الفن

الشيخة فنانة أم عاهرة.. لماذا تحتقر الشيخات؟

تدل الشيخة على الغناء وخصوصا العيطة حتى تكاد تختزل فيها. لا غرابة في أن يختزل فن في من يجسده غناء ورقصا ولحنا، سواء كان شيخة امرأة أو شيخا رجلا. بيد أن الغرابة في موضوع الشيخات تكمن في اختزالهن في صورة قدحية ترتبط بمهنة أخرى هي البغاء. من اختزال لأخر تكون النتيجة خلطا تاما بين عالمين مختلفين. عالم الفن الشعبي الموسوم بالعيطة، وعالم مهنة البغاء المؤطر بحكم أخلاقي صارم.

هكذا تصبح صورة الشيخة الفنانة ملتبسة، بل ومقترنة بصورة الباغية ودالة عليها، في خلط متسرع وقاس، لكنه منتشر في أوساط كثيرة تسود فيها هذه الصورة النمطية. فهل لهذا الخلط أصل في الواقع ؟ وكيف نشأ وتطور حتى صار العنوان البارز لصورة الشيخة في قطاعات واسعة من المجتمع المغربي ؟

يحرص حسن نجمي، إذ يتعرض لهذا الموضوع في أطروحته حول “غناء العيطة”، على التمييز بين مستويين، مستوى التعريف الفني والجمالي للشيخة ومستوى تعريفها استنادا على محددات أخلاقية:

“إن تعريف الشيخات بمحددات غير فنية انحراف منهجي واضح، لأنه يخرج بالتعريف عن الممارسة الفنية والجمالية إلى المحدد الأخلاقي، وهو حكم قيمة وليس مرتكزا من مرتكزات التحديد والتعريف. كما أنه يجمع جميع الشيخات تحت طائلة نفس الحكم المجحف دون اعتبار لسيرورة الزمن (كيف كانت الشيخات في الماضي وكيف أصبحن!) أو لأوضاعهن الاجتماعية المتعددة والمتنوعة والمتمايزة، أو لأجيالهن، أو لأنواع الأداء، أو للحالات الفردية، أو لغير ذلك”

الشيخة ونظام الأجر

يمكن إذن اقتفاء أثر هذه الصورة النمطية في سيرورة الزمن، إذ يظهر أن مكانة الشيخات سارت من حال لآخر. في مرحلة معينة كانت الشيخات “محط تكريم على العموم، وذوات نفوذ رمزي على مستوى القبيلة، وعلى مستوى مراكز السلطة المحلية (القايدية)، وأحيانا على مستوى السلطة المركزية”، كما يذكر حسن نجمي. كذلك كان شأنهن في أوساط اجتماعية خارج مجال البادية، كما يظهر من بعض الإحالات التي يوردها نفس المصدر، حول استضافة الشيخات في حفلات الأسر بفاس.

يبدو أن أبرز تحول في هذه السيرورة، التي غيرت صورة الشيخات، يتمثل في بداية انتظامهن في نظام الأجر ابتداء من القرن التاسع عشر، كما يوضح ذلك حسن نجمي.

قبل هذه الفترة لم يكن شائعا أن تتلقى الشيخة أو الشيخ أجرا مقابل ما ينتجنه من أداء فني، فأصبحت تتحول تدريجيا من تعبير تلقائي لا يعرف له أصل في الغالب، إلى مهنة فنية. إذا كان بروز الشيوخ في نطاق نظام الأجر هذا تحولا طبيعيا في مجتمع ذكوري، فإنه لم يكن كذلك بالنسبة للشيخات. لعل الطريقة التي نظمت بها هذه المهنة، في فترة الحماية، أكبر دليل على ذلك.

ففي سياق تنظيم سلطات الحماية للمهن، عمد الباشا التهامي الكلاوي في مراكش إلى جمع الشيخات وممتهنات البغاء في موقع واحد كان هو ماخور عرصة الحوتة. كان لهذه المبادرة دور أساسي في الخلط الذي حصل بين الشيخات وممتهنات البغاء.

يحيل حسن نجمي، في هذا الصدد، على محمد بوحميد، وهو رائد البحث في مجال العيطة. حيث يحمل بوحميد “الأجهزة البسيكولوجية للاستعمار” جانبا من المسؤولية عما طال صورة الشيخات من تشويه. في مؤلفه حول “غناء العيطة”، فيقول:

“إن مجموعة من الفرق الغنائية وقعت في كثير من الأخطاء، وهي أخطاء موروثة عن فترة تاريخية لعبت فيها المكاتب البسيكولوجية الاستعمارية دورا، من حيث تحريف العديد من عناصر هذه الفرق”

ثمة فعلا نساء من بعض الفرق، كما يشير بوحميد، تحولن نحو مهنة الدعارة، كما يمكن أن يحصل بالنسبة لنساء أخريات قادمات من مهن أخرى، بيد أن اختزال هاته في تلك يبدو أوضح وأكثر شيوعا بالنسبة للشيخات. يبدو أن هذا الاختزال بلغ حدودا مؤلمة بالنسبة للعديد من الشيخات، ليس أقلها أن يتعرضن لتحرشات وهن بصدد أداء أغانيهن، كما يظهر من خلال مجموعة من الشهادات التي تضمنها ملف خاص حول الشيخات كانت نشرته مجلة “نيشان”.

وهي الشهادات التي حرصن فيها على التمييز بين مهنة الشيخات والمهنة التي سمعتها مقترنة بهن،

“لا أنفي وجود العاهرات في هذا الميدان لكنهن لسن فنانات، يمارسن الدعارة باسم تشياخت لا غير. سبق أن طردنا من مجموعتنا بعضا ممن لمسنا فيهن خرجان الطريق، فنحن لا نقبل الميوعة”

كما نقلت أسبوعية «نيشان» المتوقفة عن الصدور عن الشيخة حفيظة عضوة مجموعة أولاد بنعكيدة. أو كما نقلت عن الشيخة عايدة قولها:

“كان للشيخة العز إذا التقيت بها فكما التقيت بالقايد، ومن كثرة الاحترام كان القايد بنفسه كيتسخر علينا ويحطنا مع وليداتو، كان الحيا والعرض، ورئيس الفرقة يركز على العصا والتخنشيش والحكام في معاملته مع الشيخات صونا لكرامتهن وحرصا على سمعتهن”.

“المرأة عورة ”

لا يقلل نجمي من أهمية تأثير التحولات التي عرفتها أوساط الشيخات في هذه الفترة، بيد أنه لا يعتقد أنها كانت العامل الأساسي في تدهور صورة الشيخات، على سبيل المثال يذكر أن سلطات الحماية، في الدار البيضاء، وضعت الشيخات في درب البلدية بعيدا عن الحي المخصص للبغاء، خلافا لما حصل في مراكش. بالنسبة إليه ينبغي البحث عن أصل هذه الصورة السيئة في أعماق الموروث الثقافي التقليدي حول المرأة، عموما.

” لقد ضاع تاريخ الغناء والمغنيات بالمغرب بسبب نظرة تقليدية، اختلط فيها ما هو تأويل ديني قابل للنقاش، مع ما هو أخلاقي تطهري كان يجد في الواقع الملموس من يبرره، مع ما هو اجتماعي سطحي استبدادي أحيانا”.

في نطاق هذه النظرة، لم تكن الممارسة الفنية للشيخة إلا ذلك “الانتهاك الصريح للنظام الأخلاقي الذي يقره الدين ويحافظ عليه”، على حد تعبير الباحث، خاصة وأن ظهور الشيخة في فضاء الفرجة الذي تخلقه العيطة يكون حضورا “ملتبسا، نظرا لما يرتبط بذلك من إيحاءات جنسية، وقليلا ما يتم الانتباه إلى قدرتها الفنية وهي الفنانة الشعبية المتمكنة من رصيدها، والقادرة على التحكم في مسار إيقاعي يعسرتناوله على كبار الموسيقيين، والقادرة كذلك على انتقاء برنامج لكل مناسبة ومقام”، كما يشرح أحمد عيدون الباحث المتخصص في الموسيقى.

حول هذه الإيحاءات الجنسية يتمحور جانب آخر من جوانب النظرة الاختزالية للشيخات. عندما ترقص الشيخة، ويظهر في رقصها إيحاء جنسي، فإنها إنما تؤكد للمتلقي تلك الصورة النمطية السيئة والمسيئة التي يحملها عنها. في حين “إن الشيخة الحقيقية النموذجية مهنيا وفنيا، في المجتمع الذي يمجد الرغبة ويكبحها” (في إحالة على مؤلف عبد الوهاب بوحديبية : الجنسانية في الإسلام)، تتسامى بالمحرم، تلعب به وتحوله إلى فرجة ولحظات استيهام، وهي لا تضع في اعتبارها، ولا ضمن رهاناتها، خرق أو مجابهة هذا المحرم.

إنها تهيئ شرط التلذذ الإيروسي لكنها لا تحققه جنسيا، أي أنها تخلق حالة العطش بدون أن تكون معنية بتحقيق “الارتواء”، كما يوضح نجمي بصدد دلالات الرقص والجسد في فضاء الفرجة الخاص بالعيطة.

ليس هذا الاختزال التام للفنانات في صورة “أدوات جنسية” حكرا على الشيخات، فكثيرا ما تظهر تعبيراته في حق فنانات أخريات بعيدات عن ميدان العيطة، لمجرد أنهن نساء يفهم من رقصهن أو لباسهن، أو تمثيلهن في السينما، إيحاء جنسي، ما يؤكد استمرار ثقافة قمعية على استعداد تلقائي لإدانة أي مظهر فني يدل على تحرر المرأة من إطار معين، سواء تعلق الأمر بالشيخات في الأمس القريب، أو غيرهن من الفنانات المعاصرات.

ماذا عن احتقار النخبة؟

يناقش حسن نجمي، في أطروحته حول غناء العيطة، مستوى آخر من مستويات الصورة السلبية التي تشكلت حول الشيخات وفن العيطة الشعبي عموما. يتعلق الأمر بالنظرة المركزية التي تختزل الثقافة المغربية العالمة في النموذج الأندلسي التقليدي، والتي لم تكن سوى مكون واحد من مكونات الثقافة المغربية غير المكتملة ولا النهائية. وفقا لهذا المنظور أهملت التعبيرات الثقافية الشعبية الأخرى، خاصة البعيدة عن المراكز الحضرية، مثل غناء العيطة.

كان هذا التصور الأحادي والمركزي موضع مساءلة من طرف باحثين ونقاد من طينة عبد الكبير الخطيبي. في حين اختار عبد الله العروي أن يسائل الثقافة الشعبية «الفلكلورية» من منظور آخر مختلف. بالنسبة إليه، تطرح مسألة التعبير الفني في نطاق وضعية التأخر التاريخي التي تميز المغرب، والفضاء الثقافي العربي الإسلامي، بإزاء الغرب. يقتضي تدارك هذا التأخر بلوغ ذلك الأفق الذي تستطيع فيه الثقافة المغربية مجاراة الإبداع الكوني، وهو ما لا يمكن أن يتحقق بواسطة الفلكلور. فكل عمل فلكلوري، في رأي العروي،

«أكان موسيقيا أو تشكيليا أو أدبيا، إنما يرث عن المجتمع الذي يظهر فيه صفة التخلف! بل يمكن القول إنه يستمد منها ما يلصق به من قيمة».

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق