الفن

الفن المعماري المغربي.. تاريخ ومميزات العمارة المغربية

اقرأ في هذا المقال
  • خصائص المعمار المغربي في المساجد والمعاهد الإسلامية
  • العمارة المغربية.. قلاع وقصور
  • مواد البناء والتزيين في المعمار المغربي

كان الفن المعماري المغربي ، في الغرب الإسلامي، متأثرا في البداية بأشكال العمارة السائدة في المشرق. غير أنه سرعان ما أسس نماذجه وتقنياته الخاصة، ليبلغ أوج ازدهاره في المغرب والأندلس.

على عكس ما حدث في المشرق، لم تحظ الهندسة المعمارية في المغرب الكبير بما تستحقه من اهتمام. وحتى الباحثون الأوائل الذين تطرقوا لهذا الموضوع (مثل البكري والنويري وابن خلدون) لم يدرسوه بكيفية مباشرة، وإنما كامتداد لاهتماماتهم الأساسية، المتمثلة في التاريخ والجغرافية وعلم الاجتماع.

بعد ذلك بزمن طويل، شرع بعض المستشرقين وكذلك بعض الكتاب الاستعماريين (مثل باسيه، هوداس، هينري تيراس…) في دراسة الفن المعماري المغربي بالبلدان المغاربية. ولم يكن اهتمامهم ذاك نابعا من الفضول العلمي، بقدر ماكان مرتبطا بالرغبة في دراسة عقلية وعادات السكان، بالبلدان المغاربية، من منظور استعماري.

وقد وجب انتظار العقود الأخيرة من القرن العشرين كي تظهر دراسات وأبحاث متخصصة تهتم بالجوانب العلمية والجمالية لفن العمارة المغربية.

ومهما يكن من أمر، فقد كانت هناك، على امتداد القرون المتعاقبة، كتابات أدبية اهتمت بفن المعمار المغربي في المغرب الكبير، وهي كتابات تمكن من تسليط الضوء على الطابع المزدهر لهذا الفن، وعلى منابع الإلهام فيه، وكذلك على كيفية تطوره عبر العصور.

خصائص المعمار المغربي في المساجد والمعاهد الإسلامية

لقد ارتبطت الهندسة المعمارية المغربية الإسلامية، في البلدان المغاربية، في تجلياتها الأولى، ببناء المساجد، إبان الفتوحات الإسلامية. كانت البداية في الشرق (أي في تونس الحالية)، ثم انتقل ذلك النوع من المعمار إلى باقي بلدان المغرب الكبير. وبعد زمن طويل على ذلك، انتقل هذا الفن إلى الأندلس، حيث بلغ ذروة الروعة والاكتمال.

وكان أول مسجد تم تشييده بالمغرب الإسلامي هو جامع القيروان، الذي يسمى أيضا جامع سيدي عقبة، نسبة إلى الفاتح الإسلامي الشهير.

وكان هذا الأخير يرى أن كافة المساجد، التي ستشيد مستقبلا، في البلدان المفتوحة من طرف المسلمين، ينبغي أن تكون على شاكلة المسجد الأول. كان جامع عقبة شبيها بالمساجد الكبرى في المشرق: قاعة ذات أعمدة، يفضي إليها فناء تحيط به الأروقة من ثلاث جهات. وقد أصبح جامع عقبة هو المسجد الرئيسي للأغالبة، ثم تم تدميره في ما بعد، ليعاد بناؤه وترميمه عدة مرات.

وبالطبع، فقد بنيت مساجد أخرى عديدة، خاصة في شرق المغرب الكبير على سبيل المثال:

  • جامع تونس الأعظم، الذي عرف بـ « جامع الزيتونة »، والذي تم بناؤه سنة 732م، في الحي التجاري بالمدينة. وكان هذا المسجد يتوفر على مكتبة ضخمة.
  • جامع سوسة الكبير، الذي أنشأه الأمير أبو العباس محمد، سنة 850م.
  • جامع الأبواب الثلاثة بالقيروان ( 866م ).
  • جامع القصر القديم، الذي تم تشييده في بداية القرن التاسع، والذي لم يتخلف منه أي أثر.

وشيئا فشيئا ازدهر بناء المساجد بمختلف بلدان الغرب الإسلامي (فاس، تلمسان، مراكش ..) حيث حاولت مختلف السلالات الحاكمة أن تضفي طابعها الخاص على المعمار المغربي ، مع الحفاظ على البنيات الجوهرية التي أسسها السابقون. وهكذا نجد أن الموحدين قد نزعوا – رغم مظاهر الشموخ التي تميزت بها مساجدهم (الكتبية بمراكش، صومعة حسان بالرباط، الخيرالدا بإشبيلية…) – إلى البساطة، مع تلافي أي مظهر من مظاهر البذخ. وقد تولدت هذه النزعة، دون شك، عن رصانة المهدي ابن تومرت (مؤسس الدولة الموحدية) وزهده. كما أنهم كانوا أول من استعمل الحجر المقصوب، عوض الآجر، في بناء المساجد.

جامع الكتبية بمدينةمراكش المغرب
جامع الكتبية مراكش فخامة المعمار المغربي

أما المرينيون فقد تميزوا، على العكس من ذلك، بميلهم إلى الأبهة، سواء في ما يتعلق بالبناء أو بالتزيين. وهكذا فقد جمعوا، حسب تعبير هنري تيراس، « بين الجمال الأندلسي والقوة الإفريقية ».

لقد تطور المعمار الإسلامي المغربي ، إذن، بكيفية لا جدال فيها، في الغرب الإسلامي، ما بين القرن التاسع والقرن الرابع عشر. إذ لم يعد المعماريون المغاربة يكتفون بالمظهر الوظيفي للبناء فحسب، بل أصبحوا يهتمون بالجوانب الجمالية بالغ الإهتمام. ومرد ذلك إلى الازدهار الذي عرفته الصناعة التقليدية، وإلى تطور الذوق الفني، لدى سكان البلاد، الذين لم يعودوا يكتفون بإعادة إنتاج الأنماط والأشكال المشرقية، كما كان عليه الأمر في السابق.

الفن المعماري المغربي في المدارس الإسلامية

إن هذه النزعة المعمارية الجديدة لم تتجل في بناء المساجد فحسب، ولكنها تعدت ذلك إلى تشييد المعاهد ( أو المدارس) الإسلامية، التي بلغت أوج ازدهارها خلال حكم المرينيين. ولاتزال آثار بعضها قائمة إلى اليوم ( مدرسة العطارين بفاس، مدرسة أبي عنان بسلا). لقد كانت هذه المدارس أمكنة للعبادة وللتكوين الإداري، في الوقت نفسه، وكانت منذورة للتصدي للحملات السياسية والدينية التي تشنها « الزوايا » على السلطة المركزية.

المعمار-المغربي-مدرسة-النجارين-فاس
مدرسة النجارين بمدينة فاس – نموذج الفن المعماري المغربي

ومهما يكن، فقد حرص مؤسسو هذه المدارس على أن يجعلوا منها إضافة إلى دورها المعرفي – معالم معمارية، تشهد على ما بلغوه من رقي وازدهار في المجال الفني.

فن العمارة المغربية.. قلاع وقصور

لم تكن الحركة المعمارية، في بلدان الغرب الإسلامي، منحصرة في بناء المساجد، بطبيعة الحال. إذ شهدت، بالموازاة مع ذلك، تطور أصناف أخرى من فن المعمار المدني والعسكري (الرباطات، مخازن الأسلحة، القصور، إلخ …)

لقد كان الأمراء والحكام المغاربة المتعاقبون في حاجة إلى إخماد حركات التمرد المحلية، مثلما كانوا مضطرين إلى مواجهة الغزوات المسيحية. وهو ما حدا بهم إلى إقامة المعاقل والأسوار والحصون، لغرض دفاعي. ويؤكد ابن خلدون أن الأغلبي أبا إبراهيم أحمد قد شيد حوالي عشرة آلاف قلعة بإفريقيا. وإذا كان هذا التأكيد يتضمن قدرا من المبالغة، فإنه يشهد، في الوقت نفسه، على الأهمية التي كانت تكتسيها تلك البنايات، أيامئذ.

والحقيقة أن تلك القلاع كانت، في غالبيتها، ثكنات بيزنطية قديمة، أعيد بناؤها أو تم ترميمها، كي تتناسب مع الأغراض الاستراتيجية لتلك الحقبة. ومهما يكن، فقد كانت تلك القلاع منتشرة بمختلف مناطق المغرب الكبير، انطلاقا من القرن التاسع. وأشهرها هي تلك التي تسمى الرباطات. وقد كانت منذورة لمقاومة الغزوات الأجنبية، مثلما كانت منطلقا لحملات الجهاد الإسلامي.

كانت الرباطات تقوم بدور عسكري وديني. وكان المشرفون عليها يحظون بعناية الحكام، ويتمتعون كذلك باحترام السكان.

أما على الصعيد المعماري، فقد كانت هذه الرباطات عبارة عن مدن صغيرة، تتمتع بالاكتفاء الذاتي، على صعيد المؤونة والأسلحة. وكانت تحيط بها أسوار سميكة، تتوفر على مراكز للحراسة. ومنها ما كان يتوفر، أيضا، على مستودعات للأسلحة، وعلى « أبراج للإنذار ». ومن هذه الأبراج كانت تنبعث الطلقات النارية، للتنبيه إلى خطر محتمل. ويزعم البعض، بشيء غير قليل من المبالغة، أن هذه « الإشارات النارية » كانت قادرة على تنبيه الرباطات الممتدة من الإسكندرية حتى سبتة، في ليلة واحدة !

ومن بين القلاع المعمارية الشهيرة، في هذا المضمار، هناك :

  • معقل الحمراء، ذو الأبراج المستطيلة والمربعة.
  • رباط باب المريسة بسلا. وقد تم تشييده، خلال حكم المرينيين، من طرف المعماري المغربي محمد بن علي، المنحدر من إشبيلية. وقد كان هذا الرباط يتوفر على مستودع للأسلحة البحرية. وتم حفر قنال يربطه بنهر أبي رقراق، حتى تتمكن السفن من المرور.
  • رباط المهدية بتونس.
  • معاقل « فاس البالي »، التي أنشأها الموحدون، وكذلك معاقل « فاس الجديد » التي شرع في تأسيسها السلطان أبو يوسف، وأتم بناءها ورثته (ابتداء من سنة 1276م).
  • شالة بالرباط.
  • معقل المنصورة بتونس. وقد استعمله الجنود المغاربة خلال حصار تلمسان، ثم أصبح بمثابة حصن من حصون المرينيين في المنطقة.
باب-شالة-الرباط-فن-المعمار-المغربي
شالة- الرباط : نموذج فن المعمار المغربي

وإلى جانب هذه المباني العسكرية، التي لا تزال آثارها قائمة حتى يومنا هذا، بمختلف مناطق المغرب الكبير خاصة بالمغرب وتونس بدرجة أقل، قام الحكام المتعاقبون بتشييد المساكن والقصور، التي كانت شبيهة، هي الأخرى، بالقلاع. وكانت هذه المباني المقامة بعيدا عن التجمعات السكانية، لأسباب تتعلق برفاهية وأمن الحكام – تؤوي عددا كبيرا من الناس (من خدم وصناع وتجار وجنود)، علاوة على أفراد العائلة المالكة، والمقربين منها.

ويعتبر « القصر القديم »، أو قصر العباسية الذي تم بناؤه بتونس خلال حكم الأغالبة – واحدة من أشهر هذه المآثر المعمارية. وقد أنشأه إبراهيم الأول، سنة 801م، لأسباب استراتيجية. وفيه كان يستقبل مبعوثي الأمراء الأجانب. وسرعان ما تحول هذا القصر إلى حصن حقيقي، يتوفر على الأسوار الضرورية، وعلى الثكنات، ومخازن الأسلحة والمؤونة. غير أنه تحول إلى أطلال، بعد إخلائه، ولم يتبق منه اليوم سوى بعض الآثار البالية.

والحق أن مختلف الأمراء، بصرف النظر عن سلالاتهم، قد أنشأوا قصورا مماثلة، لترسيخ سلطانهم، وتدعيم نفوذهم وهيبتهم. وفي هذا المضمار، أيضا، نلاحظ تطورا جليا في فن العمارة المغربية عبر الفترات المتتالية. فما بين القرن التاسع والقرن الثالث عشر تلاشي المظهر الدفاعي لتلك المباني، لتحل محله اهتمامات أخرى، تنصب بالأساس على الرفاهية وإمكانية الاصطياف. وهكذا لم يعد الحاكمون يشيدون حصونا للإقامة بقدر ماصاروا مهتمين بإقامة قصور باذخة، يتنافس فيها المعماريون، محاولين أن يضفوا عليها أكبر قدر ممكن من البهاء والروعة.

وتنبغي الإشارة، أيضا، في هذا السياق، إلى المباني والإنجازات المعمارية، التي تندرج ضمن مجال الهندسة المدنية، والتي تعد، في الوقت نفسه، من المعالم الفنية الباهرة، ومنها الأحواض المائية التي أقامها الأغالبة بالقيروان وسوسة وكذلك بمدينة تونس. ومنها الجسور التي أقيمت، زمنا طويلا بعد ذلك، على أنهار أبي رقراق وتنسيفت والواد الكبير بالمغرب، من طرف الموحدين. إضافة إلى جهاز ضخم من القنوات المائية لإمداد كل من الرباط ومراكش وإشبيلية بالماء الشروب.

المعمار المغربي.. مواد البناء والتزيين

كانت المواد المستعملة في العمارة والبناء تتمثل في التراب المدكوك، والطوب، والآجر، والحجر المقصوب. وكان هذا الأخير يستعمل بالخصوص في زخرفة وتزيين الواجهات. أما الأجر فقد كان استعماله محدودا نسبيا، ومختلفا باختلاف المناطق المغربية. وبتعبير آخر، فإن البناء كان يتم، أساسا، بالتراب المدكوك والطوب، سواء تعلق الأمر بالمباني العسكرية أم المدنية.

ويتكون التراب المدكوك من خليط من التراب والكلس. وهو خليط يتم دكه بين لوحين من الخشب. وغالبا ما تتم تقويته بالطوب، المكون من مزيج من التراب والقش المهروم.

وعلى صعيد التزيين، كان معماريو تلك الأزمنة يبذلون جهدا فنيا ملحوظا في إقامة الأقواس والأعمدة وغير ذلك.

كانت هناك أشكال كثيرة ومتباينة للأقواس التي تعلو النوافذ أو الأبواب. فثمة ما يسمى بالقوس « المنفوخ »، الشبيه بحدوة الحصان، والمستلهم من المعمار المشرقي البيزنطي. وهو شكل سيشهد تطورا فنيا ملحوظا في المغرب والأندلس، في ما بعد. وهناك، أيضا، ما يسمى بالقوس المعقود كلية، الذي ظهر خلال القرن التاسع، إضافة إلى القويسات الدائرية، التي تكثر ببعض المساجد الكبرى ( فاس، قرطبة، تلمسان … ) والأقواس الإكليلية.

أما الأعمدة، التي كانت تمثل دعامات بنائية بقدر ما كانت تندرج ضمن عناصر الزينة، فغالبا ماكانت تكسي بالرخام أو بالجبص المنقوش.

ومع بداية القرن العاشر، شرع المعماريون المغاربة في استعمال الخشب المنقوش ( منبر الجامع الأعظم بقرطبة، منبر القرويين بفاس …) وسرعان ما انتشرت هذه الطريقة في استعمال الخشب، في ما يتصل بالأبواب والنوافذ والسقوف وغير ذلك من صروح العمارة المغربية. ومن جانب آخر، عمد المعماريون إلى استعمال الصفائح البرونزية والأشكال الزجاجية لتزيين النوافذ (مدرسة العطارين بفاس … )

وبالنسبة إلى الجبص، الذي كان استعماله شائعا بالمشرق، فقد لجأ إليه معماريو المغرب الإسلامي ابتداء من القرن التاسع. ومع بداية القرن الثالث عشر، صارت هذه الوسيلة التزيينية منتشرة على نحو واسع ( فاس، تلمسان، غرناطة، القيروان … ) ويتجلى استعمال الجبص، أساسا، في تزيين الجدران الداخلية للقاعات والفناءات، بعد نقشه بواسطة معدات حديدية.

أما فن الزليج فإنه منتوج خالص لبلدان المغرب، وخاصة المغرب الذي اشتهر حرفيوه بإتقان صنعه. وقد شاع استعماله، مع بداية القرن الرابع عشر، لتزيين جدران المساجد والصوامع وحتى الأعمدة.

فن-المعمار-الزليج-المغربي
روعة فن الزليج المغربي ضريح مولاي اسماعيل مكناس

أما في ما يتعلق بالزخارف المنحوتة على الجبص، والتي تندرج ضمن ما يسمى بفن التوريق الإسلامي (الأرابيسك)، فقد كانت أشكالها تختلف باختلاف المباني. ففي المساجد، كانت الأشكال الهندسية هي المهيمنة، إضافة إلى نقوش للأزهار، مستوحاة من البيئة الطبيعية، وإلى الأشكال الشبيهة بالنجيمات. كما كان المزخرفون يحرصون على نقش آيات قرآنية أو حكم مختلفة على الجبص.

وانطلاقا من القرن الرابع عشر، صار فن الزخرفة يتميز ببساطة الأشكال وبتناغمها، في الوقت الذي أصبحت فيه الأشكال الهندسية هي الطاغية، بالمقارنة مع المحسنات الزهرية. ومع توالي القرون استمر الفن المعماري المغربي في التطور والازدهار نتج عنها بناء صروح معمارية خالدة لعل أخرها مسجد الحسن الثاني بمدينة الدار البيضاء، الذي يعد فخر العمارة المغربية.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق