التاريخ العالمي

العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.. من الثنائية القطبية إلى القطبية الواحدة

كان الهدف الأول للحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية هو القضاء على الأنظمة الفاشية التي تسببت سياستها التوسعية في اندلاع الحرب العالمية الثانية، والعمل في نفس الوقت على وضع قواعد جديدة لإرساء السلم العالمي. وبعد الحرب، اتضح أن الصراع المشترك ضد الفاشية أخفى التناقض الأساسي بين الحلفاء من حيث الايديولوجية والأهداف. وأدى هذا التناقض إلى انقسام العالم بعد الحرب إلى معسكرين متناحرين هما : المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي إطار هذا الوضع الجديد، تميزت العلاقات الدولية بالتدبدب بين التوتر والانفراج، وجهود عدد كبير من الدول الحديثة الاستقلال في البقاء بعيدا عن المعسكرین وفي العمل على إحداث توازن دولي جديد.

محاولات إرساء السلم

لم يكن التحالف الذي قام خلال الحرب بين الاتحاد السوفياتي من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة ثانية تحالفا طبيعيا، بقدر ما كان تحالفا ظرفيا أملته ضرورة الصراع ضد عدو مشترك هو ألمانيا وحليفاتها من دول المحور. فأصبح لزاما على الأطراف المتحالفة عقد سلسلة من اللقاءات من أجل تنسيق جهودها الحربية في سبيل الانتصار، ومن أجل الاتفاق حول تصور الخريطة السياسية لعالم ما بعد الحرب.

عقد الحلفاء عدة مؤتمرات للاتفاق على الخريطة السياسية لعالم ما بعد الحرب

في هذا الإطار، كان الاعلان عن الميثاق الاطلنتي الموقع بين روزفیلت وتشرشل في 14 غشت 1941 بمثابة تصريح بالأهداف الأمريكية والبريطانية من الحرب؛ حيث أكد الميثاق على أن البلدين لا يرغبان في أي توسع ترابي، وأن غرضهما الأساسي هو تقويض النظام النازي. وتعهدا بالاعتراف بحق الشعوب في اختيار شكل الحكم الذي ترغب فيه، وأكدا طموحهما إلى سلام يكفل الأمن والتعاون الاقتصادي بين الدول.

وقد وافق الاتحاد السوفييتي فيما بعد على مضمون الميثاق. غير أن الميثاق لم يتعرض للقضايا التي كانت تشغل الاتحاد السوفياتي آنذاك وفي مقدمتها مطالبه العسكرية في فتح جبهة ثانية أمام القوات النازية في غرب أوربا، ومطالبه الترابية في دول البلطيق وبولونيا وبيصاربيا. وهذا ما استدعی عقد سلسلة من اللقاءات وأهمها:

مؤتمر طهران

انعقد في دجنبر 1963 بعد انتصار السوفيات في معركة ستالينغراد، وحضره رؤساء الدول الثلاث وهم روزفیلت وتشرشل وستالين. وقد أسفر عن تعهد الولايات المتحدة وبريطانيا بفتح جبهة جديدة ضد الألمان بأروبا الغربية في خريف 1944. كما حصل الاتفاق حول الخطوط العامة لمصير أوربا الوسطى والشرقية؛ بحيث أصبح بإمكان الاتحاد السوفياتي تحقيق مطالبه الترابية في دول البلطيق ورومانيا وبولونيا، وعوضت بولونيا بتوسيع حدودها نحو الغرب إلى نهري أودر ونایس.

مؤتمر يالطا

انعقد في فبراير 1945 عندما أصبح استسلام ألمانيا وشیكا. وأسفر عن الاتفاق حول تقسيم المانيا إلى أربع مناطق نفوذ بعد إلحاح بريطانيا والولايات المتحدة على جعل فرنسا دولة قوية وذات نفوذ. كما أثيرت مسألة الهيئة الدولية الجديدة التي ستعوض عصبة الأمم، واتفق على توزيع مقاعدها، والتزم الاتحاد السوفياتي بفتح جبهة عسكرية أمام اليابان شرقا بعد استسلام ألمانيا، شريطة استرداد الأراضي التي خسرها سنة 1906، وهي جنوب سخالين وأرخبيل کوریل بالاضافة إلى الإشراف على الخطوط الحديدية في منشوريا. أما بولونيا، فقد وقع الاتفاق حول حدودها الجديدة، لكن الخلاف ظل قائما حول حكومتها المرتقبة بعد أن أصبحت تحت المراقبة العسكرية للاتحاد السوفياتي.

مؤتمر بوتسدام

انعقد خلال شهري يوليوز وغشت 1945 بعد استسلام ألمانيا، وحضره كل من ستالين وترومان وتشرشل الذي عوضه في القسم الثاني من المؤتمر خلفه في رئاسة وزراء بريطانيا وهو كليمنت أتلي Clement Attlee وقد تركز النقاش أساسا حول معاهدات السلام مع الدول التي حاربت بجانب ألمانيا، والتي أحيلت دراستها وتهيئها للجنة مكونة من وزراء الشؤون الخارجية. ونوقش مصير المناطق التي أصبحت تحت نفوذ الاتحاد السوفياتي، لكن وجهات النظر حول هذا الموضوع كانت مختلفة، حيث رفض الاتحاد السوفياتي اشتراك حليفتيه في مراقبة الانتخابات المزمع إجراؤها في بولونيا ورومانيا وبلغاريا، ورفضت الولايات المتحدة وبريطانيا في المقابل الاعتراف بالحدود الغربية لبولونيا.

ومنذ ذلك الحين، بدأت شقة الخلاف تتسع بين الحلفاء، فقد فشلوا خلال مؤتمر السلم المنعقد بباريس سنة 1945 في الوصول إلى تسوية للمشكل الألماني، واكتفوا بالاتفاق على عقد معاهدات ثنائية مع كل من إيطاليا وهنغاريا ورومانيا وفنلندا. ورفض الاتحاد السوفياتي التوقيع مع الولايات المتحدة وبريطانيا وممثل الصين على معاهدة السلم مع اليابان سنة 1951 بحجة عدم اعترافه بإحدى الدول الموقعة وهي الحكومة الوطنية الصينية لـ فورموزا (تايوان). وبهذا، فإن التسوية التي تمت بعد الحرب ظلت تسوية الأمر الواقع، بمعنى أن الأوضاع الجديدة في أوربا الوسطى وآسيا الشرقية لم تكتسب الصبغة القانونية، وإنما أصبحت مرتبطة أساسا بعلاقات القوى الجديدة التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية.

وإذا كان الحلفاء لم يتوصلوا خلال المؤتمرات السابقة إلى حل متفق عليه لكل المشاكل بما يحقق السلم نهائيا، فإنهم توصلوا على الأقل إلى الاتفاق على ضرورة حل المشاكل والنزاعات بالطرق السلمية وتجنب الحرب المدمرة، وقرروا إنشاء منظمة دولية لهذا الغرض.

تأسيس هيئة الأمم المتحدة للحفاظ على السلم العالمي وتطوير التعاون الدولي

لم ينتظر الحلفاء نهاية الحرب من أجل تحديد المبادئ الضرورية للحفاظ على السلم. فقد أكد میثاق الأطلنتي على ضرورة احترام حق الشعوب في اختيار الحكومات، وحرية البحار، والتنديد باستعمال القوة لحل النزاعات الدولية. ونضجت فكرة تأسيس هيئة الأمم المتحدة من خلال سلسلة من المؤتمرات ومن بينها : مؤتمر واشنطن سنة 1942، ومؤتمر دومبارتن أوكس Dumbarton Oaks الذي انعقد في شتنبر 1944، ومؤتمر يالطا. وتأسست الهيئة الدولية نهائيا أثناء مؤتمر سان فرانسيسكو، حيث وقع «ميثاق الأمم المتحدة» في 26 يونيو 1945.

ويتضمن الميثاق دیباجة و 111 مادة. وقد لخصت المادة الأولى مقاصد هيئة الأمم المتحدة فيما يلي:

  1. حفظ السلم والأمن الدولي وتحقيقا لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها ولمنع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتدرع بالوسائل وفقا لمبادئ العدل والقانون الدولي لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو تسويتها.
  2. إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي في التسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، واتخاذ التدابير الملائمة لتعزيز السلم العام.
  3. تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والانسانية، وعلى تعزيز احترام حقوق الانسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك إطلاقا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء.
  4. جعل هذه الهيئة مرجعا لتنسيق أعمال الأمم وتوجيهها نحو إدراك هذه الغايات المشترك.

ولتحقيق هذه الأهداف، انتظمت الهيئة في مجموعة من الأجهزة المتنوعة والمتكاملة الاختصاصات وأهمها:

الجمعية العامة

تتألف من مندوبي كل الدول الأعضاء، وتعقد اجتماعها العادي مرة كل سنة. وهي مختصة بمناقشة كل القضايا التي تدخل في اختصاص هيئة الأمم المتحدة، وتقدم حولها توصيات بعد التصويت عليها بأغلبية الثلثين، كما تقوم بانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن، وأعضاء محكمة العدل الدولية، والسكرتير العام للمنظمة. غير أن سلطتها في اتخاذ القرار محدودة، وتخضع في الغالب لمصادقة مجلس الأمن.

مجلس الأمن

هو الذي يتحكم في السلطة الحقيقية للمنظمة بمقتضى المادة 12 من الميثاق، ويتكون من 11 عضوا (15 حاليا) من خمسة أعضاء دائمون وهم مندوبو الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا والصين الوطنية (خلفتها فيما بعد الصين الشعبية)، بينما يتم انتخاب الستة الأخرين لمدة سنتين من طرف الجمعية العامة مع مراعاة التوزيع الجغرافي.

ويتكلف مجلس الأمن بوضع توصيات الجمعية العامة موضع التنفيذ. وفي هذا الإطار، يقوم بتسهيل تسوية الخلافات بين الدول بالطرق السلمية كالمفاوضات والتوفيق والتحكيم. وفي حالة فشل الطرق السلمية، وعندما يحدث ما يهدد السلم العالمي، فإنه يستطيع إقرار تدابير وقائية مباشرة مثل المقاطعة وإرسال قوات الطواريء الدولية إلى مناطق الاصطدام. غير أن إجماع الأعضاء الدائمين ضروري لتطبيق قرارات وتوصيات الجمعية العامة، حيث إن استعمال أحدهم لحق الاعتراض أو الفيتو كاف لشل قرارات المنظمة.

ونظرا لكثرة مهام المجلس، فإن جلساته محددة مبدئيا مرتين في الشهر، ويمكن أن يجتمع في الحالات الضرورية.

الأمانة العامة

تضم عددا كبيرا من الموظفين المكلفين بتصريف الشؤون الإدارية والمالية للمنظمة. ويترأسهم «الأمين العام للأمم المتحدة» الذي ينتخب لمدة 5 سنوات من طرف الجمعية العامة وبمصادقة مجلس الأمن.

وتتوفر المنظمة بالاضافة إلى ذلك، على عدد من الأجهزة المتخصصة في المساعدات الدولية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، كما يتبع لها المكتب الدولي للشغل الموجود مقره في جنيف، ومحكمة العدل الدولية بلاهاي.

ويتضح من تنظيم هيئة الأمم المتحدة أن تنفيذ القرارات التي يمكن الاتفاق عليها من طرف الدول الأعضاء، يخضع لمدى تلاؤمها مع مصالح ورغبات الدول الخمس الكبرى صاحبة حق الفيتو. وهذا ما دفع البعض إلى تسمية المنظمة «بديريكتوار أو مجلس إدارة الدول الكبرى».

ويستخلص كذلك من المؤتمرات التي عقدها الحلفاء أثناء الحرب وبعدها، اختلاف وجهات النظر والأهداف بين الاتحاد السوفياتي من جهة والولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا من جهة ثانية، وهو الذي ترك الكثير من المشاكل بدون حل متفق عليه، وتسبب بالتالي في خلق التوتر في العلاقات بين المعسكرین.

انقسام العالم إلى كتلتين وعودة التوتر

يرجع انقسام العالم إلى الخلاف الايديولوجي الذي تولدت عنه خلافات سياسية وقطيعة اقتصادية

بمجرد ما لاحت بوادر انتصار الحلفاء، عادت الخلافات المتمكنة بين الاتحاد السوفياتي ذي النظام الاشتراكي وبين حلفائه الليبراليين إلى الظهور. وقد تركزت حول تخطيط الحدود وشكل أنظمة الحكم في أوربا، وبالتالي حول توزيع مناطق النفوذ بين إيديولوجيتين متعارضتين وهما : الاشتراكية التي يتزعمها الاتحاد السوفياتي والرأسمالية التي تتزعمها الولايات المتحدة.

الخلاف الأيديولوجي

فبالنسبة للاتحاد السوفياتي والدول التي اعتمدت «نظام الديمقراطية الشعبية» (سواء بفعل تحريرها من طرف السوفيات، أو بالاعتماد على نفسها كما حدث في يوغوسلافيا والصين) ترى أن تطورها ينتقل من نظام الديمقراطية الشعبية الذي يستمر فيه الصراع الطبقي تحت قيادة البروليتاريا، إلى «المرحلة الاشتراكية» التي يختفي فيها الصراع الطبقي مع استمرار وجود الطبقات. وينتهي التطور إلى «النظام الشيوعي» الذي يتميز باختفاء الطبقات، وبالرخاء الذي يسمح بتطبيق مبدأ «لكل بحسب حاجاته».

لكن هذا التطور يجري في نظر الماركسية اللينينية، في عالم معاد؛ حيث إن العالم الشرقي محاط من جميع جهاته بالبلدان الرأسمالية التي تسيطر فيها «البورجوازية». ولهذا يجب العمل بجميع الوسائل على مساعدة الأحزاب الشيوعية على تولي الحكم حتى يمكن فك الحصار. ومن هنا فإن معاداة المعسكر الاشتراكي للمعسكر الغربي الليبرالي متجذرة.

أما المعسكر الغربي الليبرالي، فإنه يرى أن الحتمية التاريخية التي يقصدها الشيوعيون تدوس إحدى القيم الرئيسية للإنسانية وهي الحرية الفردية. وذلك لأن «ديكتاتورية البروليتاريا» تقوم على الحزب الوحيد، وتفرض إيديولوجيته، وتسيطر على وسائل الإعلام مع توجيهها لمصلحته. بينما يعتبر الليبراليون على العكس من ذلك، أن الحرية مقدسة، ويجب ضمانها دستوريا من خلال تعدد الأحزاب، وقاعدة الانتخابات العامة والسرية وإقرار الحريات العامة. ومن هنا يتضح التنافس الايديولوجي الأساسي بين المعسكرين الشرقي والغربي، والذي ترجع إليه الخلافات السياسية.

الخلافات السياسية

تعددت نقط الخلاف بين المعسكرين فيما يخص المشاكل المتخلفة عن الحرب. ولعل أهم هذه النقط هو ألمانيا. فبعد استسلام ألمانيا في 8 ماي 1945، لم يتوصل الحلفاء إلى الاتفاق حول مستقبلها؛ بحيث ظلت مقسمة إلى أربع مناطق نفوذ سوفياتية وأمريكية وبريطانية وفرنسية. ونفس الأمر بالنسبة لبرلين التي توجد في منطقة النفوذ السوفياتية.

وقد عقدت عدة مؤتمرات بين الأربعة الكبار في كل من باريس ولندن ونيويورك وموسكو، تجلى فيها تباعد وجهات النظر بين الاتحاد السوفياتي الذي يرفض الوحدة الاقتصادية للمناطق الألمانية ويعتبرها محاباة للنازية، وبين الحلفاء الثلاثة الأخرين الذين يؤكدون على ضرورة إعادة توحيد ألمانيا وتنظيم انتخابات حرة لتحديد مستقبلها، كما يرفضون الاعتراف بخط أودر – نایس کحدود بين بولونيا والمنطقة الألمانية الخاضعة للنفوذ السوفياتي.

ومن أوجه الخلاف كذلك، قيام الاتحاد السوفياتي بمساعدة الأحزاب الشيوعية في البلدان التي اكتسحها خلال رد الهجوم النازي على تولى الحكم، وتم ذلك في بلغاريا ورومانيا وألبانيا وبولونيا سنة 1944 و 1945، وفي هنغاريا سنة 1947، وتشيكوسلوفاكيا سنة 1948. وقد أثار هذا المد الشيوعي السريع قلق المعسكر الغربي، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

وهكذا فإن الخلاف بين المعسكرين انطلق من أوربا، حيث تحاول كل من القوتين العملاقتين مڈ نفوذها على حساب الأخرى.

«أعتقد أن السياسة الأمريكية، ينبغي أن تساعد الشعوب الحرة التي ترفض الخضوع للأقليات المسلحة أو الضغوط الخارجية … أعتقد أن مساندتنا يجب أن تتمثل على الخصوص في المساعدة المالية الاقتصادية، اللازمة لضمان الاستقرار الاقتصادي والسياسي .. إن بذور الكليانية تتغذى بالبؤس والفقر».

مترجم عن خطاب الرئيس ترومان أمام الكونغرس في 12 مارس 1947

وكان رد الفعل الأمريكي على «المد الشيوعي» في أوربا والعالم، ظهور «مذهب ترومان» أو ما يسمى «سياسة محاصرة الشيوعية». وتدخل في هذا الإطار المساعدة الأمريكية لقمع الحركة العسكرية للشيوعيين اليونان، والمساعدة المالية الضخمة التي قدمت لأوربا الغربية من خلال مخطط مارشال لسنة 1947. وبرفض دول الكتلة الشرقية الاستفادة من مشروع مارشال، بدأت القطيعة الاقتصادية بين المعسكرین، وتأكدت بتأسيس كل منهما لمنظمات اقتصادية تخصها.

عرفت العلاقات بين المعسكرین توترا خطيرا سمي بالحرب الباردة

تمتد فترة الحرب الباردة بين 1947 و 1954. وهي الفترة التي وصلت فيها الخلافات بين المعسكرين إلى أوجها؛ حيث اصطدمت مصالحها في عدة مناطق أوربية وغير أوربية في محاولات بسط النفوذ، وتحول المعسكران إلى كتلتين ترتبط كل منهما بمجموعة من الأحلاف العسكرية، واشتد تسابقهما نحو التسلح بحجة تحقيق التوازن.

فقد رد الاتحاد السوفياتي على «مذهب ترومان» بتأسیس الكومنفورم Kominform في شتنبر 1947، وهو مكتب إعلامي للأحزاب الشيوعية يتمثل دوره في الحفاظ على التضامن الكامل للأحزاب الشيوعية الوطنية، وظهر مايسمى «بـ مذهب اجدانوف» Andreï Jdanov ممثل الاتحاد السوفياتي الذي صرح بالمناسبة بما يلي:

بقدر ما نبتعد عن نهاية الحرب، يظهر بوضوح أكثر الاتجاهان الرئيسيان للسياسة الدولية .. والمتمثلان في انقسام القوات السياسية إلى معسكرين : الإمبريالي المعادي للديمقراطية، والمعسكر الديمقراطي المناهض للامبريالية .. وتتحتم مهمة خاصة على الأحزاب الشيوعية الشقيقة في فرنسا وايطاليا وانجلترا والبلدان الأخرى. يتحتم عليهم أن يمسكوا بين أيديهم علم الدفاع الوطني والسيادة في بلدانهم.

اندريه اليكساندروفيتش جدانوف

وتجلى التوتر بين المعسكرين في عدة أزمات من بينها :

حصار برلين Berlin Blockade

بعد فشل الحلفاء الأربعة في الاتفاق حول توحيد ألمانيا، اجتمع وزراء خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في لندن، وقرروا في يونيو 1948 تأسیس «جمهورية ألمانيا الاتحادية» في المناطق الخاضعة لنفوذهم. فكان رد فعل الاتحاد السوفياتي محاصرة برلين الغربية التي تضم مناطق نفوذ للدول الغربية الثلاثة، كمظهر لاعتراضه على توحيد ألمانيا الغربية ولإجبار الغربيين على مغادرة برلين. وقد دام الحصار إلى غاية 12 ماي 1949، حيث اضطر الغربيون إلى تنظيم جسر جوي لتموين مناطق نفوذهم. وتبع ذلك إنشاء «جمهورية ألمانيا الديمقراطية» في القطاع السوفياتي بتاريخ 10 شتنبر 1949.

الأزمة اليونانية “الحرب الأهلية”

عرفت اليونان مقاومة عنيفة للقوات الايطالية والالمانية خلال الحرب، وكانت أشهرها تلك التي قادتها «جبهة التحرير الوطني» ذات الميول الشيوعية. وبعد طرد قوى الاحتلال، انتقلت البلاد إلى الاحتلال البريطاني سنة 1944، وظهر فيها الخلاف بين الموالين للنظام الملكي السابق وبين الشيوعيين. وقد جرى استفتاء في مارس 1946 تحت إشراف بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا دون الاتحاد السوفياتي، وانتهى لصالح الملكيين. فدخلت البلاد منذئد في حرب أهلية، استطاع فيها الشيوعيون المساندون من طرف الاتحاد السوفياتي السيطرة على نصف التراب اليوناني. لكن التدخل الأمريكي سنة 1947، مكّن الملكيين من القضاء على الشيوعيين سنة 1949.

الحرب الكورية

بلغت الحرب الباردة أوجها خلال الحرب الكورية بين 1950 و 1953. فبعد جلاء القوات اليابانية، قسمت شبه جزيرة كوريا إلى قسمين، اعتمد خط العرض °38 فاصلا بينهما. فتحولت منطقة النفوذ السوفياتي في الشمال إلى «ديمقراطية شعبية»، وأقام الأمريكيون في منطقة نفوذهم بالجنوب حكما مناهضا للشيوعية.

وفي 25 يونيو 1950 هاجمت الجيوش الشمالية كوريا الجنوبية، فقرر مجلس الأمن في غياب السوفيات، إرسال قوات دولية معظمها أمريكية لرد الهجوم. لكن تجاوز القوات الأمريكية لخط °38، أثار تدخل قوات متطوعة صينية قوامها 800.000 جندي أجبرت القوات الأمريكية على التراجع إلى ما وراء خط التقسيم. وقد أثار التدخل الصيني فكرة القصف النووي للصين، لكن الأمريكيين فضلوا المفاوضات لحل المشكل. وانتهت المفاوضات بتوقيع وقف إطلاق النار بتاريخ 27 يوليوز 1953.

الأحلاف العسكرية

وتمخضت الحرب الباردة عن عقد سلسلة الأحلاف العسكرية من طرف كلا العملاقين : فقد عقدت الولايات المتحدة في شتنبر 1951 حلف الأنزوس A.N.Z.U.S مع استراليا ونيوزيلندا، و «منظمة حلف جنوب شرق آسيا» (O.T.A.S.E) في شتنبر 1954، وبضم أعضاء الأنزوس بالاضافة إلى فرنسا وبريطانيا والباكستان، و «حلف بغداد» مع العراق وتركيا ثم ایران وباكستان وبريطانيا في فبراير 1955، وهو الذي تحول إلى «منظمة الحلف المركزي» (C.E.N.T.O) بعد انسحاب العراق سنة 1959. وهذا بالاضافة إلى «حلف شمال الأطلنتي» (NATO) المنعقد مع عشر دول أوربية في أبريل 1949، والذي انضمت إليه فيما بعد اليونان وتركيا سنة 1952 وألمانيا الغربية سنة 1955

أما الاتحاد السوفياتي، فارتبط بأحلاف ثنائية مع كل الديمقراطيات الشعبية الأوربية بين 1947 و 1948. وعلى إثر انضمام ألمانيا الغربية إلى الحلف الأطلنتي، أسس «حلف وارسو» WARSO سنة 1955 وضم إليه ألمانيا الشرقية.

ورافق الحرب الباردة تجدد التسابق نحو التسلح بشكل لم يسبق له مثيل، وذلك لأن التطور التكنولوجي مكّن الانسان من الوصول إلى إمكانية التدمير الشامل عن طريق القنابل النووية. وبعد أن كانت الولايات المتحدة هي الوحيدة التي تملك القنبلة النووية، استطاع الاتحاد السوفياتي تفجير أول قنبلة في هذا المجال في 29 غشت 1949. وظهرت أنواع جديدة من القنابل أكثر قوة وتدميرا كالقنبلة الهيدروجينية. ثم توصل الطرفان إلى اختراع الصواريخ العابرة للقارات والحاملة للرؤوس النووية.

وأصبح بإمكان كل من القوتين تدمير الأخرى بصفة سريعة وتامة، ولكنها في نفس الوقت لاتستطيع تجنب تدمير الأخرى لها. وبهذا عرفت العلاقات الدولية ظاهرة جديدة، وهي أن دافع التسلح المتمثل في شن الحرب، اختفى ليحل محله دافع التوازن. ولم يعد بإمكان العمل العسكري أن يدعم العمل السياسي كما كان الشأن من قبل، لأن الدعم يعني تلقائيا الانتحار الجماعي. وهذا ما يطلق عليه «توازن الرعب» بين العملاقين.

وهكذا أصبح العالم يعيش شبح حرب عالمية ثالثة من جراء التوتر الشديد للعلاقات بين الكتلتين. وقد حدثت عدة أزمات أخرى كادت تفجر الحرب بين العملاقين، وتميزت بالمواجهة غير المباشرة بينهما في إطار حروب محلية في عدة مناطق من المعمور. ولكنهما كلما تبين خطر تطور الحرب المحلية إلى صراع مباشر بين الكتلتين، كانا يتدخلان لإيقافها بسرعة، مثلما حدث خلال العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 على إثر تأميمها لقناة السويس، وخلال الحربين العربيتين الاسرائيليتين لسنتي 1967 و 1973.

وتطورت العلاقات الدولية من جراء هذه التخوفات، نحو الانفراج بين الكتلتين، ونحو انعتاق البلدان المستعمرة التي ستتدخل في العلاقات الدولية بثقل عددها الكبير للدفاع عن السلم العالمي والعمل على تكافؤ العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية.

البحث عن توازن دولي جديد

بعد سنة 1954، دخلت العلاقات بين الكتلتين مرحلة الانفراج والتعايش السلمي. وحدث هذا التطور بفعل الظروف الجديدة التي طبعت كلا من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، والمجتمع الدولي بصفة عامة.

أصبح تنافس الكتلتين يجري في إطار مبدأ التعايش السلمي

عرف الاتحاد السوفياتي بعد وفاة ستالين في 3 مارس 1953 توجها جديدا في سياسته الداخلية والخارجية. وهو التوجه الذي أسفر عنه المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي، الذي حدد مبادئ التعايش السلمي مع الكتلة الغربية في إمكانية تجنب الحرب، وتجنب الثورات العنيفة كوسيلة لسيطرة البروليتاريا على الحكم وانتصار الاشتراكية على الرأسمالية، كما نص على تنوع سبل التطبيق الاشتراكي. وانطلاقا من هذه المبادئ، اعترف الاتحاد السوفياتي بألمانيا الغربية سنة 1955، وحل الكومنفورم سنة 1955، وطوّر علاقاته مع يوغوسلافيا. وقد أوضح خروتشوف المفهوم السوفياتي للتعايش السلمي في خطاب بالأمم المتحدة سنة 1960، بأنه يتلخص في العزم على الحل السلمي للنزاعات مع زيادة الصراع الأيديولوجي.

وسارت الولايات المتحدة في نفس الاتجاه ابتداء من فترة الرئيس دوایت ایزنهاور Dwight Eisenhower 1960-1952. فقد أخمد الحملة العنيفة ضد الشيوعية التي كان يتزعمها السيناتور «ماك كارثي» McCarthy، وشجع التقارب مع الاتحاد السوفياتي عندما استقبل خرتوتشوف سنة 1959. وتطور هذا الاتجاه على عهد الرئيس جون كينيدي John Kennedy، الذي لخص المفهوم الأمريكي للتعايش السلمي فيما يلي :

«إن أكبر عائق هو علاقتنا مع الاتحاد السوفياتي والصين الشيوعية. فينبغي ألا يتسرب إلينا الوهم بأن إحدى هاتين القوتين قد تخلت عن طموحها إلى السيطرة على العالم. إن مسؤوليتنا على العكس من ذلك، هي إقناعهما بأن الاعتداء والتخريب ليسا الوسيلتين النافعتين لتحقيق هذا الهدف. وأن التسابق الصريح والسلمي من أجل العظمة، والأسواق والإنجازات العلمية، وحتى من أجل غزو العقل البشري – هو شيء آخر. فإذا تنافست الحرية والشيوعية لضمان ولاء الانسان في إطار سلمي فسأنظر إلى المستقبل بثقة كبرى.»

مترجم عن «رسالة حول حالة الاتحاد» جون كينيدي 1961

ومن أسباب الانفراج كذلك، ظهور دول حديثة العهد بالاستقلال ساهمت في إذكاء روح التعايش السلمي. ذلك أن هذه الدول التي عانت من التسلط الاستعماري رفضت التبعية للكتلتين، واستثمرت حيادها في التخفيف من حدة توتر العلاقات الدولية. وقد عبرت عن موقفها هذا من خلال معاهداتها الثنائية مثلما جاء في اتفاق بانش – شيلا المنعقد بين الهند والصين في أبريل 1954، والذي أكد مبادئ عدم الاعتداء المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتعايش السلمي.

كما استغلت منابر المنظمات الدولية المنضوية تحت الأمم المتحدة للدفاع عن مبادئ السلم والتعاون، وجعلت من مواقفها ومبادئها أهدافا التفت حولها في إطار مجموعة دولية جديدة هي مجموعة عدم الانحياز، وذلك انطلاقا من مؤتمر باندونغ سنة 1955.

وقد أسفرت هذه الظروف مجتمعة، عن تعدد اللقاءات بين قطبي الكتلتين من أجل حل المشاكل عن طريق التفاوض وتجنب خطر الحرب المباشرة بينهما. وهكذا شهدت سنة 1954 عدة مؤتمرات حول حرب الهند الصينية، وإنهاء حرب كوريا، وإعادة توحيد النمسا التي كانت مقسمة إلى أربع مناطق نفوذ مثل ألمانيا. وانعقد أول مؤتمر لنزع السلاح في جنيف سنة 1955. وتم لقاء كينيدي وخروتشوف في جنيف سنة 1961، وتلاه عقد اتفاقية ثقافية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة في مارس 1966. كما وقعت في غشت 1967 معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وتبعتها عدة مؤتمرات لنزع السلاح في هلسنكي.

  • لكن علاقات الكتلتين تعرضت بموازاة ذلك لكثير من الأزمات التي هزت التعايش السلمي. ومن بينها :

أزمة برلين الثانية

نشبت بين 1953 و 1961. وهي من ذيول المشكلة الألمانية، حيث لم تستطع الكتلتان التوصل إلى حل لمشكلة تقسيمها إلى مناطق النفوذ الأربع. فالاتحاد السوفياتي حاول فرض الاعتراف القانوني بجمهورية ألمانيا الديمقراطية مع إعطائها برلين التي توجد وسط ترابها الوطني، بينما رفضت الأطراف الأخرى هذا الحل. وقد سكن هذا التوتر برحلة خروتشوف إلى الولايات المتحدة سنة 1959، ثم ظهر من جديد ببناء «جدار برلين» ليلة 12 – 13 غشت 1961.

وقد كوّن الجدار حل الأمر الواقع. وانفرجت الأزمة على الخصوص على إثر تولي الاشتراكيين الديمقراطيين حكم ألمانيا الغربية بزعامة المستشار فيلي براندت سنة 1969، حيث أقر سياسة التفتح على الشرق Ostpolitik فعقد «اتفاقية عدم الاعتداء» مع الاتحاد السوفياتي، ثم مع بولونيا واعترف بخط حدود الأودرنایس.

قضية كوبا

تحولت کوبا إلى الحكم الاشتراكي بعد انتصار الثورة التي تزعمها فيديل كاسترو وذلك سنة 1959. فكانت بذلك أول بلد في أمريكا اللاتينية يتحول إلى الكتلة الشرقية. وقد ساندت الولايات المتحدة الأمريكية محاولة لقلب الحكم الجديد، عندما سَلََّحت مجموعة من اللاجئين الكوبيين لديها ونقلتهم إلى كوبا بإنزالهم في «خليج الخنازير» في أكتوبر 1961، ولكن المحاولة باءت بالفشل.

وانفجرت الأزمة الكوبية سنة 1962، عندما اكتشفت طائرات الاستطلاع الأمريكية وجود قواعد سوفياتية لإطلاق الصواريخ بالجزيرة، وعلمت الولايات المتحدة أن صواريخ أخرى في طريقها إلى كوبا بواسطة بواخر سوفياتية. فكان رد الفعل الأمريكي سريعا، حيث حاصرت کوبا، وأنذر کينيدي السوفيات بشن الحرب الشاملة على الاتحاد السوفياتي. وانتهت الأزمة بتراجع السفن السوفياتية وفك قواعد الصواريخ في كوبا.

حرب الفيتنام

انقسمت فيتنام بعد تحريرها من الاستعمار الفرنسي إلى دولتين متعارضتين يفصل بينهما خط العرض °17؛ حيث استقرت في الشمال حكومة اشتراكية وعاصمتها هانوي، واستقرت في الجنوب حكومة يمينية وعاصمتها سایغون. وساند الشماليون حركة الفييتكونغ الجنوبية ذات الأيديولوجية الاشتراكية، والتي شنت حرب عصابات للاستيلاء على الحكم.

وقد ساعدت الولايات المتحدة حكومة سایغون، ثم تدخلت قواتها مباشرة في الحرب ابتداء من سنة 1965، واستعملت أحدث الأسلحة ضد الفيتنام الشمالية ومخابيء الفييتكونغ. وانتهى التدخل الأمريكي بتوقيع اتفاقية جنيف 1973، مما سهل على الحكومة الشمالية توحيد الفيتنام.

ويظهر من هذه الأزمات وغيرها، مدی تسابق العملاقين في مجال مد النفوذ. وتضاف إليها أحداث أخرى كثيرة تبين حرص كل منهما على عدم التفريط في مناطق نفوذه، مثل تدخل القوات السوفياتية لمنع محاولة الخروج عن فلكه في هنغاريا سنة 1956 وتشيكوسلوفاكيا سنة 1968، وكذلك تدخل القوات الأمريكية لنفس الغاية في سان دومينغ سنة 1964. وقد استفادت حركات التحرير في البلدان المستعمرة من هذا التنافس لجلب التأييد المادي والمعنوي لمطالبها في الاستقلال.

حركة عدم الانحياز

تحررت عدة شعوب من الاستعمار وشكلت حركة تعمل من أجل ديمقراطية العلاقات الدولية

يعد اتساع حركة تحرر المستعمرات من أهم الظواهر التاريخية التي عرفتها العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية. فبالاضافة إلى أهمية الظاهرة نفسها، تولدت عنها حركة جديدة هي حركة عدم الانحياز، ترفض الاستقطاب الثنائي الدولي وتعمل من أجل توازن العلاقات الدولية.

فقد بدأت حركات الاستقلال الوطني منذ القرن 19م، وخاصة في أمريكا اللاتينية. واتسعت بعد الحرب العالمية الثانية حتى أصبحت من خصائص العلاقات الدولية في هذه الفترة.

ويفسر هذا التطور بتضافر عدة عوامل وعلى رأسها ظاهرة الاستعمار نفسها. فهي تعني فقدان شعب لسيادته وخضوعه لإرادة دولة أجنبية، مع ما يصاحب ذلك من استغلال اقتصادي وبؤس اجتماعي وتهميش «للأهالي» فيما يخص اتخاذ القرارات. وهذا ما جعل سكان المستعمرات ينتفضون لمحاربة الاستعمار، ويعملون للحصول على الاستقلال بشتى الوسائل العسكرية والسياسية. وقد استفادوا في ذلك من ظروف ما بعد الحرب.

فمن جهة، خرجت الدول الاستعمارية من الحرب محطمة وضعيفة، وتشبث سكان المستعمرات الذين شاركوا في هذه الحرب بمبادئ الحلفاء في الدفاع عن الحرية ومناهضة الهيمنة، فاستعملوها حجة إضافية لتدعيم مطالبتهم بالحصول على الاستقلال. ومن جهة أخرى، لاقت هذه المطالب الاستقلالية تأييد القوتين العملاقتين لأسباب مختلفة، حيث ساند السوفيات هذه المطالب انسجاما مع سياستهم المناهضة للامبريالية، واضطرت الولايات المتحدة بدورها إلى مساندة هذه المطالب في إطار تنافسها مع الاتحاد السوفياتي على النفوذ في العالم.

كما أن الدول الحديثة العهد بالاستقلال مثل الهند ومصر ويوغوسلافيا استغلت منابر الأمم المتحدة لتحريك سياسة مناهضة الاستعمار، واستصدرت من الجمعية العامة ولجنة تصفية الاستعمار الكثير من القرارات في هذا المجال. وهكذا، انتقلت الحركات الاستقلالية من حركات منعزلة تخوضها كل مستعمرة على حدة، إلى حركة جماعية متضامنة ومتعاضدة. فنجحت بذلك في تحقيق الاستقلال في دفعات متوالية، ابتدأت بالشرق الأوسط، ثم جنوب شرق آسيا ابتداء من 1947، وافريقيا الشمالية منذ 1956، وافريقيا السوداء بعد سنة 1957.

ومن أهم النتائج المترتبة عن تزايد الدول الحديثة العهد بالاستقلال أنها أخذت تعمل من أجل الاستقلال عن الكتلتين المتصارعتين في مجال السياسة الدولية. فمنذ أواخر 1954 قام الرئيس اليوغوسلافي المارشال تيتو بزيارة لكل من الهند ومصر، واتفق مع رئيسهما جواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر على إحداث «مناطق سلام» غير منحازة لأي من الكتلتين. وأسفرت الاتصالات مع بلدان أخرى عن مؤتمر البلدان الأفرو آسيوية في باندونغ بأندونيسيا في أبريل 1965.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم الدول التي حضرت المؤتمر وعددها 29 دولة، كانت مرتبطة مع المعسكر الغربي في إطار أحلاف عسكرية وبواسطة معونات اقتصادية. ولذلك لم تتضمن مقرراته إشارة صريحة إلى سياسة الحياد أو عدم الانحياز. لكن النقاش الذي ساد المؤتمر حول مفهوم الانحياز واللانحياز يجعل منه نواة سياسة عدم الانحياز؛ حيث استمرت بعده الجهود لتدعيم هذه السياسة على يد الرؤساء تيتو ونهرو وعبد الناصر، وانعقد أول مؤتمر لحركة عدم الانحياز في بلغراد سنة 1981 وتوالت مؤتمراتها بعد ذلك مع ازدياد عدد الدول الأعضاء كالآتي:

المؤتمرالسنةعدد الأعضاء
بلغراد
القاهرة
لوساكا
الجزائر
كولومبو
هافانا
نيودلهي
1961
1964
1970
1973
1976
1979
1982
25
47
54
75
87
92
103
مؤتمرات حركة عدم الانحياز

وقد اتضح منذ البداية، أن الواقع الدولي أصبح يتمثل في الاختلاف وعدم التكافؤ بين عالمين : عالم قوي سياسيا وعسكريا ويتقدم اقتصاديا ومثله المعسكران الشرقي والغربي، وعالم ضعیف ومتخلف وتمثله البلدان غير المنحازة. ولهذا ما فتئت حركة عدم الانحياز تعمل من أجل التوزان الدولي من منظور التكافؤ الاقتصادي، وخاصة بعد اتساع الحركة لحد أن أصبحت ترادف العالم الثالث.

ونظرا للظروف التي ظهرت فيها بوادر الحركة، وهي ظروف الحرب الباردة وتصاعد حركات التحرير، فقد انشغلت حركة عدم الانحياز بمعارضة سياسة التكتل الدولي ومحاولات الاستقطاب الثنائي، والدفاع عن قضايا نزع السلاح وتصفية الاستعمار وتدعيم دور الأمم المتحدة في البحث عن السلام الدولي.

« … ولئن وجدت الثروة والتقنية مجمعة في عدد ضئيل من الأقطار لأسباب تاريخية معروفة نذكر من بينها الاستعمار والامبريالية وبعض النظم الاجتماعية المتأخرة، فإن مثل هذه الحالة أصبحت مرفوضة في قانون الأخلاق ومستنكرة من طرف الضمير الدولي.

إن هذه الأقطار التي تحررت حديثا تشن حاليا غارة شعواء ضد التخلف، ولكن مهما كان الحماس النضالي لهذه الشعوب فإن النتائج المحصلة لحد الآن تظهر وياللأسف ضئيلة غير مشجعة.

فينبغي لمجلسكم الموقر أن ينكب على دراسة هذه الحالة المتعلقة والمنذرة بشر سيكون في المستقبل من أخطر أسباب التوتر الدولي. ذلك لأن هذه الحالة المؤسية تعني مليارين من البشر يشعران أنهما مسلوبان من حقهما الحيوي في الحصول على مايسدان به الرمق.

والإعانة المقدمة إلى هذه الأقطار كما نتصورها الآن هي – كما يعلم كل واحد – إعانة غير كافية، سواء كانت مقدمة في شكل ثنائي، أو بواسطة المنظمات الدولية. وقد تصبح الأقطار المتخلفة بسبب ضعفها الاقتصادي بمثابة ألعوبة طيعة بين أيدي الدول الكبرى، تلك الدول التي تسعى كل منها للحصول على أنصار سياسيين، وقواعد استراتيجية، ومصادر للمواد الخام، وأسواق للاتجار. وإن تلك الأقطار لتشعر بقوتها ووحدتها، وترفض أن تكون أدوات لتنفيذ أغراض أجنبية عنها»

من نص الخطاب الذي ألقاه الملك الحسن الثاني بمؤتمر الدول غير المنحازة بيلغراد في 3 شتنبر 1961

وقد ازدادت الهوة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، كما تبينه إحصاءات سنتي 1960 و 1970. فبين هذين العامين انخفض نصيب الدول المتخلفة من الناتج القومي العالمي، كما ازدادت الهوة بين أسعار صادرات كل من الدول المتقدمة والمتخلفة. ولهذا تعددت مجالات عمل الدول المتخلفة من أجل التكافؤ الاقتصادي مع الدول المتقدمة.

ففي سنة 1960 تأسست «منظمة الدول المصدرة للبترول» (O.P.E.P) وكونت بادرة في مجال تأميم الثروات الوطنية للدول المتخلفة ومراجعة أسعارها. وتأسست في سنة 1964 مجموعة السبعة والسبعين الممثلة للعالم الثالث عند انعقاد «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» C.N.U.C.E.D بجنيف. وعملت المجموعة الجديدة في هذا المؤتمر على وضع نظام اقتصادي دولي جديد يراعي حاجات العالم الثالث في مجهودها من أجل التنمية.

كما أنها لا تزال تحاول دفع مبادرات بعض المنظمات الاقتصادية والمالية الدولية في نفس الاتجاه، مثلما الشأن بالنسبة لـ «البنك الدولي للإنماء والتعمير» (B.I.R.D) و«صندوق النقد الدولي» (F.M.I). ولتدعيم هذه الجهود التي تبذل في إطار مؤتمرات ومنظمات اقتصادية، ارتأت بلدان العالم الثالث أن تتناول موضوع النظام الدولي الجديد في إطار سياسي هو حركة عدم الانحياز ذات الثقل السياسي المتزايد في إطار العلاقات الدولية الحالية.

يمكن لبلدان عدم الانحياز أن تصبح عاملا هاما يحفز على مواصلة توسيع التعاون الاقتصادي بين البلدان النامية بما في ذلك وبشكل خاص التعاون الصناعي والاستشارات المشتركة والتعاون الأفضل بين المؤسسات المالية … وإنني على يقين بأن البلدان النامية تستطيع إذا كانت متحدة، أن تقوم بدور أفضل في التجارة العالمية والمفاوضات النقدية … يجب على حكوماتنا أن تتشاور بالنسبة للإجراءات المحددة بهذا الصدد. وهنا فإن من الضروري بالنسبة لنا أن نتخذ قرارات سياسية مشتركة»

من خطاب الرئيس تيتو في مؤتمر عدم الانحياز بالجزائر سنة 1973

وهكذا أصبحت العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية تتبلور من خلال اتجاهين رئيسيين : فهناك من جهة تنافس الكتلتين الشرقية والغربية حول النفوذ في العالم، وهو التنافس الذي مر من مرحلة التوتر والحرب الباردة إلى مرحلة التعايش السلمي والوفاق. وهناك من جهة ثانية جهود الدول غير المنحازة والممثلة للعالم الثالث، وهي الجهود التي تسعى إلى تحقيق توازن العلاقات الدولية سياسيا واقتصاديا في إطار الحوار بين الشمال والجنوب.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق