عين على التاريخمقالات

الفلاحة في المغرب.. من العصر القديم إلى اليوم

اقرأ في هذا المقال
  • العصر القديم، خصوبة أسطورية
  • الحماية، التحديث بسرعتين
  • الاستقلال، عملية الحرث (1951 - 1962)
  • مغربة قطاع الفلاحة بالمغرب، طريق طويلة ومعقدة
  • سياسة السدود "إبداع" الحسن الثاني
  • مكننة الفلاحة في المغرب، بطيئة لكنها مؤكدة
  • الخطة الخماسية (2000 - 2004)، دفعة للمجال القروي
  • المغرب الأخضر، المملكة المغربية قوة إقليمية

ارتبط المغرب، منذ القديم، بالزراعة، ووصفه البعض بـ “خزان روما للحبوب”. فيما يلي محطات تاريخية عرفتها الفلاحة في المغرب من العصر القديم إلى الآن مرورا بالحماية الفرنسية، وحصوله على الاستقلال، وانطلاقة الأوراش الفلاحية في المغرب الحديث.

الفلاحة في المغرب خلال العصر القديم

إذا كان المغرب قد عرف حضارات قديمة، فإن ذلك ليس لمواقعه الأسطورية مثل كهوف هرقل أو حديقة هيسبيريس فقط، بل أيضا لأن أراضيه كانت، بالفعل، من أكثر الأراضي خصوبة في المنطقة.

كان الفينيقيون ثم القرطاجيون، بالتأكيد، أول “الغرباء” الذين وقفوا على حقيقة الأمر، منذ القرن العاشر قبل الميلاد، أقام الفينيقيون بعض المراكز التجارية على سواحل البحر المتوسط والأطلسي. وكانوا يقايضون سلعهم بمنتجات محلية مثل العاج، النبيذ ومختلف جلود الحيوانات. وبعد بضعة قرون، حكى المستكشف القرطاجي حانون بعد رحلته، التي قام بها على واجهة ساحل المحيط الأطلسي في المغرب، أن هذه الأراضي تزخر بالمنتجات الفلاحية كالحبوب وكروم العنب وأشجار الزيتون والخضروات والعسل.

إبان الوجود الروماني بالمغرب، عُرفت موريطانيا الطنجية، بأحد أنواع الصدفات التي كانت تستعمل لإنتاج اللون الأرجواني. أصبح هذا اللون الأكثر شعبية في العصور القديمة، إذ كان لون أزياء الأباطرة والشخصيات الأكثر نفوذا وقتئذ. في وقت لاحق، تميز المغرب وحتى الفترة المعاصرة، بإنتاج الزيتون ومعاصر الزيت، كما هو موجود في أغلب مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط المعروف بمناخ المعتدل والمناسب لزراعة الزيتون، وفي سهول المحيط الأطلسي، ازدهرت الحبوب، خاصة القمح.

مغرب الحماية، التحديث بسرعتين

تمحور موضوع المشروع الكولونيالي، في الأصل، حول سؤال الأرض واستغلالها. فحينما بسطت فرنسا حمايتها سنة 1912 على المغرب، كانت الفلاحة في المغرب تعتمد على المناخ أكثر من الإنسان، لكن السلطة الجديدة أدركت أن قيمة الأرض في الزراعة، وبالتالي، كان من الطبيعي أن تنصب الجهود الاقتصادية للحماية حول ما يتعلق بالزراعة، ومن أجل تجاوز مشكل المياه، قام الفرنسيون ببناء السدود بالرغم من أن معظمها كان مخصصة لإنتاج الطاقة.

في سهول الشاوية ودكالة، ومنذ قرون غابرة، كانت الجهود تنصب حول تخزين محاصيل الحبوب، بما يوفر الاكتفاء أيضا لحاجيات القطب المحادي، أي المدينة. فمن أصل 14 مليون قنطار من القمح والشعير المنتج في سنة 1931، كان يتم تصدير 4 ملايين طن إلى فرنسا. ومع حلول الحرب العالمية الثانية، أصبح جزء من المحصول باهظا مع ارتفاع الطلب عليه في المدينة.

ورغم أن الفلاحة المغربية عرفت تحديثا على مدى 44 سنة من الحماية، إلا أن الفلاح المغربي لم يستفد منها بشكل مباشر. هنا تحضر عبارة “المغرب النافع وغير النافع” وتعكس حقيقة اقتصادية أكثر منها جغرافية. فوفقا للإحصاءات الرسمية لسنة 1956، سنة استقلال المغرب، فإن % 55 من إجمالي الأراضي الفلاحية لم يتم استغلالها، بل حتى بعد الاستقلال ظل الأمر ساريا.

الاستقلال، عملية الحرث (1951 – 1962)

في المغرب المستقل حديثا كان كل شيء، أو تقريبا، يحتاج إلى إعادة النظر وأصبح من الضروري فتح تحديث الزراعة، الذي كان في صالح المعمرين إلى حد كبير، أمام الجميع.

أدرك الملك محمد الخامس التحديات الهائلة للإصلاح الزراعي التي يطرحها في المغرب المستقل، وسرعان ما تبنت حكومته سياسة عملية الحرث. وابتداء من غشت 1957، تم الإعلان عن إطلاق هذا الإصلاح الطموح بروح ثورية.

لم يكن الإصلاح، الهادف إلى حرث مزيد من الأراضي، يخص فقط الفلاحين الكبار الذين استفادوا في عهد الحماية. بل استهدف، بشكل كبير، الملاكين الصغار والمتوسطين، الذين فتحت أبواب الاستفادة من تكوين في حظيرة تضم ألف جرار. بفضل الموارد الجديدة التي خصصتها الدولة للعملية، أصبحت أراض مساحتها 282.000 هكتار مفتوحة أمام الفلاحين المغاربة، وبالإضافة إلى الاستخدام المكثف للجرارات في عملية الحرث، أحدثت الحكومة المغربية “مراكز الأشغال” قصد تقديم مساعدات، خاصة فيما يتعلق بمراقبة طرق الري واختيار البذور والأسمدة.

بدايات الستينات، مكاتب الدولة

في أعقاب استقلال المغرب، كان الفلاحون يستحقون تأطيرا تحت إشراف الدولة. كما كانت الحاجة ملحة، في بلد جاف كالمغرب، على تحسين طرق الري في إطار الخطة الخماسية، التي وضعتها حكومة عبد الله إبراهيم، تم إحداث المكتب الوطني للري، وفق ظهير 3 شتنبر 1960. وكان من بين أهداف المكتب البحث في مجموع التراب الوطني عن مصادر المياه ودراسة إمكانيات استثمارها لغاية فلاحية باعتبار أحوال الأماكن الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية.

كما تكلف المكتب بإنجاز العمليات التي قررتها الحكومة في الميدان العقاري والاستثمار في الأراضي، خصوصا تلك التي تملكها الدولة والجماعات، فضلا عن «اتخاذ جميع الإجراءات التي تهدف إلى تهييئ مصادر للمياه وتكييف الأماكن الطبيعية وجعل الاستغلاليات الفلاحية بالمغرب في حالة تساعد على الإنتاج واستفادة كافية من إنتاجها، وتنظيم هذا الإنتاج وتحسينه والمساهمة في التكوين المهني للمزارعين كما يحقق التهيئات التي من شأنها أن تساعد على تحسين تطور الحياة القروية».

مغربة قطاع الفلاحة بالمغرب، طريق طويلة ومعقدة

في مختلف المجالات الاستراتيجية، تقوم الدولة المغربية بوضع مخططات لتأميم اقتصادها الذي ما يزال معتمدا إلى حد كبير على البنية الاستعمارية، في هذا الإطار، كانت مغربة الأراضي الفلاحية رهانا أساسيا للدولة.

وبتاريخ 26 شتنبر 1963، صدر أول ظهير يتعلق باستعادة 316.380 هكتار من الأراضي الفلاحية التي كانت في ملكية الفرنسيين. واستمرت هذه العملية عشر سنوات قبل أن يتم، في 3 مارس 1973، إطلاق الجزء الثاني من مغربة الأراضي الفلاحية رسميا، حيث انصبت الجهود على مغربة نحو 446 ألف هكتار، كان أجانب قد اشتروها بعد الاستقلال، وجعلوها ملكية خاصة. وفي نهاية السبعينيات، استردت الدولة حوالي 800 ألف هكتار وأعادت توزيعها على الفلاحين. بالرغم من أن هذه العملية معقدة من الناحية القانونية إلا أنها مثمرة لتنسيق سياسة فلاحية فعالة.

سياسة السدود “إبداع” الحسن الثاني

في عالم الزراعة، نتحدث عن الإجهاد المائي، وفي المغرب إنه يحمل اسمه فعلا، فبين سنة 1929 تاريخ بناء أولي السدود في زمن الحماية وسنة 1967 تاريخ بداية السياسة الثورية، يمكننا عد 15 سدا فقط بسعة إجمالية تبلغ مليار متر مكعب. وهي أرقام ليست كافية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الطموحات الفلاحية والطاقية للمغرب.

في 18 من شتنبر من سنة 1967، وجه الملك الحسن الثاني خطابا إلى شعبه قال فيه:

«إن معالجة قضية ذات أولوية مثل الحاجة إلى إدارة على المدى الطويل للموارد المائية تكمن في الالتزام ببناء سد كل سنة. أعلن إذن أن هدفنا الوطني في الوصول إلى مليون هكتار مسقية».

ومنذ ذلك الوقت، ما تزال هذه الرؤية الاستراتيجية ذات موضوع في يومنا هذا، حيث استمر الملك محمد السادس على نهج والده. واليوم، يتوفر المغرب على 140 سدا، بالإضافة إلى عشرات السدود قيد الإنشاء، ويسمح ذلك بتعبئة 18 مليار متر مكعب.

وإذا تم الاستمرار في هذه السياسة، فلأنها أثبت نجاعتها. فمنذ بداية سنوات السبعينات، ارتفع الإنتاج الفلاحي بمعدل %8 سنويا. ويشمل ذلك بشكل رئيسي محاصيل السكر والفواكه الحمضية وإنتاج الحليب وهو ما انعكس إيجابا على الفلاحة بالمغرب.

مكننة الفلاحة في المغرب، بطيئة لكنها مؤكدة

تحركت عجلة الفلاحة في المغرب، لكن ما يزال أمامها الكثير لتتقدم بشكل أفضل. هذا راجع إلى سنوات سابقة، وبالتحديد فترة بعد الاستقلال، حينما أضحت مكننة القطاع الفلاحي أولية كبرى، وتم خلالها توزيع 10.343 جرارا فقط على 2.278 مغربيا، و 8.065 معمرا. ولتغيير هذا الوضع، أطلقت الدولة عملية الحرث الجماعي خلال سنوات (1957 – 1962)، الهدف منها إدخال أساليب زراعية حديثة من خلال عملية المكننة، فكانت النتيجة أن تم تجهيز 9.000 جرار من طرف الدولة. وفي عام 1999 تضاعف العدد ليبلغ 43.000 جرار.

ولتجاوز التأخر الحاصل، واصل المغرب سياسته في هذا الاتجاه لعدة عقود. إذ في سنة 1982 تم إعفاء واردات الآلات الزراعية من الرسوم الجمركية والضرائب. أما في الآونة الأخيرة، بالخصوص سنة 2011، قدم مخطط المغرب الأخضر دعمه للمزارعين المغاربة من أجل مكننة زراعتهم.

واستطاع المخطط أيضا الحد من استيراد المعدات القديمة، وعدم العمل بالتي عفي عليها الزمن، بالإضافة للمشاركة في تحديث المعدات المغربية. حشدت الدولة من خلال صندوق التنمية الفلاحية 2 مليار درهم من الإعانات لمكننة القطاع. لكن ورغم هذا التقدم فقد شهد سوق الجرارات انخفاضا حادا منذ عام 2016، حيث لم يبع منها سوى 1934 جرارا.

الخطة الخماسية (2000 – 2004)، دفعة للمجال القروي

وضعت خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للفترة ما بين 2004 – 2000، وكان من بين أهدافها، تحقيق نمو قوي ومستدام يحد من ارتفاع البطالة في المغرب ويحافظ على التوازنات الأساسية للاقتصاد، وللقيام بذلك، ركزت الدولة على دعامتين من النسيج الاقتصادي المغربي: القطاع الخاص وقطاع الفلاحة، إذ تمت مراجعة الضرائب وتصحيحها وتحسين الائتمان الفلاحي من خلال الإصلاح المؤسساتي، وتسريع التنمية القروية، ودعم الاستثمار في أعلى مستوياته، ثم التوقيع على اتفاقية شراكة مع أوروبا في سنة 1996.

على المستوى الماكرواقتصادي، كانت النتائج أعلى من المتوقع، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الفلاحي بالمغرب، الذي يخضع لتقلبات الطقس، بنسبة % 6.9 في المتوسط، على أساس سنوي بدلا من % 3.4 كما هو مخطط له، فكانت النتائج المحصلة، أن تحسنت الأوضاع نوعا ما بالنسبة للعالم القروي، وذلك بعد سلسلة من الحملات التنموية.

المغرب الأخضر، المملكة المغربية قوة إقليمية

انخرطت الدولة المغربية، ابتداء من الألفية الجديدة، في مشروع طموح. يتعلق الأمر بالرفع من الصادرات الفلاحية من خلال تشريع عملية إنتاج مختلف الأنواع، والرفع من الاستثمارات في القطاع. في هذا الإطار، تم إطلاق مخطط المغرب الأخضر في أبريل 2008 بناء على تعليمات الملك محمد السادس. بعد عشر سنوات، ارتفعت قيمة الصادرات من قطاع الفلاحة والأغذية الزراعية بنسبة % 3 “لتصل إلى 33 مليار درهم، مع تمكين مليون و100 ألف مستفيد من إيجاد الدعم والتمويل لمشاريعهم واستثماراتهم“، وفق عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. كما ارتفعت القيمة المضافة للقطاع الفلاحي في المغرب بنحو %15.

المخطط الأخضر ساهم، أيضا، في تطوير الناتج الداخلي الخام للقطاع الفلاحي بمتوسط نمو سنوي قدره %5.25 ليصل إلى 12 مليار درهم في 2018.

بالإضافة إلى هذه الأرقام المذهلة، يهدف المغرب الأخضر إلى تحسين الظروف المعيشية لـ “الفلاح الصغير”. حسب مديرية الخزينة والمالية الخارجية، فقد تمت بنهاية عام 2017، تعبئة استثمارات عمومية تقدر ب 75 مليار درهم، مما أتاح تحسين دخل القرويين بنسبة %68. يجسد مخطط المغرب الأخضر الذي يهدف إلى تطوير الفلاحة في المغرب، بالفعل، تحدي المملكة المغربية في أن تصبح قوة إقليمية في مجال الفلاحة.

بواسطة
يونس مسعودي
المصدر
مجلة زمان، العدد 66 أبريل 2019

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق