التاريخ الإسلامي

القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي

بقيت فلسطين كجزء من بلاد الشام تابعة للحكم العثماني إلى الحرب العالمية الأولى. ومنذئذ خضعت للانتداب البريطاني الذي تحالف مع الحركة الصهيونية، وعملا معا على إنشاء «الوطن القومي اليهودي» فوق أرض فلسطين. فعارضت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ البداية التسرب والتمركز الصهيوني بالمنطقة، كما نددت بالغزو الاستعماري للبلاد. وبعد قيام «إسرائيل»، وتزايد ارتباطها بالإمبريالية الغربية، برز الصراع العربي الإسرائيلي الذي تبلور في مواجهات مسلحة ودبلوماسية تطورت لتصبح معها القضية الفلسطينية قضية دولية، وظهرت منظمة التحرير الفلسطينية لتقود نضال الشعب الفلسطيني.

جذور القضية الفلسطينية

دعا منظرو الحركة الصهيونية منذ القرن التاسع عشر إلى جمع شتات اليهود، وإحياء اللغة العبرية والعودة إلى أرض فلسطين للاستيطان بها. كما آمنوا بأن اليهود شعب واحد، دائم الوجود. وساعد كبار الرأسماليين اليهود المتفرقين في عدة دول أوروبية على إحياء الحركة الصهيونية، وتموينها بالأموال الكافية لتغلب على الصعوبات، ولتفرض نفسها فوق «أرض الميعاد».

تسرب الصهيونية إلى فلسطين

تحالفت الحركة الصهيونية الناشئة مع حكومات الدول الكبرى الاستعمارية، والتي تداخلت مصالحها مع مصالح الرأسمال الصهيوني، فسمحت بريطانيا لليهود وللمصالح الصهيونية بالاستيطان في فلسطين، في إطار تدخلاتها الاستعمارية في أراضي الإمبراطورية العثمانية.

فأنشئ «المصرف الاستعماري اليهودي» بلندن، و «الصندوق القومي اليهودي» لشراء الأراضي وتسجيلها كملكية أبدية للشعب اليهودي. وفي مطلع القرن العشرين أقيمت «الشركة اليهودية» لتصفية أموال اليهود غير المنقولة والعمل على نقلها، مع رؤوس الأموال لبناء المساكن وشراء الأراضي وتنظيم التجارة بفلسطين. ورصد للشركة عند تأسيسها ما مقداره 200 مليون دولار، واستقرت بلندن لتكون تحت الحماية القانونية لبريطانيا العظمى.

كما فتحت فروع للبنك «أنجلو-فلسيطني» في المدن الفلسطينية الرئيسية وفي كل من بيروت واستانبول، وأقيمت مدارس استعملت فيها اللغة العبرية لأول مرة. وسهر «مكتب فلسطين» التابع للمنظمة الصهيونية على عمليات الاستحواذ على الأراضي، واستيطان اليهود في مزارع تعاونية تحمل اسم «كيبوتزات».

وانتقل عدد اليهود المقيمين بأرض فلسطين من 50 ألف نسمة عند نهاية القرن التاسع عشر إلى 150 ألف نسمة مع نهاية الحرب العالمية الأولى. كما انتقلت مساحة الملكيات الزراعية اليهودية من 25.000 دونم إلى قرابة 200 ألف دونم (دونم يعادل 1000 متر مربع) . ومع ذلك لم يشكل اليهود المستوطنون لفلسطين سوي %8 من مجموع سكانها، ولم يملكوا سوى %2.5 من أراضيها. وقد اشترت المنظمات اليهودية الأراضي من الملاكين الغائبين ومن الحكومة العثمانية، التي كانت تبيع أراضي العاجزين عن أداء الضرائب من الفلاحين، وكذا من الملاكين الفلسطينيين المسيحيين وبعض العائلات العربية المسلمة والمعدمة.

وساعدت الحرب العالمية الأولى الحركة الصهيونية، بوقوف معظم الأطراف المشاركة في الحرب إلى جانبها وتقديمهم الوعود لها مقابل دعم الاحتكارات الرأسمالية اليهودية لهذا الطرف أو ذاك، فانفردت بريطانيا بالمبادرة، وانساقت وراء البرنامج الصهيوني في توطيد استراتيجيتها بالمشرق العربي وإجهاض الحركة القومية العربية، ووراء السعي في الحيلولة دون احتواء الحركة الصهيونية من طرف الامبريالية الألمانية، ثم الاستفادة ممن استمالتهم من اليهود لنصرة قضية الحلفاء وخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية؛ فأصدرت وعد بلفور في خضم الحرب وذلك يوم 2 نوفمبر سنة 1917.

إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وستبذل أفضل مساعيها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جليا أنه لن يُسمح بأي إجراء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها المجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، ولا بالحقوق أو بالمركز السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.

التوقيع : بلفور وزير خارجية بريطانيا

وسائل التمركز الصهيوني في ظل الانتداب البريطاني

توصلت الحركة الصهيونية منذ نهاية سنة 1918 إلى فرض قبول وعد بلفور من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وايطاليا واليابان. وخلال مؤتمر الصلح المنعقد في باريس طالب الصهاينة بأن يوافق الانتداب في فلسطين على خلق دولة يهودية، فتضمن صك الانتداب ومعاهدة «سيفر» نص تصريح بلفور.

وبعد ثلاثة أيام من مؤتمر «سان ريمو» 1920، أعلنت بريطانيا انتدابها على فلسطين، وتعهدت في مقرراته بنهج سياسة إنشاء «وطن قومي لليهود» مقابل تعاون ودعم الصهاينة لها بفلسطين.

وتميزت السياسية الصهيونية – في ظل الانتداب البريطاني – بتوسيع مهام «الوكالة اليهودية». فقد تم استقطاب المنظمات اليهودية غير الصهيونية إلى الوكالة، وركز على المنظمات المتواجدة بالولايات المتحدة الأمريكية.

ونظمت الهجرة العمالية اليهودية نحو فلسطين، وتكلفت المنظمة الصهيونية بإعالة العمال المهاجرين خلال السنة الموالية من إقامتهم. كما تكفل «الاتحاد العام لليهود» (الهستدروت) بتشغيلهم. وتزايدت الهجرات اليهودية.

ومثل الاستيطان الزراعي الدعامة الأساسية للوجود الصهيوني بفلسطين، ومع ذلك لم تبلغ الملكيات الزراعية اليهودية سوى %7 من أراضي فلسطين عند نهاية عهد الانتداب.

ودخل الصهاينة في حركة تصنيع البلاد – على مستوى المستوطنات – حينها منحتهم سلطات الانتداب امتياز مد الكهرباء والبحث عن المناجم والمعادن والحصول على مشروع استغلال أملاح البحر الميت. وهكذا تمكنت، الصناديق القومية اليهودية فيما بين 1918 و 1936 من استثمار ما يقارب 40 مليون دولار.

كما تمكنت الشركات المحلية والأجنبية من توظيف قرابة 200 مليون دولار، استثمر نصفها في النشاطين الفلاحي والصناعي، حيث أنشئت أزيد من 4000 وحدة صناعية ارتفع معها عدد العمال اليهود ليصبح حوالي 3200 عامل.

وللتعجيل بقيام «الوطن القومي اليهودي» استغل الصهاينة تدهور الأوضاع في أوروبا بسبب الاضطهاد والتوسع النازي، وسعوا إلى المزيد من تأييد الرأي العام الدولي لهم بتشجيع هجرتهم والإسراع بتأسيس دولتهم. كما استفادوا من هذا الوضع لتسليح فرقهم (حراس المستوطنات) التي شاركت في الحرب الكبرى إلى جانب الحلفاء تحت اسم «فيلق اليهود». فعجلت كل هذه الظروف بتهييء الجو القيام كيانهم فوق أرض فلسطين.

المقاومة الفلسطينية للوجود الصهيوني والانتداب البريطاني

تميزت المقاومة الفلسطينية خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين بطور النشوء وقيام تنظيمات سياسية عملت على التنديد بالتسرب الصهيوني وتوعية الفلسطينيين بعواقبه، في حين تطورت بعد ذلك، انطلاقا من سنة 1929، لتأخذ طابعها المسلح على إثر تصاعد الهجرة اليهودية وبداية تنفيذ مخططات الحركة الصهيونية من طرف الانتداب البريطاني. وهكذا يمكن حصر عمل المقاومة الفلسطينية خلال النصف الأول من هذا القرن في مرحلتين رئيسيتين:

المرحلة الأولى (1928 – 1900): نشوء الحركة الفلسطينية

أخذت المقاومة الفلسطينية شكلها المنظم مع بداية القرن العشرين على إثر توافد الهجرة الثانية من اليهود إلى أرض فلسطين. فتشكلت عدة جمعيات ومنظمات محلية حالت، أول الأمر، دون بيع الأراضي لليهود، ثم تطور نشاطها ليأخذ مسار التوعية بعواقب الغزو الصهيوني ويعمل على فضح مخططاته عبر الصحف والدوريات الوطنية.

وهكذا تزايدت معارضة الفلسطينيين لحركة الاستيطان مع ظهور جمعيات وطنية وخيرية كجمعية «الإخاء والعفاف» و «الجمعية الخيرية الإسلامية» و «جمعية مقاومة الصهيونية». وقد جاء في برنامج عمل هذه المنظمة الأخيرة ما يلي :

1 – مقاومة الصهاينة بكل الوسائل الممكنة من خلال توعية الرأي العام وتوحيد وجهات النظر…

2- تنشيط ومؤازرة المشروعات الاقتصادية والتجارية والزراعية، وتوعية المزارعين والفلاحين، بحيث يتمكنون من حماية أنفسهم من أخطار الصهيونية.

3- تقديم الاحتجاجات والشكاوي إلى جميع الجهات ذات العلاقة بهذا الموضوع للعمل على وقف الهجرة الصهيونية…

وقد نددت الجرائد الوطنية وعلى رأسها جريدتا «الأصمعي» و «الكرمل» بالخطر الصهيوني، وساهمتا في فضح مرامي الحركة الصهيونية وأعوانها. وكانت جريدة «المنادي» واضحة الموقف في محاربة هذه الحركة. كما أن جريدة «الرأي العام» كانت تعكس نوايا القوات الوطنية الناشئة بالبلاد، فكتبت مثلا مقالا تحت عنوان «أخطار الصهيونية العشرة» جاء فيه :

فالهجرة اليهودية المستوحاة من الصهيونية تؤدي إلى :

استيطان اليهود في أشد الأماكن أهمية من حيث التجارة والوضع الاستراتيجي، بيع أراضي السكان المحليين ومنازلهم، فقدان أثمن الأراضي وأعظمها قيمة، عودة أموال اليهود إلى جيوبهم عن طريق أماكن اللهو وما شابه ذلك التي سيفتحونها في وجه العرب، إخضاع السكان المحليين لليهود، هيمنة المدارس الصهيونية على جميع مرافق التعلم في البلاد، القضاء على من يتصفون بالصلابة والحزم من الزعماء العرب، وأخيرا السيطرة الاقتصادية على فلسطين التي تنبثق منها السيطرة السياسية.

وفي سنة 1922 عارض الفلسطينيون صك الانتداب الذي صادقت عليه عصبة الأمم ونددوا بعمليات طرد الموظفين العرب من الإدارات. كما عارض الفلاحون عمليات مسح الأراضي وتنازل الدولة عن ملكية أراضيها في بيسان والبيدة وقيصرية لفائدة الصهاينة. فانفجرت المظاهرات بسبب تأييد حكومة الانتداب لتفويت هذه الأراضي ومنع اليهود لتشغيل العمال العرب.

المرحلة الثانية (1908 – 1929): الاتجاه نحو العمل المسلح

بعد فشل الانتفاضات الأولى التي قام بها الفلسطينيون على إثر تصريح بلفور وصدور صك الانتداب، وأمام الاقتناع بعدم جدوى العمل السياسي وإخفاق القيادة السياسية التقليدية، ارتأت الحركة الوطنية الفلسطينية نهج العمل المسلح واستعمال العنف لمواجهة تزايد المركز الاستعماري والصهيوني خاصة بعد شروع البريطانيين في تسهيل مأمورية «الوكالة اليهودية» قصد بناء المستوطنات للمهاجرين وقيام المؤسسات الصهيونية.

وقد أدت كل هذه الأحداث مجتمعة إلى حوادث غشت 1920 المعروفة بثورة البراق أو حائط المبكى التي اتسع نطاقها ليشمل معظم المدن الرئيسية (عكا، نابلس، جنين، غزة …) والتي استخدمت فيها سلطات الانتداب المدافع والطيران ودمرت على إثرها قرى بأكملها، ثم انتهت بتعيين لجنة برلمانية بريطانية للتحقيق (لجنة شو) وصدور كتاب أبيض سنة 1930.

إلا أن الحوادث تجددت ما بين 1936 و 1939 حيث وقعت انتفاضة فلسطينية كبرى على إثر توقف العرب عن أداء الضرائب والقيام بإضرابات عامة شملت كل البلاد، ثم تطورت إلى مظاهرات وعمليات مسلحة استهدفت نسف المؤسسات الصهيونية فكان رد فعل المستعمر أقوى عنها، وانتهى بإعلان قرار تقسيم البلاد من طرف لجنة «ابرل بيل» إلى دولة فلسطينية وأخرى يهودية وجعل القدس والناصرة وطبرية تحت إشراف بريطانيا.

واتسع نطاق العمل المسلح الذي قاده سكان البوادي، فتمكنوا من التسلل إلى المدن الكبرى حيث قاموا بعدة هجومات على قوات الشرطة والجيش والمستوطنات اليهودية، ودمروا خطوط المواصلات. كما نسفوا أنابيب بترول العراق المارة غرب نهر الأردن، وقصدوا بذلك تحويل الوضع إلى ثورة شاملة، حتى يرغموا السلطات البريطانية على التراجع الفوري عن سياستها بشأن التقسيم والهجرة اليهودية. غير أن فقدان توازن القوة بين حركة المقاومة والتحالف البريطاني والصهيوني أدى إلى إجهاض العمل المسلح.

وأمام تدهور الحالة في أوربا نتيجة التوسع النازي، اتخذت بريطانيا عدة إجراءات للتخفيف من حدة التوتر بفلسطين، منها إيقاف الهجرة اليهودية وإعلانها على التراجع عن قرار التقسيم، فأصدرت عوضه كتاب «ماكدونالد الأبيض» سنة 1939 لترضية الطرفين، أوضحت فيه أنها لا تستطيع أن توافق على كون مراسلات مكماهون تشكل أساسا عادلا للمطالبة بأن تتحول فلسطين إلى دولة عربية، كما لا توافق على أن تصبح فلسطين دولة يهودية. وباندلاع الحرب العالمية الثانية عرفت القضية الفلسطينية تطورات جديدة.

قيام إسرائيل وارتباطها بالمصالح الامبريالية

أمام تدهور الاقتصاد البريطاني، وتزايد الضغط الصهيوني على سلطات الانتداب بعيد الحرب العالمية الثانية، عرضت بريطانيا القضية الفلسطينية على هيأة الأمم المتحدة التي صادقت على قرار التقسيم يوم 29 نونبر سنة 1947.

قامت دولة إسرائيل على أسس صهيونية توسعية

ما أن انسحبت بريطانيا من فلسطين يوم 14 مايو سنة 1948 حتى تم الإعلان عن قيام «دولة إسرائيل»، فأسست جيشا منظما ضم حرس المستعمرات «الهاجانا» وقوامه 62 ألف جندي، وفرقة الصاعقة (البالماخ)، وعصابة «الأرغون» ثم عصابة «شتيرن» وهما منظمتان إرهابيتان اشتهرتا بأعمال العنف والتخريب. ورفضت إسرائيل التعايش مع عرب فلسطين وعرب المناطق المجاورة لها. كما ناهضت وجود كل من هو غير يهودي بأرض فلسطين، إيمانا منها بسياسة الانغلاق والتمييز والتفوق العنصري.

واختارت إسرائيل في مرحلة أولى عزل %7 من العرب الباقين بعد سنة 1948، في مناطق ومعسكرات خاصة، أطلقت عليها اسم «مناطق الأمن» يتولى الأحكام فيها ضابط عسكري، وتجرى فيها الأحكام بموجب «قوانين الطوارئ والدفاع». وغالبا ما مثل السجن والنفي والإقامة الاجبارية قرارات المحاكم الإسرائيلية، وخضع العرب في هذه المناطق لنظام منع التنقل إلا بإذن من سلطات الاحتلال.

كما حرموا من حقوق التعبير والتجمهر، وإصدار الجرائد وتكوين المنظمات السياسية. وتلقوا ثقافة محدودة تضيق كلما صعد الطالب سلم الدراسة، لتنعدم نهائيا في المستويات العليا. كما أغلقت في وجه العرب المناصب الإدارية، بما فيها مناصب «المكتب الحكومي» المعنى بالشؤون العربية.

وفي الوقت الذي كان يحصل فيه على المواطنة كل يهودي تطأ قدماه أرض فلسطين، اتخذت إسرائيل إزاء العرب، قرارات جعلتهم عمليا يعيشون في وضعية اللامواطنة. وتفشت البطالة في صفوف العرب الفلسطينيين، واكتفي من يعمل منهم بالاشتغال في الأعمال الشاقة بأجور زهيدة. ومنذ سنة 1948 أصبحت أراضي وبيوت العرب خاضعة للحجز، وذلك استنادا إلى مرسوم صدر في هذه السنة يمنع المالكين المتضررين من التقاضي أمام المحاكم الإسرائيلية بهدف طلب التعويض. وبموجب هذه السياسة صادرت «إسرائيل» قرى بكاملها لتقيم فيها مستوطنات.

كما قامت سياسة إسرائيل على التوسع خارج الجزء المحدد لها في تقسيم 1947 مروجة لفكرتي :

  • 1. العمل الدائب على التوسع الإقليمي لضمان البقاء على قيد الحياة
  • 2. أن خلق الدولة الجديدة لا ينتقص من الحدود التاريخية لأرض إسرائيل

وقد مثل العنف المعزز بالإرهاب، الوسيلة الأساسية لهذه السياسية التي مارستها المنظمات الصهيونية العسكرية وشبه العسكرية بمضاعفة ضرباتها ضد القوى العربية، محدثة مجازر دير ياسين وعين الزيتون وصلاح الدين وغيرها…

ارتبطت مصالح الرأسمال الصهيوني بمصالح الامبرياليات الغربية خاصة منها الولايات المتحدة الأمريكية

لم يقف الترابط بين مصالح الرأسمالية الصهيونية بمصالح الإمبرياليات الغربية عند حدود تبادل المصالح فقط، بل تعداه إلى التداخل، كمساهمة كبار الرأسماليين الصهاينة مثلا في كبريات الشركات البترولية الأمريكية والانجليزية مثل «غولف اويل» وفي كبريات الأبناك «رويال بنك» و «بريكلير بنك» الانجليزي و «دوتش بنك» الألماني. كما أسس الصهاينة داخل الولايات المتحدة أبناك مهمة مثل «ليمان إخوان» و «غولدمان اخوان» و «لازار اخوان».

وبذلك صارت الدول الغربية الكبرى مساندة لإسرائيل وتشارك في المخططات الإمبريالية داخل منطقة الشرق الأوسط، بالعمل على محو الوجود العربي داخل فلسطين أولا، وتهديد كيانات الدول العربية المتواجدة بالمنطقة، وتحقيق توسع ترابي واقتصادي لإسرائيل تستفيد منه بشكل غير مباشر الإمبرياليتات الغربية.

وكانت الولايات المتحدة المدعم الرئيسي الاقتصادي والعسكري لإسرائيل في تمركزها وفي توسعاتها داخل المنطقة، وذلك منذ نهاية الأربعينات. وهكذا أصبحت منطقة الشرق الأوسط محورا للمنازعات الداخلية والدولية التي زاد من حدتها تدفق البترول ومحاولات التوسع الإسرائيلي.

وحتم تقسيم فلسطين وقيام إسرائيل انفجار حرب عربية-إسرائيلية تدخلت فيها بعض القوى العربية لم تلبت أن تحولت إلى صراع عربي-إسرائيلي مسلح بدأت بوادره في حرب 1948.

الصراع العربي الإسرائيلي ونضال الشعب الفلسطيني

بصدور قرار التقسيم، تفجرت الأوضاع في فلسطين المحتلة، وقرر الصهاينة إحباط كل محاولات التسوية، ومن ثم شنوا غارات على السكان العرب وقاموا بعدة مذابح وأمام هذه التحديات وجهت جامعة الدول العربية مذكرة في الموضوع إلى الأمم المتحدة.

تسبب قيام «دولة إسرائيل» في حرب 1948

نشبت حرب عربية – إسرائيلية بالمنطقة دامت من 15 مايو 1948 إلى 6 يناير 1949. في حين أن الحرب الفعلية لم تتجاوز 60 يوما، سرعان ما أعقبتها اتفاقيات هدنة، أشرفت عليها الأمم المتحدة. فكانت النكبة (فقدان الأرض وهجرة السكان)، وأبرز نتائجها سيطرة إسرائيل على %77.4 من الأراضي الفلسطينية بدلا من %57.4 التي خصصت لها حسب مشروع التقسيم.

كما كان من نتائجها أيضا اعتراف دول أخرى بإسرائيل ثم قبول عضويتها في الأمم المتحدة في مارس 1949. أما من الجانب العربي فقد تمت عملية اقتلاع كاملة للسكان الفلسطينيين بإجلائهم عن الأرض واستكمال حلقة التهجير؛ في حين أجمعت الحكومات العربية على عدم الاعتراف بإسرائيل.

العدوان الثلاثي على مصر 1956

بقيت الدول الاستعمارية تدعم الوجود الإسرائيلي سياسيا وعسكريا، فأصدرت كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية بيانا في ماي سنة 1920، الهدف منه تعزيز إسرائيل وحمايتها من أي هجوم عربي، مما شجع الصهاينة على القيام بعدة غارات متوالية على البلدان العربية المجاورة لها، منتهكة بذلك نصوص اتفاقيات الهدنة المبرمة بينها وبين هذه الدول. وكان أخطر هذه الانتهاكات هو مشاركة إسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956.

وقد كان هذا العدوان تجسيدا عمليا للإلتحام الاستعماري – الصهيوني. فبعد الإعلان عن تأميم قناة السويس من طرف الحكومة المصرية، شنت إسرائيل يوم 29 أكتوبر 1956 هجوما على مصر. فاستولت على شرم الشيخ عند خليج العقبة، واحتلت قطاع غزة وصحراء سيناء، في حين نزلت القوات البريطانية والفرنسية في بورسعيد للاستيلاء على القناة.

فتضامنت الدول العربية مع مصر، حيث نسفت أنابيب البترول في كل من سوريا والمملكة العربية السعودية والبحرين. ورفض الليبيون السماح للبريطانيين بإنزال معداتهم الثقيلة في طرابلس الغرب، واستنكرت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الغزو، فأصدرت قرارا بوقف إطلاق النار، وهدد الاتحاد السوفياتي باستعمال السلاح النووي في حالة عدم إيقاف العدوان. فكانت النتائج انسحاب القوات المعتدية وفشلها في تحقيق أهدافها المتوخاة.

غير أن إسرائيل قد كسبت من وراء هذه الحرب فتح خليج العقبة في وجه سفنها، فساعدها ذلك على ربط وتمتين علاقاتها مع بعض دول شرق وجنوب أفريقيا، وبالتالي انفتاحها على باقي الدول الآسيوية. كما استغلت الولايات المتحدة الأمريكية عودة السلام إلى المنطقة لاحتلال مكانة كل من بريطانيا وفرنسا في هذا المجال الاستراتيجي، فحاولت عن طريق مشروع ايزنهاور تقييد الدول العربية بإبرام اتفاقيات عسكرية واقتصادية معها.

حرب الستة أيام 1967

ابتداء من أبريل 1967 تأزمت العلاقات من جديد بين الدول العربية و إسرائيل. وتجلى ذلك في حادث وقع على الحدود السورية-الإسرائيلية حيث حطم الطيران الإسرائيلي خلاله ست طائرات سورية.

وتحسبا لأي هجوم تلجأ إليه إسرائيل ضد أية دولة عربية، بدأت مصر في تقوية جيوشها بسيناء، ثم قرر جمال عبد الناصر إغلاق مضيق «تيران» في وجه الملاحة الإسرائيلية يوم 22 ماي 1967. ويوم 30 من نفس الشهر، وقعت الأردن على اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر، وجعلت جيشها تحت إشراف القيادة المصرية، ثم انضم العراق إلى هذه الاتفاقية، ودخلت جيوشه الأردن.

وبدأت إسرائيل بالعدوان صباح الخامس من يونيو 1967 حيث هاجمت كافة المطارات العسكرية والمدنية المصرية ثم الأردنية والسورية، واحتلت صحراء سيناء بأكملها وما تبقى من الأراضي الفلسطينية.

وفي مساء اليوم السادس من يونيو، أصدر مجلس الأمن قراره بوقف إطلاق النار الذي احترمته الأردن في اليوم نفسه وسوريا مع مصر في اليوم التالي، غير أن إسرائيل خرقته، فتابعت الهجوم واحتلت مرتفعات الجولان السورية، ولم تقف جيوشها إلا عند القنيطرة شمالا والقناة جنوبا وحدود نهر الأردن شرقا.

حرب أكتوبر 1973

دخل العرب حرب أكتوبر (من 6 إلى 25 أكتوبر 1973) من أجل الانسحاب الإسرائيلي على الأراضي العربية المحتلة سنة 1967. واقتصرت هذه الحرب في البداية على الجبهة السورية (الجولان) والجبهة المصرية (القناة)، ثم توسعت لتشمل جبهة ثالثة على الحدود اللبنانية، حيث كانت ترابط قوات الثورة الفلسطينية، ولتعزز أيضا بوحدات عسكرية عربية من بينها كتيبتان مغربيتان شاركت إحداهما في جبهة الجولان والثانية في جبهة سيناء.

وقد بادرت الدول العربية المنتجة للبترول خلال هذه الحرب إلى نهج خطة حظر البترول على الدول الموالية لإسرائيل، هذه الخطة التي قرر مواصلتها مؤتمر القمة العربي السادس المنعقد في نونبر 1973.

وكان من أبرز نتائج الحرب العربية – الإسرائيلية الرابعة إقامة القوات المصرية رؤوس جسور في الضفة الشرقية للقناة وسيطرتها على حوالي 3000 كيلومتر مربع من أراضي سيناء. في حين سيطر الجيش الإسرائيلي في منطقة الدفرسوار شمال البحيرات الممتدة على مساحة 1000 كيلومتر مربع. كما استطاع على الجبهة السورية خرق خطوطها الدفاعية واحتلال 6000 كيلومتر مربع من جديد. وبذلك تم له فرض سيطرته على كافة أراضي الجولان.

وأدت هذه الحرب بعد بذل المساعي الدبلوماسية إلى توقيع اتفاقية الفصل بين القوات في الجبهة المصرية وأخرى مماثلة مع سوريا، انسحبت على إثرها القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها خلال حرب أكتوبر 1973.

منظمة التحرير الفلسطينية

يمكن تقسيم نضال الشعب الفلسطيني إلى مرحلتين أساسيتين:

1. مرحلة (1948 / 1964)

تجزأت الحركة الوطنية الفلسطينية بعد حرب 1948 إلى ثلاثة أقسام : قسم داخل الأراضي المحتلة الذي واجه القهر العسكري والاضطهاد السياسي والميز العنصري، وقسم بقطاع غزة عارض مشاريع التوطين، ثم قسم ثالث بمخيمات اللاجئين، وقد تحرك فيه الفلسطينيون سياسيا ضمن الطموحات الوطنية في استعادة أرض فلسطين.

وتطور النضال الفلسطيني خلال الخمسينات داخل أقسامه الثلاثة حيث تشكلت الجبهة العربية داخل الأراضي المحتلة وقادت المقاومة بها . كما برزت أشكال متنوعة من التنظيمات الفلسطينية داخل مخيمات اللاجئين المنتشرة بالبلدان العربية المجاورة لتقوم بعمليات فدائية بين الحين والأخر .

وتقوت الحركة الوطنية الفلسطينية، فحرصت مختلف تنظيماتها على إبراز «منظمة التحرير الفلسطينية» والإعلان عن ميلادها سنة 1964. ومرت المنظمة بمرحلة البناء وإقامة المؤسسات لتجسيد الكيان الفلسطيني وتجلى ذلك في نظامها الأساسي حيث نصت مادته الرابعة على:

الفلسطينيون جميعا أعضاء طبيعيون في «منظمة التحرير الفلسطينية»، يؤدون واجبهم في تحرير وطنهم قدر طاقاتهم وكفاءتهم. والشعب الفلسطيني هو القاعدة الكبرى لهذه المنظمة.

ويحدد الميثاق الوطني والنظام الأساسي أشكال العلاقات بين المنظمة والمواطنين. حيث يمثل المجلس الوطني الفلسطيني السلطة التشريعية كما تشكل اللجنة التنفيذية للمنظمة أعلى سلطة تنفيذية.

وأنشأت المنظمة أجهزة سياسية وأخرى إعلامية، وفتحت لها مكاتب في معظم البلدان العربية وبعض البلدان الصديقة، كما أنشأت جيش التحرير وأقرت التجنيد الإجباري ومضاعفة الاهتمام بقوات الفدائيين.

2. مرحلة ما بعد 1964 إلى نهاية الثمانينات

تبنت المنظمة الكفاح المسلح كطريق من أجل انتزاع حقوق الشعب الفلسطيني، فظهرت حركات فلسطينية من أهمها حركة «فتح» بجناحها العسكري «العاصفة»، و «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بقيادة جورج حبش، و «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» بقيادة نايف حواتمه، وحركة المقاومة الإسلامية «حماس» بزعامة الشيخ أحمد ياسين.

ومنذ اندلاع حرب الستة أيام، تصاعد نشاط المقاومة المسلحة. وتعتبر «معركة الكرامة» نقطة تحول في تاريخ العمل الفلسطيني المسلح، حيث تكبدت فيها إسرائيل خسائر فادحة في المعدات والأرواح، كما أعطت حرب أكتوبر 1973 نفسا جديدا للثورة الفلسطينية حيث صعدت من عملياتها ضد الوجود الصهيوني. وتركز نشاطها العسكري خلال هذه الحرب على تنظيم النشاط الفدائي داخل الأراضي المحتلة، وتشكيل جبهة ثالثة من وحداتها العسكرية المرابطة بالجنوب اللبناني.

وتمكنت المنظمة كذلك من صوغ برنامج الحد الأدنى (برنامج النقط العشرة) في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني سنة 1974، والذي يعكس التقاء معظم الآراء المختلفة، فضلا عن تمكينها من إنجاز خطوات أساسية في نفس السنة لتثبيت المنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني باعتراف عربي في مؤتمر القمة العربي السابع المنعقد في الرباط، واعتراف دولي في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وعلى الرغم من هذا الاعتراف الدولي بحق الشعب الفلسطيني فإن الاستفزازات الصهيونية لازالت مستمرة ضد الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية، ومن أبرز مظاهرها الأخيرة، تدهور الوضع في قطاع غزة و “صفقة القرن” التي يستهدف منها تصفية القضية الفلسطينية والمقاومة، بعد أن تبين لإسرائيل أن الشعب الفلسطيني اتخذ طريق النضال الطويل الأمد في اتجاه استعادة حقوقه وكرامته.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق