الفن

الفن البيزنطي.. تعرف على تاريخ العمارة البيزنطية

مازال الفن البيزنطي يسحرنا بغناه وجرأة مهندسيه. ولعل مدينتي القسطنطينية ورافيني هما خير مايشهد على عظمة فن العمارة البيزنطية. فما هو السياق التاريخي لنشوء هذا الفن؟ وما أهم خصائصه الفنية والجمالية؟

نشئت الإمبراطورية البيزنطية عام 395م، وقت تقسيم الإمبراطورية الرومانية العظمى من طرف الامبراطور قسطنطين. وهكذا ظهرت إلى الوجود إمبراطوريتان منفصلتان :

  • الامبراطورية الرومانية الغربية (عاصمتها روما)، التي استمر انحطاطها.
  • الإمبراطورية الرومانية الشرقية (الامبراطورية البيزنطية) وعاصمتها القسطنطينية، التي بناها قسطنطين بدءا من 324م على أرض بيزنطة القديمة.
خريطة الإمبراطورية الرومانية الدولة البيزنطية
خريطة الإمبراطورية الرومانية الغربية والشرقية (البيزنطية)

وقد عرفت انطلاقة مذهلة. وبذلك خضع الفن البيزنطي لتأثيرين : تأثير الشرق وتأثير الغرب.

السياق التاريخي لفن العمارة البيزنطي

في القرن الخامس (402م) حين كانت روما مهددة بالغزو الهمجي أصبحت «رافيني» عاصمة للإمبراطورية الرومانية الغربية. وهي مدينة محاطة ببحيرة راكدة. وبفضل ميناء «كلاسيس» وموقعها على الساحل الأدرياتيكي، استطاعت أن تربط علاقات ميسورة مع الشرق. وقد جعلت الإمبراطورة «غالا بلاسيديا»، زوجة تيودوس الأول، من رافيني مدينة بهية. بعد ذلك شيد تيودوريك الملقب بالشاب أو الأكبر، وهو زعيم المتوحشين Ostrogoths، بنايات دينية ومدنية ضخمة.

وكان جوستينيان الأول، إمبراطور القسطنطينية ورافيني قد زين هاتين العاصمتين الكبيرتين بالعديد من الكنائس الرائعة، مثل كنيسة القديسة صوفيا التي تعتبر من روائع العمارة البيزنطية، والقديسة إيرينا، والقديس سيرج، والقديس باخوس في القسطنطينية وكنيسة سان فيتال، وسان أبولينار في رافيني. وكانت هاتان المدينتان هما عاصمتا الفن البيزنطي.

الفن البيزنطي العمارة البيزنطية كاتدرائية أيا صوفيا
كنيسة القديسة صوفيا (جامع أيا صوفيا) نمودج لفن العمارة البيزنطي

للأسف لم يتبق منهما اليوم إلا بعض من هذه النماذج التي ذكرناها، لأن الهجمات المتتالية التي قام بها الأتراك وظاهرة محاربة الأيقونية التي انتشرت في القرنين الثامن والتاسع دمرت الكثير من المآثر أو جردتها من زخرفتها الغنية.

وابتداء من أواخر القرن السادس عملت الغزوات المختلفة على الحد من توسع الإمبراطورية البيزنطية، التي فقدت سوريا ومصر ثم إفريقيا الشمالية، واقتصرت آنذاك على اليونان، التي كانت تشمل جزاء من يوغسلافيا السابقة، وعلى آسيا الصغرى. وظلت الهيمنة الثقافية البيزنطية قائمة، وتفوقها الفني يكتسح كل الساحل المتوسطي الشرقي حتى سقوط الإمبراطورية المسيحية في الشرق سنة 1453م على يد العثمانيين.

وبإمكاننا أن نميز بين ثلاث مراحل لتطور الفن البيزنطي: العهد الجوستينياني، وعهد محاربة الأيقونية، والمرحلة المقدونية.

الفن البيزنطي في عصر الإمبراطور جوستينيان

طبع الإمبراطور جوستينيان : الجبار عصره بفتوحاته الغربية، من أجل إعادة بناء إمبراطورية قسطنطين الكبرى وهكذا غزا من جديد إفريقيا وإيطاليا وجزءا كبيرا من إسبانيا. وقد ساعدته زوجته تيودورا كثيرا، وبفضلها لم يهرب أثناء تمرد «نيكا» سنة 532. حين أطلقت عبارتها الشهيرة :

«إذا لم يبق لنا من خلاص سوى في الهرب، فإنني لن أهرب. ليس من حق الذين حملوا التاج أن ينعموا بالحياة بعد فقدانه»

ولأن جوستينيان مسيحي النشأة، فقد أبرم الصلح مع روما، وحاول فرض عقيدته بإصدار تعليمات ضد الهرطوقيين (الملحدين) بين 527م و 528م.

وكان مشرعا كبيرا (ألف القانون الجوستينياني). غير أن اسمه يبقى مقترنا بتطور الفن البيزنطي الذي كان يشجعه كثيرا في رافيني والقسطنطينية. لذلك بني في رافيني كنيسة سان فيتال وسان أبولينار حيث مازالت هناك حتى اليوم فسيفساءات جميلة من القرن السادس، وفي القسطنطينية أعاد بناء كنيسة القديسة صوفيا، سنة 532م، مكان الكاتدرائية التي شيدها قسطنطين. وكانت قد تهدمت على إثر تمرد نيكا.

الفن البيزنطي العمارة البيزنطية الفسيفساء
الفن البيزنطي: فسيفساء سان فيتال (في رافيني) الامبراطور جوستينيان محفوفا بأكابر القوم في الكنيسة

ويظل صهريج Bindirdirek (وتعني في التركية : ألف عمود وعمود) نموذجا راقيا للهندسة والعمارة البيزنطية بأعمدته المرمرية البالغ عددها 224 والتي تبرهن على براعة مهندسى تلك الحقبة.

وقد تسببت محاربة الأيقونية خلال القرنين الثامن والتاسع (يتعلق الأمر بعقيدة تقر عبادة المسيح والعذراء والقديسين، لكنها تحرم عبادة الصور) في تدمير العديد من المآثر البيزنطية، وعَوَّض الصليب العاري الصلبان التي يبدو فيها المسيح مصلوبا.

المقدونيون ونهاية بيزنطة

في الوقت الذي تضاءل فيه نفوذ الإمبراطورية البيزنطية بعد الفتوحات الإسلامية، تكثف نشاط الفن البيزنطي. إنها بداية الزخرفة الخارجية للكنائس والمباني الدينية (تعاقب القرميد والحجر أو التغليف بالرخام المنحوت).

وفي هذه الفترة بنيت كنائس بازيل الأول الجديدة في القسطنطينية و «ثبوتوكوس في ثيسالونيكا (اليونان) وكنيسة القديس مارك في مدينة البندقية التي بدأ العمل فيها سنة 830 واستؤنف عام 1063، انطلاقا من تصميم أعده القديس بطرس في القسطنطينية.

وخلال حملة 1204 الصليبية دمرت الإمبراطورية البيزنطية وحوصرت القسطنطينية ونهبت ثرواتها. لكن نهاية بيزنطة تمت سنة 1453م حين غزاها الترك العثمانيون بقيادة محمد الفاتح.

خصائص فن العمارة البيزنطي

شيدت الإمبراطورية البيزنطية على أساس ديني: وكان الإمبراطور يحكم الرعية بصفته خليفة الله في الأرض. والكنيسة تدير الأنشطة الثقافية. وارتبط الفن البيزتطي ارتباطا لا فكاك منه بالتعبير عن العقيدة، ولذلك نجد اليوم أمثلة عنه في المآثر الدينية.

وظل معظم الفنانين البيزنطيين مجهولين (باسثتناء مهندسي كنيسة القديسة صوفيا). وكانوا لا يرغبون في توقيع أعمالهم، لأنهم كانو مكلفين بإقامة علاقة بين الدنيا والآخرة، بين المرئي واللامرئي، وليسوا سوى أداة يتمظهر من خلالها الوحي الروحي. إنهم لا يعبرون باسمهم ولا يعتبرون أعمالهم إبداعا شخصيا، بل مجرد تعبير عن رسالة ربانية عليهم أن يبلغوها بكل تواضع. والعمل الفني بالأساس هو فعل إيمان يتيح المؤمنين أن يجدوا الله ويستوعبوا جيدا رسالتها.

الفن البيزنطي ونزاع حول الصور

اندلعت منذ القرن السادس مواجهة شرسة بين مختلف التصورات، بصدد القيمة اللاهوتية لتمثيل التاريخ المقدس بالصور. وألحت الكنيسة الرومانية على الوظيفة التعليمية للفن: حيث أعلن البابا غريغوري الأكبر، في نهاية القرن السادس، أن الصور ضرورية لتعليم المؤمنين الذين يعاني معظمهم من الجهل والأمية.

وفي بيزنطة شهد الفن البيزنطي صراعا عنيفا بين أطروحتان:

  1. أطروحة أعداء الأيقونة الذي يعتبرون كل رسم ديني انتهاكا للمقدسات، ويحظرون التزيين التشخيصي للمعابد.
  2. أطروحة الأورثوذوكسيين الذين يرون أن للصورة الروحانية دورا مهما جدا، وأنها مقدسة، تستحضر الكائن المصور وتدمج أيضا الحضور الصوفي الذي قد تنجم عنه بعض المعجزات، ولذلك ينبغي أن تحظى بالوقار والاحترام كذخيرة مقدسة.

واختتم هذا السجال بانتصار الأورثوذوكسيين، وتسبب سنة 1054م في حصول انشقاق بين الكنيسة الشرقية وكنيسة روما بعد فصل بطريرك القسطنطينية على يد مرسول من البابا.

وكانت لانتصار الأورثوذوكسية مضاعفات قوية على تطور الفن البيزنطي، نتج عنها اعتدال أسلوبي يناهض كل تجديد: مادام التصوير مقدسا في حد ذاته، إذن ينبغي أن يخضع بشكل مطلق لقواعد صارمة ومحددة يضعها اللاهوتيون. وكل فنان خالف هذه القوانين الجمالية، أو شذ عن المألوف، أو أظهر نزوة من نزوات الخيال، يعد قد ارتكب عملا مدنسا.

لذلك كانت لأولى إنجازات الفن البيزنطي أهمية قصوى، بحيث إنها شكلت، إلى حد ما، نماذج ستمارس تأثيرا قويا على الأعمال اللاحقة.

العمارة البيزنطية.. هندسة ذات وجهين

لم يبق من فن العمارة البيزنطي الدنيوي أي شيء. فنحن لا نعرف منه سوى القصور البيزنطية التي كانت تتكون من مجموعة من البنايات تعلوها في أغلب الأحيان قباب، وتزخرف من الداخل بالفسيفساء أو ببساطات وفيرة. أما الكنائس فإنها تشكل من عناصر معمارية بسيطة، مركبة بشكل مثماثل.

وكانت القبة الكبرى في كنيسة القديسة صوفيا ضخمة (قطرها 31م وارتفاعها 50م) بحيث أنها انهارت وأعيد بناؤها في سنة 558م وهذا ما يعيننا على فهم الصعوبات التي دفعت المهندسين إلى تفضيل المباني الأقل فخامة.

وفي المفارقة العجيبة، بين الخارج والداخل، يكمن الطابع المدهش للهندسة البيزنطية :

  • من الخارج تبدو الكنيسة كوحدة متماسكة، جمالها صلب وبسيط في نفس الوقت، وتنسجم انسجاما أخاذا مع الطبيعة المحيطة بها. وجدرانها المبنية من القرميد الخالص، ومن الحجر في أحيان نادرة، موقعة بنتوءات أو بتعاقب مواد البناء.
  • من الداخل ينتابنا افتتان شديد. فجأة نجد أنفسنا في عالم آخر، غامض، بهي وآسر. ويبدو الفضاء بتنظيمه المعقد والمرصع بأعمدة أنيقة وكأنه يتمدد ويتكاثر. وفي كل من كنيسة القديسة صوفيا أو سان فيتال أو القديس مارك، أو في اليونان بـ «هوسيوس لوكاس، ودافني، وميسترا..»، توفق المهندسون في خلق أجواء على مستوى رفيع من السمو والرقة.

كانت الأعمدة ذات التيجان المتقنة، والأروقة الأنيقة المتراصة، ووجوه الملائكة، والكثير من الزخارف ذات الخطوط الناعمة، وكل شيء في فن العمارة والتزيين، يتألف من أجل استحضار الصورة المقدسة والجيدة للمملكة السماوية.

وكان لهذا التباين القائم بين البساطة الخارجية، والروعة الداخلية معنى روحي واحد : أن المومن الذي يلج المزار يهجر العالم الدنيوي كي يجد نفسه في عالم الخوارق.

الفسيفساء البيزنطية والتصوير المقدس

للارتقاء بفن العمران البيزنطي وظفت المكعبات الملونة التي تزخرف الجدران كي تنير الكنيسة، وتبجل موضوعات وشخصيات التاريخ المقدس. وكان الفسيفسائيون يبدأون بدهن الحيطان بطبقات من الكلس. ثم يرصعونها بمكعبات صغيرة من الزجاج الممزوج بالألوان القزحية أو المموه بقشرة رقيقة من الذهب، ويرتبونها بإحكام تحت زوايا متعددة، حتى ينعكس الضوء على أضلاعها ويجلو خطوط تكوينها.

وقد برع الفسيفسائيون البيزنطيون في ابتكار تأثيرات حاذقة من خلال التدرجات والتمايزات اللونية، والمزاوجة بينها بشكل رائق، وكذلك مزج الألوان الغامقة والسبائك اللامعة. ولم يسبق أبدا الفن الموزاييك آن بلغ مثل هذا المستوى من الإتقان.

وتشكل الفسيفساءات البيزنطية ذخيرة تقليدية من التيمات الدينية : تكريم شخصيات وقورة ومهيبة، تبدو وسط مناظر أو بنيات هندسية متأنقة جدا: ملائكة وقديسون يحيطون بالعذراء وهي تحمل المسيح بين ذراعيها.

وكان الفنان يتجنب تصوير الواقع حرفيا، ولا يريد إظهار الطبيعة أو الحياة، بل الانعكاس السحري للعالم الذي يسمو على الطبيعة. وكانت الثياب الفضفاضة الثقيلة والفساتين الطويلة تضفي على الشخصيات هيأة مدهشة. وكانت هذه السحنة الصارمة، والكثافة التأملية لنظراتهم، تحولهم إلى شهود غامضين على اللامرئي.

ويتجلى ذلك في التصوير الشهير ل «تيودورا» مع أعضاء حاشيتها (في كنيسة سان فيتال، القرن السادس). وهذا المشهد لا علاقة له بما هو دنيوي : كل شيء يدل على أن الإمبراطورة والأميرات والوصيفات والجلساء يشتركون في الاحتفال بحدث روحي. و «تيودورا»، المتشحة بشارات إمبراطورية وبهالة ترفعها إلى مقام إلهي خارق، تمد كأسا من ذهب كما لو أنها تقدم قربانا.

والفنان هنا يلح على الدلالة الروحية لهذه الهبة، من خلال مقارنتها مختلف مشاهد الهبات، المرسومة أسفل فستان الإمبراطورة : هذا الموضوع التزييني منتقى بمهارة لكي يعبر عن معنى اللوحة بأكملها. والمشهد مرسوم بطريقة تستدرج الانتباه إلى الإمبراطورة وإلى باب ينفتح على فضاء غامض. إنه يحدد الما وراء الذي تمد صوبه الإمبراطورة كأسها، كما يوحي بذلك حضور النافورة التي يأخذ ماؤها شكل يمامة.

الفن البيزنطي وبدايات التصوير الأيقوني

لا ينبغي للإتقان الباهر للفسيفساء البيزنطية أن ينسينا روعة الرسوم. فقد كانت بعض الكنائس والأديرة مزينة بمجموعة من اللوحات الجدرانية الكبرى، فيما عرف فن المنمنمات انطلاقة هامة، وزخرفت المخطوطات في بعض الأديرة بمنمنمات ثرية.

ففي جبل سيناء وجبل آتوس رسمت على بعض الألواح الخشبية، المدهونة بشمع العسل والمنقوشة بإبرة ساخنة، أولى الأيقونات والصور المقدسة، التي سوف توضع في الكنائس فوق الفاصل الأيقوني. وهي تمتاز بالورع الشديد. وتبدو فيها الشخصيات المقدسة، المرسومة بإتقان، جامدة، ونائية، كما لو أنها مخلوقات لامادية.

وقد استمر فن الأيقونات البيزنطي في روسيا حتى القرن الثامن عشر مشوبا ببعض الرتابة، وكان على الرسامين أن يراعوا التعليمات اللاهوتية التي تقنن اختيار الموضوعات وتقنية العمل. وكانت أناقة الخط التجريدي، وفن رص الثياب الفضفاضة وإبراز النموذج المجسم للوجوه والأجساد، في الجداريات والمنمنمات والأيقونات البيزنطية، من الخصائص التي ستبهر الفنانين الإيطاليين وعلى الأخص داتشيو وتشيمابو.

الاشتغال على العاج

لا أثر للمنحوتات العملاقة في الفن البيزنطي، ومرد ذلك بدون شك إلى أنه كان ينظر إلى التماثيل الكبيرة المفرطة في الواقعية على أنها أقرب إلى الحياة وبالتالي فهي عاجزة عن كشف السر المقدس.

ولذلك سيتميز كبار الفنانين البيزنطيين في مجال النحت الدقيق على العاج. ومن أروع النقوش التي أنجزت : الألواح الجميلة التي يتركب منها منبر ماكسيميان (أهداه جوستينيان لهذا الأسقف في القرن السادس). وفيه نلاحظ التقليد الشرقي والإغريقي الذي ظل يطبع الفن البيزنطي على امتداد العصر الوسيط.

ويتجلى، من خلال الزخارف اللولبية التي تجمع بين الأغصان والفواكه والحيوانات، ميل إلى الأناقة الباذخة، المرهفة، التي تنفرد بها الحساسية الشرقية، بينما يتسم الفن الإغريقي العتيق بالتركيز على قوام الشخصيات ذات الهيئة القوية والمهيبة، والوجوه المشرقة.

فن الصياغة والطلاء الخزفي

في الاشتغال على المعادن النفيسة والطلاءات الخزفية يبدي كبار الفنانين البيزنطيين تأنقا خارقا. إذ يسحرنا جمال الكؤوس الفاخر، والمذاخر والأواني الطقوسية، وأغلفة الأناجيل المكسوة بالفضة المذهبة والمزينة بالنقوش، والجواهر والأحجار الكريمة. وتوجد هذه الروائع في كنيسة القديس مارك (وأجمل هذه الكنوز محفوظ في كنيسة Pala d’oro، ويتكون من 250 مشهدا صغيرا، مدهونة بطلاءات خزفية مجزأة).

هذه التقنية الرقيقة جدا تتمثل في سكب ألوان الطلاء الشفافة في شبكة من الخيوط الذهبية الدقيقة. وهذا ما يساعد الفنان على الجمع والمؤالفة بين تشكيلة الألوان الغنية ونقاوة الخط وبهائه. و Pala d’oro (الرافدة الذهبية) هي رافدة هيكل كبيرة الحجم (ارتفاعها من مترين إلى عشرة وعرضها من ثلاثة أمتار إلى خمسة عشر) تقع فوق الهيكل الرئيسي لكنيسة القديس مارك، وتتكون من صفيحة معدنية كبيرة يرصعها أكثر من 85 طلاء خزفيا يغلب عليها اللون الأزرق، محاطة بالفضة أو الذهب.

ويمثل الجزء المركزي المسيح وحوله أربعة قساوسة مبشرين، وفي الأسفل تقف العذراء بين الإمبراطورة «ايرينا» وأحد الأباطرة لعله جان كومنين. وهذه الرافدة أنجزت في القسطنطينية سنة 1105م ثم زيد في حجمها خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر.

الأنسجة كأدوات للتزيين

كان فن النسيج موضة شائعة في الإمبراطورية البيزنطية، ولذلك أنشئت معامل إمبراطورية في القسطنطينية وفي بعض المناطق التي يمتلكها الإمبراطور. ويعود تاريخ بعض الأنسجة ذات الألوان الفاقعة، التي كانت تبسط في الكنائس أو في القصور، إلى المرحلة المقدونية.

ويعتبر التوحيد الرائع بين الرسم المتقن والتكوين الرائق، وبين فخامة اللون، من ثوابت الفن البيزنطي، حيث يقترن البذخ بالبساطة، والرقة بالأبهة، والتكلف بالصرامة، والنعومة بالقوة. وتلك هي مفارقات الأسلوب الجمالي البيزنطي، كأسلوب شرقي وغربي في نفس الوقت، مدهش، ومنذور للكشف عن الحضور القوي للعالم الآخر، ولوصف اللامرئي. إنه أسلوب يسبر أغوار الروح، بالعمق المطلوب. وقوته الغامضة مازالت تشع وتتألق، بعد كل هذه القرون.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق