به وتعذيبه حتى ملأ من جثث القتلى بئرا في جوار سجن داره، كانت نحو الثلاثين مترا وسواه بالتراب.

النهاية البئيسة لـ الشيخة خربوشة

لما كانت الغلبة لعيسى بن عمر، تفرقوا شدرا مدرا، ولم يكن أمام الشيخة خربوشة من خيار سوى مغادرة قبيلتها والتوجه نحو وجهة أخرى، بعيدة عن مراقبة القايد، واختارت كملاذ لها قبائل ولد سعيد بالشاوية ناحية سطات، ونقلت معها إلى هناك التفاصيل الدقيقة لهذه «الملحمة» التي كانت تردد مقاطع من فصول عيوطها أمام أولاد سعيد، وتفضح كل أشكال العنف والتنكيل والقتل التي تعرضت له قبيلتها، وربما هي القائلة لهذه الأبيات :

اللي ما عزاني في كبيدتي نعرفو يكرهني 
تعال تعال، نكول ليك أدآك الغادي
شكون سبابي حتى خرجت بلادي
راعي الخاوا، كلشي يفوت وتبقى العداوة أقايدي

وإذا كان القايد قد تمكن من القضاء المادي على أولاد زيد، وعلى كل الرؤوس التي كانت تتزعم هذه الانتفاضة، فإنه لم يتمكن من القضاء على أصدائها وشرارتها من الناحية المعنوية، طالما أن الشيخة خربوشة مازالت تنطق بعمق معاناتها، وهي تردد مقاطع من أغانيها وتقول :

أسيدي أمي تعيط علي 
لحباب ما سخاو بي
خليت لعزارة في حالة
وحيدة راه ضلالة

فلم يتردد القايد في ملاحقتها، والبحث عن مكان اختفائها، فأرسل إليها جماعة من أتباعه تمكنوا من الظفر بها واقتيادها مكبلة مقهورة بين أيدي القايد عيسى بن عمر، الذي أمر بسجنها في الحين وتعذيبها. وطوال مدة الاعتقال والتعذيب داخل معتقلات رهيبة، هي عبارة عن دهاليز مغلقة مغطاة بسقف نصف دائري، ضيقة ومظلمة. كان القايد يتفنن في طرق تعذيبها، ومن ذلك كما أشار الصبيحي، في مخطوطة، أنه كان يأمر خربوشة بامتطاء ناقة، وترديد نفس العيطة التي كانت تغنيها لأولاد زيد.

ولعل طريقة التعذيب وإلحاح القايد على أن تردد نفس «العيطة»، التي كانت تغنيها لأولاد زيد، يبينان رغبته في أن يقلل من أهمية وقع الكلام الذي كان يقال في حقه، وأن هَذا الكلام الذي كان يقال بصوت عال وحماسي، يتحول في وقت التعذيب إلى صوت مبحوح ومقهور، قد يثير أحيانا الشفقة.

لذلك، لا نستغرب من إشارة الصبيحي الذي يقول بأنه بحث ونقب كثيرا عن الكلمات التي كانت ترددها حويدة، لكنه لم يعثر إلا على النزر القليل منه، مما يدل على أن القايد عيسى قد تمكن بسطوته وجبروته من أن يستأصل الكثير من عيوط الشيخة، بعدما أمر بقتلها، وإسكات صوتها نهائيا.

على عكس الصبيحي، الذي يشير إلى ثبات خربوشة في سجنها، يشير إبراهيم كريدية إلى أنها استرحمت القائد عيسى بن عمر دون جدوى، لينتهي بها المطاف قتيلة. ثم يؤكد أن الرواية الشعبية ذهبت مذهبا آخر في تناول نهاية الشيخة خربوشة، فتذكر أنها ما تركت باب يمكن منه الولوج إلى قلب القايد إلى طرقته، طلبا لصفحه ورحمته. فمرة استعطفته بواحدة من أعز بناته، قائلة:

آ السعدية طلبي بوك علي
إلى اوتيت يسامح لي
واخا قتلني واخا خلاني
ما ندوز بلادي راني زيدية.
على كلمة خرجت لبلاد 
واخرجت لحكام 
لا سلامة ليك آليام

ومرة بابنيه، أحمد وإدريس:

هذا وعدي وانا نصرفو حتى يعفو سيدي
ها هو يا سيدي أحمد، ها هو ياحرش لعيون
ها هو يا سيدي إدريس، ها هو يا ذهب لكويس
ها هو يا سيدي أحمد لهوى يا ذاك الشريف

مرة ثالثة استرحمته بأولياء الله الصالحين:

نسالك بالمعاشي سيدي سعيد مول الزيتونة
والرتناني سيدي احسين جا بين الويدان
والغليمي سيدي أحمد العطفة يا ابن عباد
والقدميري سيدي عمر مولى حمرية
والتجاني سيدي احمد مول الوظيفة.

كيف قتلت خربوشة ؟

مرة أخرى تتعدد الروايات في طرق تصفية أو قتل وموت خربوشة . فأحمد بن محمد الصبيحي اكتفي بالإشارة إلى أن القايد عيسى بن عمر أمر بقتلها، دون أن يفصل في الطريقة أو الشكل، في حين ذهبت بعض الروايات الشعبية إلى أن القائد أمر بإشعال النار حول الغرفة التي كان يعتقلها فيها، أي حكم عليها بالإعدام حرقا!

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق