التاريخ الاوربي

الكشوفات الجغرافية الأوربية الكبرى

دفعت بعض العوامل الاقتصادية والدينية بالأوربيين خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين إلى القيام برحلات بحرية استكشافية، المعروفة بـ الكشوفات الجغرافية، أدت نتائجها إلى إحداث تغييرات عميقة في الميادين السياسية، والاقتصادية والاجتماعية.

ظروف الاستكشافات الأوربية

دوافع الاكتشافات الجغرافية

من نهاية الحروب الصليبية، أخذت التجارة الأوروبية تعاني من عجز لم يكن ذهب السودان يغطي إلا جزء منه. لقد كان الهدف الذي تسعى إليه البرتغال وإسبانيا، هو أن تقيم كل منها علاقة مباشرة مع البلاد المنتجة للذهب والتوابل، وأن تمد من حربها الصليبية ضد الإسلام.

شهدت أوربا بين القرن الحادي عشر، ونهاية القرن الثالث عشر الميلاديين انبعاثا صناعيا وتجاريا هاما، ترتب عنه تزايد عدد التجار ونمو المدن. ومنذ القرن الرابع عشر الميلادي، عرفت أوربا نقصا كبيرة في المعادن الثمينة اللازمة لإنتاج القطع النقدية، وتزايدت حاجة الأوربيين إلى البضائع الأسيوية. وأصبح استيرادها عن طريق الوسطاء، وخاصة الإيطاليين، يُلْحِق بالميزان التجاري الأوربي أكبر الضرر.

فاشتدت رغبة التجار، والقوى التجارية بغرب أوربا في البحث عن طريق بحرية جديدة ومباشرة، توصلهم إلى مواطن إنتاج هذه المواد بأقل كلفة، وتمكنهم من التحكم في مصادر الذهب لإنعاش الاقتصاد الأوربي، وقد تغدت هذه الحوافز لدى البرتغال وإسبانيا على وجه الخصوص بروح صليبية استهدفت شل الحركة التجارية للعالم الإسلامي، وتطويقه لإضعافه، ثم غزوه.

ساعد على تحقيق هذه الأهداف، تطور المعارف الجغرافية، وتقنيات الملاحة البحرية، سواء منها ما أخذه الأوربيون عن العرب. أو ما طوروه بأنفسهم، وهكذا انتشرت بين علمائهم فكرة كروية الأرض، وأصبح من الممكن بالنسبة للأوربيين القيام بالملاحة داخل المحيطات، والوصول إلى الشرق عن طريق الغرب.

كما مكن اختراع الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر من استنساخ الخرائط، وتداول مذكرات الرحالة السابقين مثل ماركو بولو Marco Polo والاستفادة من معلوماتهم، وبذلك توفرت الظروف والشروط المواتية للقيام بالرحلات.

تعود المبادرات الأولى إلى بلدين إيبيريين، استفادا من موقعها الجغرافي، هما البرتغال وإسبانيا، وقد مكنت الرحلات البرتغالية من اكتشاف طريق جديدة مؤدية إلى بلاد التوابل وتَحقَّق الربط البحري المباشر لأول مرة بين غرب أوربا والبلدان الأسيوية الواقعة على سواحل المحيط الهندي على يد فاسكو دي غاما Vasco de Gama، بينها مكنت الرحلات الإسبانية من اكتشاف عالم جديد على ید کریستوف كولومب Christophe Colomb ، والطواف حول الأرض لأول مرة بواسطة رحلة ماجلان Magellan وتأكيد كُرَوِيتَّها، واكتشاف المضيق الذي أصبح يحمل اسمه (مضيق ماجلان)، غير أن هذه الرحلات سرعان ما تحولت إلى عمليات توسعية للسيطرة والتملك.

نتائج الكشوفات الجغرافية

الامبراطوريات الاستعمارية

أغرت الثروات المكتشفة إسبانيا والبرتغال على غزو أجزاء من افريقيا وآسيا والعالم الجديد، وسهلت الأسلحة النارية الإستيلاء عليها، وتدخلت الكنيسة لتقسيم الأراضي المحتلة إلى مناطق نفوذ بين الدولتين بمقتضی معاهدة ثورْديسْلاس في عام 1494م.

وهكذا كون البرتغاليون بين سنتي 1549 م – 1507م امبراطورية استعمارية بحرية ضمَّت محطاتهم التجارية الهامة الواقعة على السواحل، وامتدت على محاور مبادلاتهم، واحتكرت دولتهم منتجاتها وتجارتها، في حين توغلوا داخل البرازيل، ورحلوا زنوج افريقيا لاستغلالهم بها كعبيد في زراعة قصب السكر مبتدئين بذلك تجارة الرقيق.

وتقاطر على داخل قارة أمريكا سيل من الغزاة الإسبان الطامعين في الإثراء السريع، فحطموا بقيادة كورطيس-Cortez بين سنتي 1521م – 1519م حضارة دولة الأزتيك بالمكسيك، وحطموا بقيادة بيسار Pizarre، وألماكْرو Almagro بين سنتي 1536-1532م حضارة دولة الإنكا، وبذلك أقام الإسبان امبراطورية استعمارية قارية، نهبوا ثرواتها، وأبادوا معظم سكانها في الأعمال الشاقة المنجمية والفلاحية، وشرعوا في تهجير الأفارقة إليها لاستعبادهم.

للذين يزعمون أن السكان الهنود همجيون، نقول بأن لهم قرى ومدنا وعواصم وملوكا … ومن المؤكد أن وحشية الإسباني قد تسببت في هلاك اثني عشر مليون من الرجال والنساء والأطفال … في مدة أربعين سنة. وهناك وسيلتان أساسيتان استعملها أولئك الذين يعرفون بالمسيحيين لإبادة هذه الأمم الضعيفة؛ الحرب المدمرة، والإستغلال والإسترقاق. إن السبب الذي جعل المسيحيين يُدمِّرُون هذه الأعداد الكبيرة من البشر هو تعطشهم للذهب، ورغبتهم في جمع الثروات بأسرع ما يمكن …

مترجم عن بارطيلیمې دي لاسْكاساس Barthelemy de Las Casas

التحولات الاقتصادية والاجتماعية

“لقد تضاعف ثمن الخمور والحبوب ثلاث مرات بالنسبة لما كان عليه من مائة سنة … إن السبب … لهذا الغلاء … هو وفرة الذهب والفضة … إن إسبانيا التي تعتمد على فرنسا للتزود بكل ما تحتاج إليه … ستبحث لنا في أقصى الدنيا عن الذهب والفضة والتوابل”

مترجم عن جان بودان Jean Bodin

تدفقت المعادن الثمينة على إيبريا، ففاقت الإنتاج، وألغت وفرتها كل حافز لتطوير الاقتصاد وبالمقابل، زادت من حاجات الإيبيريين، ولذلك تعدی الطلب العرض، وارتفعت الأسعار، وزاد من ذلك تكاثر السكان، کما شجعتهم وفرة النقود على شراء حاجاتهم الكثيرة من بلدان غرب أوربا، وبذلك انتقلت إليها الثروات، وعمها الغلاء بدورها.

وعرفت التجارة توسعا كبيرا، وتحولت طرقها العالمية من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلنتي، فتراجعت القوى المتوسطية الإسلامية والإيطالية، وتطورت الموانيء الأوربية الأطلنتية مثل لشبونة وإشبيلية في البداية، وحين انتقل مركز الثقل الاقتصادي إلى غرب أوربا، ازدهرت مدنها التجارية، وخاصة أنفيرس التي أصبحت أكبر مركز تجاري ومالي بأوربا.

كما أدى التوسع التجاري الأوربي إلى اغتناء كبار التجار، وازدياد أهمية ومكانة أصحاب البنوك، فنمت طبقة البرجوازية التجارية الصاعدة، وتقوث بما تراکم لديها من رؤوس أموال، في حين بدأت الفيودالية التي ظلت تعيش على موارد أراضيها تتقهقر نتيجة للغلاء وثبات مداخيلها.

“من المعروف والمؤكد أنه بدون مساعدتي، لم يكن بمقدور جلالتكم أن تعتلوا العرش .. وهذا ما أستطيع أن أثبته بواسطة خطوط يد مبعوثي جلالتكم …”

من رسالة البنكي الألماني يعقوب فوكر Fugger إلى الامبراطور کارلوس الخامس Charles Quint

وهكذا مكنت حركة الاستكشاف من تأسيس أولى الامبراطوريات الاستعمارية في العصر الحديث، وساهمت في تطور الاقتصاد الأوربي، کہا مهدت لقيام دول أوربية أخرى بمزاحمة الإيبيريين في ميدان الاستكشاف والتوسع، وبذلك ساعدت على الشروع في الانتقال من مرحلة الفيودالية إلى مرحلة جديدة هي الرأسمالية التجارية.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق