التراث

اللهجة المغربية الدارجة.. رمز العبقرية المغربية

وصلت اللغة العربية إلى المغرب في ركاب الإسلام، لذلك حظيت بمكانة متميزة لدى الأمازيغ الذين اعتنقوا دين محمد، لكنهم حافظوا على لكنتهم أو ما درجوا عليه.

اقرأ في هذا المقال
  • اللهجة المغربية: كلمات عربية والتركيب أمازيغي
  • الدارجة المغربية والمؤثرات أندلسية
  • تعرب المغرب ببطء
  • الدارجة المغربية وانبعاث الثقافات الشعبية

انسلخت اللغة العربية منذ فجر الإسلام عن وضعها كلغة قبيلة أو قوم، كي تصبح لغة حضارة. وضعها ذلك سمح لها أن تتعايش مع لغات عدة في دائرة الحضارة الإسلامية، مع المجموعات غير العربية أو العجم، الذين حافظوا في مستوى التخاطب اليومي على لغاتهم الأصلية، أو مرحليا، حسب العصور. اصطبغت اللغة العربية بالطابع المحلي، فكانت هناك لهجات أو ألسن، لكن تلك الألسن التي كانت أدوات التخاطب لم تكن قط لغة كتابة. لذلك تعايشت اللغة العربية مع تلك المتنوعات. كانت تسمى بلسان العوام، أو العامية، أو ما درج الناس عليه في التخاطب، أي ما اعتادوا عليه، مما أعطى كلمة دارجة “الدارجة المغربية”.

إلا أن اللغة العربية كانت تحظى في دائرة الإسلام بمكانة متميزة، بصفتها لغة القرآن والعلوم، بخاصة في العصر العباسي، أو بالأندلس حتى العهود العثمانية حيث أخذت مكانة اللغة العربية تضمحل، ودخلت فيما يسمى بالانحطاط.

اللهجة المغربية: كلمات عربية والتركيب أمازيغي

جاءت اللغة العربية بلاد المغرب في ركاب الإسلام، وأخذ المغاربة، أو البربر، بتعبير ذلك العصر، يتعلمونها، لأنها لغة الدين الذي ارتضوه، ولغة الحضارة التي اندرجوا فيها. لم ينطع النطق لهم، فحافظوا على لكنتهم، كما يحصل لكل متعلم للغة أجنبية حينما يتعلمها على الكبر، ومنها أنهم يبدؤون الكلمات بسكون، وهو ما لا يستقيم في اللغة العربية، ومنها القول المأثور لا تبدأ العربية بسكون ولا تنتهي بحركة، وحافظوا على معجمهم القديم حيث لا يوجد مقابل باللغة العربية أو لما أنسوا به.

ولكن الأهم هو أنهم حافظوا على بنية اللغة الأمازيغية، ولو تكلموا بالعربية، ولذلك تكاد الدارجة المغربية إلى اليوم أن تكون عربية من حيث المعجم، أمازيغية من حيث التركيب. فلنحاول مثلا أن ننقل بعضا من التعابير السارية إلى اللغة العربية، أو أن نحدث بها عربيا فهل سيفهم عنا بعضا من كلمات اللهجة أو الدارجة المغربية مثل:

« كاين البرد، جاء معك هذاك السروال، طلع لي في الراس، أداني النعاس، تابعني الطريق، اللحم أخضر، كيدي ليه، واحد الرجل، جوج مرات، جاب لي الله، عروس الشتاء، عرس الذيب … »

كلمات الدارجة المغربية

كلها تعابير أمازيغية هي ترجمة حرفية إلى اللغة العربية.

أما في المعجم، فالكلمات الأمازيغية التي نتداولها ونحسبها عربية، أكبر من أن تعد، حتى لا يخطر لنا على بال أنها غير عربية مثل سيفط، يسوط (الريح كيسوط)، مكفس ( أكفوس، السخام)، مكرفس (من إيكرف، ربط)، دركلها (أساء العمل، من أدرغال، الكليل البصر)، المزوار (النقيب، من أمزوارو، الأول)، التفايا (من تيفيي، اللحم)، زكل (فوّت)، كيدمير (من إيدمر، الصدر)، التبوريشة (القشعريرة)، برهوش (جرو) وهلم جرا …

وما يزال التعبير على المهن أمازيغ التركيب : تنجارت ، تحددات ، تبنايت ، تدلاكت ، إذ الكلمات كلها عربية، والتركيب أمازيغي.

تعرب المغرب ببطء

كان للغة العربية وضع اعتباري طبعا، لأنها لغة القرآن، وكذلك لأنها لغة حضارة، لغة الآداب والعلوم والإدارة، وكان طبيعيا لمن يريد الارتقاء الاجتماعي أن يتعلمها، في مرحلة أولى، ولربما أن يزعم في مرحلة ثانية أصولا عربية.

أما على مستوى الحياة فقد تعايشت الدارجة المغربية والأمازيغية ولم ترقيا لكي تكونا لغتين للكتابة، إلا فيما ندر.

كان أقدم نص بلغنا بالدارجة هو ملعبة الكفيف الزرهوني في القرن الثالث عشر الميلادي والتي أرّخ فيها صاحبها باللسان العامي، أو الدارج لحرْكة السلطان المريني أبي الحسن. ويبرز جليا أن الدارجة المغربية تطورت، إذ يعسر علينا أن نفهم كثيرا من تلك الملحمة بالنظر لمعجم اندثر، مع تأثير واضح للسان الزناتي.

ستعرف الدارجة طفرة مع نوع من الإبداع سيأتي في ركاب هجرة عرب بني معقل في القرن الرابع عشر الميلادي والذين استقروا في جنوب المغرب. أبدع هؤلاء شعرا قريبا من اللغة العربية ولكنه لا يخضع لقواعد النحو، أو ما يسمى باللحن، إذ لحن تعني لم يستقم قوله ومن ثمة لم يحترم قواعد اللغة العربية، وسمي هذا الشعر بالملحون.

ظهر بتافيلالت، وانتقل بعدها إلى الحواضر الكبرى، بفاس ومكناس ومراكش وسلا وأصبح بعدها أحد أهم تعبيرات الشخصية المغربية. كان شعرا مغني ولم يعرف التدوين إلا مؤخرا.

من العسير أن نسميه شعرا دارجا، إلا إذا اعتبرناه كذلك لأنه ليس باللغة العربية الفصيحة. كان ألصق بالحياة، ولكنه كان يفترض وما يزال الإحاطة بلغة عالمة، تمتح من قاموس اللغة العربية، وتراثها الشعري، ويعسر على من ليس له ثقافة عربية أن ينفذ إلى مضمون شعر الملحون.

الدارجة المغربية والمؤثرات أندلسية

انسلخ فرع من بني معقل، وهم بنو حسان، ليرسموا تجربة فريدة، في لسان تخاطب يرتبط بالمعجم العربي وينبني مع البنية القائمة لقبائل صنهاجة الأمازيغية فيما سيعرف بالحسانية. بقيت مخلفات من المعجم الأمازيغي، ومنها الأرجاز المستعملة إلى الآن وتعني الرجل (أرجاز ، أركاز)، ومنها تراكيب أمازيغية، مثل تساسويت (التعبير أمازيغي، والمادة عربية، من السوء)، وما يزال إبدال الغين قافا قائما في اللسان الحساني، مما يحمل أثر الأمازيغية حيث يقلب حرف العين قانا.

الدارجة-المغربية-كلمات-أمثال-شعبية
الدارجة المغربية: مثل شعبي مغربي حساني

وقبل ذلك، أخذت كثير من الأسر الأندلسية تنزح إلى المغرب، بعد هزيمة العقاب سنة 1212. حمل أصحابها معهم عوائدهم وثقافتهم ولسانهم، منها تعابير أصبحت شائعة ولم تعد قصرا على الأندلسيين، من قبيل حرف الوصل “ديال” من القشتالية del (على خلاف قبائل بني معقل التي تستعمل نتاع)، فابور، طارما (الصوان)، شلية (الكرسي)، تعايلي ( يبدو لي، على خلاف مناطق عدة تستعمل تعابير مثل جاب لي الله ..)

وكان طبعا من المؤثرات الكبرى هي غناء الأندلسيين أو موسيقي الآلة، وما حملته من موشحات للغة انسلخت عن “ديكتات” اللغة العربية، من حيث قواعد النحو والصرف، أو الأوزان الشعرية.

وحدث تطور خفي، على مستوى المكتوب، هذه المرة، في المراسلات المخزنية. ظلت تلك المراسلات تحترم قواعد الصرف والنحو في الغالب، ولكنها لم تسلم من تعابير محلية، إذ كان الكتبة يجدون في الدارجة المغربية الوسيلة الأدق للتعبير عما يريدون، أو أحيانا لعدم امتلاكهم لناصية اللغة العربية.

ظلت اللغة العربية تحظى رغم ذلك بمكانة خاصة بالنظر إلى حمولتها الدينية. ومن الطريف مما أثبته كثير من الباحثين، أن كثيرا من كبار العلماء المغاربة ممن كانوا يعرفون قواعد اللغة العربية، ويحفظون أشعارها كانوا لا يستطيعون الحديث بها، وكانوا حين يحجون يعجبون ممن ينطق بها من علماء المشرق.

وتغير وضع اللغة العربية مع الاستعمار، لم تعد اللغة العربية لغة الحضارة، أو لغة المعرفة. ولم تكن من منظور المستعمر، سواء الإسباني أو الفرنسي، لغة تحظى بقداسة. عُني الدارسون الغربيون بلغات التخاطب سواء تعبيرات الأمازيغية أو الدارجة المغربية، لأنها لغات التخاطب والحياة. إلا أنه من وجهة الحركة الوطنية كانت اللغة العربية إحدى وسائل المقاومة ضد الهيمنة الغربية والتعبير عن “الهوية ” وناصبت الحركة الوطنية العداء كلا من اللهجة المغربية والأمازيغية.

الدارجة المغربية وانبعاث الثقافات الشعبية

لم يكن واردا بعد الاستقلال الاعتراف بالتعبيرات المحلية، ولو أن الموضوعية تقتضي أن واحدا من أقطاب الحركة الوطنية كان سباقا للاهتمام بالتراث الشعبي وهو محمد الفاسي، ولعل تتلمذه على يد ليفي بروفانسال شحذ اهتمامه بالتراث الشعبي المغربي، من ملحون، وعروبيات (رباعيات)، وأمازيغية … إلا أن الاتجاه الغالب ظل يتوجس من كل التعابير الشعبية التي كان ينظر لها كمخلفات من الاستعمار، وأحد أدواته لإضعاف اللغة العربية، وظلت “العروبة” أحد مقومات الخطاب الرسمي، وسابقة حتى على الإسلام ! إذ كانت أواصر العروبة تُقدم على الإسلام، ومنها ما كان يتردد عن الملك الراحل محمد الخامس “فقيد العروبة والإسلام”.

اهتزت كثير من اليقينيات بعد هزيمة مصر لسنة 1967. وتأثر المغرب بمد خطاب الحركة الشعبية لتحرير فلسطين، ودعوته إلى أن تحرير العواصم العربية شرط أساسي لتحرير فلسطين، وأن من أجل تحرير الشعوب العربية ينبغي تحرير ثقافتها، عوض إبقاء ثقافة جامدة بلغة محجرة.

أخذت الثقافات الشعبية تنبعث، وأصبحت الدارجة المغربية ليس أداة للتواصل ولا لحفظ الذاكرة فحسب، بل رافعة للتغير إن لم نقل ثورية. و كان من التعبيرات هذا التوجه الجديد في الغناء ناس الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب، ثم في المسرح مع مسرح الناس للطيب الصديقي، ومسرح الشعب مع عبد الصمد الكنفاوي، وشعر العيطة في فترة لاحقة.

ويمكن أن ندرج كذلك في هذا المد تجربتي كل من فرقتي أوسمان ( البرق ) وإزنزارن (أشعة الشمس) الأمازيغيتين.

وانكفأت تلك التجارب، كما انكفأ الاهتمام بالدارجة، أو رد الاعتبار لها، حتى سقوط حائط برلين، في إطار الاهتمام بالتعدد الثقافي، والنأي عن أي نمطية سواء لدى خطاب الحركة الوطنية، أو الدولة التي كانت متأثرة بالنموذج الفرنسي الأحادي المعروف باليعقوبية.

بدأ الاهتمام بالتراث الشعبي من جديد في سياق جديد. لا بد أن نشير هنا إلى جانب مهم، وهو جمع كل من الأمثال وكذا القصص والأحاجي، ومنها العمل الجبار الذي قام به الحسين بن عبد الله عن الأمثال الشعبية المغربية.

وكان من النتائج هذا الاهتمام، تحول الخطاب فيما يخص الدارجة، ليس كإحدى وسائل التعبير، ولكن باعتبارها اللسان المعبر عن “الهوية” المغربية. بدأ ذلك الخطاب مستترا، ثم أخذ يتقوى، ويستقوي من روافد عدة. أخذ يغزو الفضاء العام في لوحات الإشهار، وانتقل أحيانا من الكتابة بالحرف العربي إلى الحرف اللاتيني. أخذ هذا الاتجاه يقطع صلة الدارجة مع اللغة العربية، في الرسم والإملاء (متاجر نتقداو بالدال، وكان من المفترض أن تكتب بالضاد من قضى حاجة أو الغرض)، أو يرتبط بتعابير فرنسية، مثل أجي نتكونكتاو، زوميت عليه.

لا جدال أن الدارجة جزء من الذاكرة الجمعية، ومن الضروري معرفة ما تختزن، وهي تعبير عن العبقرية المغربية، ولغة الحياة. ينبغي معرفتها وصونها مثلما ينبغي مواكبتها، لكي ترتقي لا لكي تسف. ولا شيء يرتقي بالأمم مثل العلم، بعيدا عن الإيديولوجيا وتوظيفاتها الممكنة. فالمعرفة من دون حُكم (أو انخراط) لا تفيد، كما يقول كونفشييوس، والحُكم من دون معرفة جريمة.

بواسطة
حسن أوريد
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق