التاريخ المغاربيتاريخ الجزائرتاريخ المغرب

الجزائر والمغرب.. كفاح مشترك من أجل الاستقلال

ترمي هذه المقالة الوقوف على جانب من هذا التاريخ المشترك لكل من البلدين الشقيقين -المغرب والجزائر-، وكفاحها المشترك في سبيل التحرر من ربقة الاستعمار الفرنسي خلال القرن العشرين، عن طريق إبراز بعض تمظهراته، فالقضية تحتاج لأقلام عديدة تنتج مجلدات كثيرة تتولى تقديم إنتاج تاريخي رصين يدرس للأجيال المتعاقبة من أجل الوقوف على مدى عمق الروابط وأواصر الأخوة المغاربية التي جمعت بين المغاربة والجزائريين خلال محطات تاريخية متعددة، وبالتالي المساهمة في توثيق الذاكرة التاريخية المشتركة بين البلدين الشقيقين.

إذا كانت الدول الامبريالية قد احتاجت مضطرة في إطار مد هيمنتها الاستعمارية على مجموعة من مناطق العالم للتساند مع بعضها البعض لتثبيت قبضتها الاستعمارية الفولاذية، فإن التاريخ يسجل أن الدول المستعمَرة بالمقابل قد اتخدت بعفوية وتلقائية مستجيبة لتطلعات وآمال شعوبها في التحرر، وتقويض أركان الاستعمار الذي خضعت له كل دولة منها على حدة ولمدة ليست باليسيرة، مدة كانت كافية ليخلف الاستعمار تأثيرا سلبيا على كافة قطاعاتها الاقتصادية والاجتماعية بل انعكست تأثيراته حتى على مستوى تطورها السياسي من جهة، وليفرز حرکات استقلالية تحررية منبثقة من الإرادة الشعبية ذات سمات مشتركة، وبرامج موحدة، كافحت بكافة الطرق والوسائل من أجل التحرر من ربقة الاستعمار من جهة أخرى.

ويقدم لنا المغرب والجزائر في هذا الصدد نموذجا حيا لهذا الكفاح المشترك الذي اخترق بلاد المغارب، وهو نموذج يحكي تاريخ شعبين جارين شقيقين جمعت بينهما روابط متعددة يصعب استحضارها كلها، من بينها على سبيل المثال لا الحصر روابط جغرافية، تاريخية، دينية؛ لغوية؛ ثقافية؛ حضارية؛ اقتصادية واجتماعية، وانصهرا معا في فترات تاريخية حاسمة من أجل الدفاع عن وحدة وجودهما وعن استقلالها، غير معترفين بالحدود الجغرافية، ولا بالإملاءات السياسية، فآمالهما في التعاون والتساند والتنسيق في مواجهة ظلم المستعمر وجبروته كانت أكبر من أية حسابات سياسية ضيقة أخرى، وقد تطور الأمر بين الطرفين أحيانا كثيرة لاعتبار قضية أحدهما هي قضية الآخر بدون أية مزایدات سياسية.

فما هي بعض تجليات الكفاح المشترك الذي جمع بين الحركات التحررية في كل من المغرب والجزائر في سبيل التخلص من الاستعمار الفرنسي؟

الاستعمار الفرنسي: دافع لتمتين الروابط بين البلدين

إن الإجابة عن التساؤل أعلاه تتطلب منا العودة ولو قليلا للوقوف على جذور كفاح الشعبين المغربي والجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، فهذا الجذور تعود للقرن التاسع عشر، وبالضبط منذ أن وطئت قدم الفرنسيين أرض الجزائر لاحتلالها سنة 1830م.

إذ أفرز هذا الاحتلال أثرا قویا اهتزت له المشارق والمغارب، واعتبره المغاربة من المصائب الكبرى التي حلّت بالجارة الجزائرية، ويبرز لنا الأرشيف المخزني في هذا الصدد أن السلطان عبد الرحمان بن هشام اعتبرها فاجعة کبری، حيث راسل عامله بتطوان عبد القادر أشعاش برسالة جاء فيها ما يلي :

“وبعد وصلنا كتابك صحبة كتاب ابن عليل في شأن الواقعة التي ساءت للإسلام والمسلمين، وأدمت عيون أهل التقوى والدين من استيلاء عدو الله الفرنسيين على ثغر الجزائر … إنا لله وإنا إليه راجعون”

ليلعب المغرب على المستوى الرسمي والشعبي منذ تلك الفترة دورا هاما في دعم الثورة الجزائرية، انطلاقا من اقتناعه الأكيد بضرورة الوقوف إلى جانب الشعب الجزائري في كفاحه ضد الاستعمار الفرنسي، وتجسد هذا الموقف عبر دعم الثورة الجزائرية بكافة الوسائل المعنوية والمادية، بل تطور الأمر إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الطرفين المغربي والفرنسي عرفت بـ “حرب إيسلي”، كان من نتائجها إلحاق الهزيمة بالمغرب بتاریخ 14 غشت 1844م، وهي هزيمة أجمع المؤرخون على كونها كانت بمثابة انعكاس مباشر للالتزام الذي عبر عنه المغرب بدعم الثورة الجزائرية وزعيمها عبد القادر الجزائري.

ولن نقف كثيرا عند هذه المحطة التاريخية باعتبارها مفصلة في العديد من المصادر والمراجع التاريخية التي تؤرخ للدعم المغربي للثورة الجزائرية في القرن التاسع عشر، بقدر ما يلزم منا الأمر ضرورة الإشارة لكون استحضارنا لهذا الدعم يأتي في سياق إبراز أن قضية الاحتلال الفرنسي للجزائر هي قضية كانت تتجاوز منذ البداية حدود الدولة الواحدة، واعتبرت قضية مشتركة، بالنظر للسياق العام الذي أفرزه استعمار دول العالم العربي.

وهو مؤشر كذلك على أن كفاح الشعبين المغربي والجزائري منذ النشأة هو كفاح واحد ضد عدو واحد، وهو ما يجعلنا بالتالي لا نستغرب التنسيق الكبير الذي نشأ بين الحركات الوطنية المغربية والجزائرية، عندما أبى التاريخ إلا أن يجمع بين وحدة المستعمر كذلك عندما فرضت على المغرب الحماية سنة 1912م، ليجد البلدان معا نفسيها تحت سيطرة نفس المستعمر، وهو ما يذهب بنا كذلك لاعتبار أن هذه المسألة كانت من بين أبرز العوامل وراء محاولة توحيد الحركات الوطنية في البلدين لتحركاتها على كافة الأصعدة، ودفعتها للتنسيق معا لمواجهة الاستعمار الفرنسي الغاشم الذي عمل على استنزافها في كافة المجالات.

ونتيجة لهذه الرؤية نجد الوطنيين في كل من المغرب والجزائر يضعون صوب أعينهم تنسيق العمل المشترك في إطار قضية تتجاوز الحدود الجغرافية لتصل لمستوى خدمة القضايا العربية، ونستحضر في هذا الإطار على سبيل المثال أن العديد من الوطنيين المغاربة جندوا أقلامهم لخدمة هذه القضايا كعبد الله كنون الذي كان مهتما بما يجري في الساحة العربية، وبقية أقطار المغرب الكبير والذي اعتبر أن كفاح الشعوب العربية هو كفاح واحد ضد عدو واحد.

ومن هنا جاءت اتصالاته الوثيقة مع قادة الحركة الوطنية في الجزائر، إذ في إطار هذا التنسيق توصل برسائل من جمعية نجم الشمال الإفريقي تحيطه علما ببرامجها النضالية وأهدافها، وهو ما يبرز لنا أن القادة الوطنيين في البلدين كانوا على اتصال فيما بينهم بغية تمتين الروابط والتضامن لمواجهة الأطماع الاستعمارية من أجل هدف وحيد وهو التحرر من الاستعمار.

مكتب المغرب العربي في مصر

لقد ظلت الحركات الوطنية المغاربية في كل من المغرب والجزائر إضافة إلى تونس تتطور في أطوار التنسيق والتوحيد المختلفة، حتى تكون مكتب المغرب العربي في فبراير 1947م الذي يعتبر من أكبر المظاهر المعبرة عن رغبة أبناء المغرب في التعاون على تحرير أوطانهم التي توحد بينها اللغة والدين والجنس والتاريخ والجغرافيا ووحدة المستعمر والآمال في التحرر منه، ولقد وصى مؤتمر المغرب العربي المنعقد بالقاهرة في الفقرة “ب” من المادة الثانية من فصل تنسيق الحركات الوطنية على “تكوين لجنة دائمة من رجال الحركات الوطنية مهمتها توحيد الخطط وتنسيق العمل لكفاح مشترك”.

وقد كانت مهمة المكتب الأساسية تقوم على إذاعة الأخبار السياسية عن البلاد المغاربية، ونشر قضيتها في الشرق الأوسط، ونشر الكتب عن هذه البلاد، إضافة لربط الاتصالات مع الوطنيين العرب.

وقد تمخض عن هذا المكتب تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي فعلا بتاريخ 5 يناير 1948م، وتولى الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي تلاوة البيان الذي يدشن تأسيس هذه اللجنة، وقد جاء فيه ما يلي :

“منذ أن من الله علينا بإطلاق سراحنا، والتجائنا إلى ساحة الفاروق العظيم، ونحن نواصل السعي إلى جمع كلمة الزعماء، وتحقيق الائتلاف بين الأحزاب الاستقلالية في كل من مراكش والجزائر وتونس، بقصد مواصلة الكفاح في جبهة واحدة لتخليص البلاد من ربقة الاستعمار.

وفي هذا الوقت الذي تعمل فيه الشعوب على تطمين مستقبلها، وتتطلع فيه أقطار المغرب العربي إلى استرجاع استقلالها المغصوب، وحريتها المضاعة، يتحتم على جميع زعماء المغرب أن يتحدوا، وعلى كافة الأحزاب الاستقلالية أن تتآلف وتتساند، إذ أن هذا هو الطريق الوحيد الذي سيوصلنا إلى تحقيق غاياتنا وإدراك أمانينا.

وإذا كانت الدول الاستعمارية على باطلها تحتاج إلى التساند والتعاضد لتثبيت سيطرتها الاستعمارية، فنحن أحوج إلى الاتحاد و أحق به من أجل إحقاق الحق، وتقويض أركان الاستعمار الغاشم الذي كان نكبة علينا، ففرق كلمتنا وجزأ بلادنا، وابتز خيراتنا واستحوذ على مقاليد أمورنا، ووقف حجر عثرة في سبيل تقدمنا ورقينا، ثم حاول بكل الوسائل أن يقضي على جميع مقوماتنا كأمة عربية مسلمة.

ويسرني أن أعلن أن جميع الذين خابرتهم في هذا الموضوع من رؤساء الأحزاب المغربية ومندوبيها بالقاهرة، قد أظهروا اقتناعهم بهذه الدعوة، واستجابتهم لتحقيقها، وإيمانهم بفائدتها في تقوية الجهود وتحقيق الاستقلال المنشود.

ولقد كانت الفترة التي قطعناها في الدعوة للإتلاف خير وبركة على هذه البلاد، فاتفقت مع الرؤساء ومندوبي الأحزاب الذين خابرتهم على تكوين لجنة تحرير المغرب العربي.

وأكد الميثاق في خاتمته على الأحزاب التي وافقت عليه، وفي مقدمتها حزب الشعب الجزائري، حزب الوحدة المغربية، حزب الإصلاح الوطني، حزب الشوری والاستقلال وحزب الاستقلال.

وعلى إثر هذه الخطوة الهامة التي اتخذتها الأحزاب السياسية المغاربية بكونها تشكل خطورة كبيرة على وجودها الاستعماري، لأنها ربطت النضال المشترك بين هاته الدول برباط قوي، جسد أداة عملية للنضال المشترك ولقد نبهت الصحافة الفرنسية لخطورة تأسيس مكتب المغرب العربي، وكتبت صحف فرنسا آنذاك مقالات خاصة تتطرق فيها خطورة هذا المكتب، كمجلة “فرنسا” التي نشرت عددا خاصا عن المغرب، وفيه فصل خاص بمكتب المغرب العربي قالت فيه :

“لقد تأسس المكتب المغربي للقضاء على مصالح فرنسا في شمال إفريقيا، وهو مكتب يتلقى التعاليم من الأحزاب الاستقلالية في تونس والجزائر والمغرب … إن مكتب المغرب العربي يزعم أن من حقه استنادا إلى هذه الأحزاب أن يضع أسس مستقبل تونس والجزائر والمغرب، أما في الحقيقة فإن المكتب امتداد للجامعة العربية”

الجزائر والمغرب: الكفاح الموحد بين الشعبين الشقيقين

وقد قدم المكتب خدمات مهمة في إطار التنسيق بين الحركات الوطنية، إذ نذكر في هذا الإطار أن علال الفاسي التقى في هذا المكتب نخبة من الشباب الجزائريين سنة 1952م، الفارين من السلطات الاستعمارية، کما تجدد فيه اللقاء بأحمد بن بلة في 1953 بهدف التهيء للقيام بعمل عسكري موحد في المغرب والجزائر، وتعتبر هذه السنة سنة مصيرية بالنسبة للحركة الوطنية في البلدين، إذ سجلت تدشين طور نضالي جديد أساسه الكفاح المسلح، حيث أصبح البحث عن الأسلحة وتنظيم المقاومة المسلحة في مقدمة أولويات المرحلة لدى المغاربة و الجزائريين على السواء.

جيش تحرير المغرب العربي

وهنا تقدم منطقة شمال المغرب نفسها كقاعدة أساسية للمقاومة المغربية والجزائرية، وقد أصبحت المنطقة الخليفية لاعتبارات متعددة مأوى للاجئين المغاربة والجزائريين، ومنذ حلول محمد بوضياف والعربي المهيدي، وهما من أبرز مؤسسي جبهة التحرير الوطني لأول مرة بتطوان وربطها علاقات مع المقاومة المغربية بدا التنسيق الفعلي لتأسيس جيش تحرير المغرب العربي.

وقد بعث محمد بوضياف رسالة لمحمد حمو الإدريسي، أكد له من خلالها أن علاقة المقاومة المغربية والجزائرية قد مرت بثلاث محطات كبرى منذ شهر غشت من سنة 1954 الذي شهد أول لقاء بين اللجنة الثورية للاتحاد والعمل من جهة، والمقاومة المغربية من جهة أخرى، ووضح في رسالته أهداف اللقاء الأول الذي انطلق من وجدة للناظور ثم مدينة تطوان، والذي تتجلى في ربط الاتصال والتعاون مع “إخواننا المقاومين المغاربة لتوطيد العمل الثوري، وتوسيع رقعته في القطرين الشقيقين”، في حين أن اللقاء الثاني اتخذ من تطوان مكانا له بتاريخ فاتح نونبر من سنة 1954م، فاستهدف هو الآخر تقوية الصلة بين الإخوان المغاربة والجزائريين وربط الاتصال بداخل الجزائر والبحث عن السلاح، في حين حقق اللقاء الثالث في مدينة الناظور مستهدفا إيجاد مكان مناسب لإنزال السلاح، والقيام بتوزيعه على المقاومين المغاربة والجزائريين.

وهكذا واصل مكتب المغرب العربي عمله، ومنه خرجت القرارات بإنشاء جيش التحرير بالمغرب وبالجزائر، واستمر في عمله حتى استقل المغرب وتونس سنة 1956م، ثم اقتصر على العمل من أجل الجزائر حتى استقلت سنة 1962م.

ولعل أهم عمل يمكن أن يسجل في صفحات المكتب أنه بلور فكرة المغرب العربي، وربط النضال المشترك بين كل من المغرب والجزائر موضوع هذه الدراسة برباط قوي، وإذا كانت جمعية طلبة شمال إفريقيا في باريس، والصلات التي تولدت داخل الأقطار المغربية من قبل قد أبرزت الوعي بالوحدة، فإن المكتب كان أداة عملية لنضال مشترك، ويكفي أن نعرف أن جيش التحرير الجزائري وجيش التحرير المغربي تكونا داخل المكتب، ومنه صدر البلاغ الأول لعمليات حرب التحرير الجزائرية في نونبر 1954م، والبلاغ الأول لعملية جيش التحرير المغربي في أكتوبر 1955م، وهو كان لإبراز الدور الفعال الذي لعبه مكتب المغرب العربي في بلورة فكرة الوحدة والكفاح وقد تجسد التنسيق بين الطرفين بهذا الصدد في تأسيس “لجنة التنسيق جيش تحرير المغرب العربي” بتطوان، وضمت اللجنة كل من عبد الكريم الخطيب، حسن صنيا الدين، سعيد بونعيلات، الغالي العراقي، عبد الرحمان اليوسفي، وحسين برادة ممثلين للجانب المغربي، في حين مثل الجانب الجزائري من طرف كل من محمد بوضياف، أحمد بن بلة، محمد خيضر، وقد تفرعت عنها لجنة محلية اتخذت من مدينة الناظور مقرا لها.

وفي هذا الإطار نستحضر شهادة عبد الرحمان عبد الله الصنهاجي في مذكراته في تاريخ حركة المقاومة، حيث يؤكد أنه بتاريخ 6 يونيو من سنة 1955م توجه لمدينة الناظور المغربية في إطار جولة استطلاعية، بهدف إيجاد مركز لتكوين جيش التحرير، وبعد التحاق أفراد جزائريين تم تأسيس هذه اللجنة، إذ يشير لذلك بمذكراته في هذا الصدد قائلا :

” ذهبت يوم 6 يونيو 1955م لمدينة الناظور لجولة استطلاعية، وبعدما التحق بنا … الأخوان الجزائريان، وهما العربي بن المهيدي المعروف وقتذاك باسم أحمد بن عبد القادر الوجدي، ويلقب بالصادق، وحمد بوضياف المعروف بعلي الدرايدي، كوننا فيها بيننا لجنة سميناها لجنة التنسيق لجيش تحرير المغرب العربي، ووضعنا لها ميثاقا أساسيا صادقنا عليه من الطرفين بالإجماع..”

وبمقتضى هذا الاتفاق، انتخبت اللجنة كاتبا لها وهو عباس المسعدي، وأمينها وهو محمد بوضياف، ونظرا لاهتمامنا باستقلال القطر الجزائري الشقيق الذي نعتبره جزءا من المغرب الكبير، وتقديرا منا للمجهود الذي بذلته مجموعة من الإخوان الجزائريين في القاهرة، وعلى رأسهم الأخ أحمد بن بلة، وخاصة من أجل توصلنا بالأسلحة، قررنا أن نجعل تعهدا مكتوبا بيننا فيما يخص كل ما وصل ويصل إلى أيدينا من السلاح والذخيرة، والمال يأخذ منه إخواننا الجزائريون الثلثين، ونأخذ منه نحن المغاربة الثلث. ومساعدتهم بالرجال على نقل نصيبهم من الأسلحة والذخيرة الحربية من الجهة الشمالية الشرقية المغربية إلى داخل القطر الجزائري وقد قمنا بتعهدنا هذا بالفعل وعلى أحسن الأحوال غداة اندلاع الثورة الجزائرية ضد الاستعمار من أجل الإستقلال.

وتكونت مدرسة لتكوين الجنود بعرصة الرهوي قرب مدينة تطوان تحت رئاسة الجزائري نادر بوزار، خضع فيها المقاومون المغاربة والجزائريون على السواء لتدريب عسکري محكم في إطار حرب العصابات، كما استفادت المقاومة من خدمات المناضل العربي بن المهيدي الذي ساهم بدوره في تدريب العديد من الجنود بمركز الناظور، بعدما كانوا يقضون شهورا في منطقة تمسان، وهي تبعد قرابة 70 كلم غرب مدينة الناظور، أو بزايو قرب ملوية ليصبحوا بعد تلقيهم لهذا التكوين من عناصر جيش التحرير.

واشتغلت الحركات الوطنية بتنسيق باهر تجلى في عدة أوجه کالاتفاق الذي تم بين الوطنيين المغاربة والجزائريين على إعلان الثورة في يوم واحد بالريف في المغرب، وفي وهران بالجزائر في أول دقيقة من يوم فاتح أكتوبر من سنة 1955م، بعد التمكن من توفير أسلحة عبر عدة عمليات مشتركة، لتدشن مرحلة جديدة كذلك من المقاومة بأليات جديدة عبرت عن كفاح مشترك بين الوطنيين المغاربة والجزائريين ضد المستعمر الفرنسي.

وهكذا أعلن علال الفاسي البلاغ الأول من القاهرة يوم 13 أكتوبر والذي ابتدأ هكذا :

بعد آیتین کريمتين، بتوفيق من الله افتتح جيش التحرير المكون من مجموع الحركات الفدائية في جميع أقطار الشمال الافريقي باكورة كفاحه بالعمليات المشتركة، والقيادة المشتركة لجيش التحرير التي هي من صفوف المكافحين والمجاهدين والممثلين الحقيقيين لأفراد الحركات الوطنية الفدائية في داخل البلاد… تعلن للعالم أجمع عن أهدافها الآتية :

  1. الكفاح حتى النهاية في سبيل الاستقلال التام لأقطار المغرب العربي، مع عودة سلطان المغرب الشرعي إلى عرشه بالرباط.
  2. عدم التقيد بأية اتفاقيات عقدت أو تعقد مستقبلا لا تحقق الهدف الأول كاملا.
  3. اعتبار كل مواطن ينادي بخلاف ما ذکر خارجا على ما أجمعت عليه البلاد والحركات الوطنية الفدائية. ويعلن جيش التحرير للشعب أنه بحمد الله لديه الإمكانيات الكافية لاستمرار الكفاح حتى يحقق أهدافه كاملة غير منقوصة.

أكد البلاغ للمواطنين بأن الهدف الأكبر هو القضاء على قوات الاستعمار الفرنسي في جميع صوره، وأهاب بالمواطنين ألا يتشبهوا بالمستعمرين في الاعتداء على الأطفال والنساء والعجزة تمشيا مع مبادئ ديننا الحنيف. أمضى البلاغ : جيش تحرير المغرب العربي (حركة المقاومة المغربية وجيش التحرير الوطنية الجزائرية).

ولم تكن فرنسا بمنأى عن كل هذه التطورات، إذ كانت على إدراك تام بخطورة هذا التنسيق والعمل المشترك بين الوطنيين المغاربة والجزائريين، والاستعمار بنفسه لم يستطع أن يتجاهل فكرة توحيد العمل الوحدوي للدول عند مواجهته لكفاح الشعوب ضدها، فعندما دشنت فرنسا احتلالها للمغرب العربي مبتدئة بالجزائر، مرورا عبر تونس والمغرب، فهي قد ساهمت بدورها وإن عن غير قصد في خلق عامل من عوامل الوحدة بين هذه الأقطار، والتي وجدت نفسها في دوامة واحدة يتطلب الخروج منها مد يد التنسيق والتعاون المشترك لبعضها البعض.

وقد طبقت السلطات الاستعمارية الفرنسية في المغرب إجراءات صارمة في وجه قدوم هؤلاء الوطنيين الجزائريين، ودخولهم للمنطقة السلطانية التي كانت تسيطر عليها، إلا أن ذلك لم يمنع هؤلاء الوطنيين من التوجه لمدينة طنجة، المدينة ذات النظام الدولي في هذه الفترة، وتتحدث التقارير الفرنسية نفسها التي كانت تعدها السلطات الفرنسية بالمدينة على كون هذه الأخيرة قد شكلت بدون منازع ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية مكانا لالتقاء الوطنيين المغاربة مع باقي المناضلين القادمين من دول أخری کالجزائر، إذ تتبعت السلطات الفرنسية هذه اللقاءات في العديد من مراسلاتها الاستخباراتية، مدفوعة باقتناعها بأن هذه اللقاءات كانت فرصة ذهبية للوطنيين في كل من المغرب والجزائر مثلا من أجل توحيد الرؤى والتنسيق حول البرامج السياسية للأحزاب في البلدين، ولا سيما من أجل خلق تضامن وتفاعل مع مختلف الأحداث التي تجري في داخل كل قطر على حدة من أجل خلق جبهة موحدة ضدها.

وقد عملت على تتبع تحركات مختلف هؤلاء الوطنيين سواءا كانوا مغاربة أو جزائريين بمجرد أن تلمس أقدامهم مدينة طنجة، وضغطت في هذا الإطار على الإدارة الدولية بالمدينة من أجل إصدار قرار بمنع التجمعات العامة التي تعقد بدون طلب الإذن ليس فقط في الأماكن العمومية، بل حتى التي تتخذ من الأماكن الخاصة مكانا للتجمع كيفما كانت أسبابه، وهو ما يبرز بوضوح رغبة السلطات الاستعمارية الفرنسية في عزل هؤلاء الوطنيين عن بعضهم، ومنعهم من اللقاء، لإدراكها أن أهداف أي تجمع سياسي كيفما كان ستكون موجهة ضدها بالدرجة الأولى.

وهو ما يدفع بنا للقول أن فترة الخمسينات أدخلت بدون جدال قضية وحدة العمل المغربي في طور جديد فتح الباب لتأكيد إيجابيات العمل الوحدوي بشكل أكثر حدة، وهو ما أدركته الحركات الوطنية في البلدين معا، وعبرت عنه من خلال العديد من الأوجه المشتركة، كالتنسيق الذي تجاوز البرامج والأهداف ليصل إلى تنسيق ميداني على أرض الواقع، فرغم بعض الاختلاف في ظروف المعركة ضد الاستعمار الفرنسي في كل من الجزائر والمغرب، فإن تجارب الاضطهاد المشترك، وتجارب الكفاح السياسي، وبوادر العمل العسكري الموحد قد ساعدت على بلورة الشعور الوحدوي وعززت مواقف العناصر النضالية التي كانت تنادي بوحدة المعركة كشرط أساسي لصهر وحدة المصير.

الدعم المغربي للقضية الجزائرية

إذا كان المغرب قد تمكن من الحصول على استقلاله سنة 1956م فإن ذلك لم يعن إطلاقا أن المقاومة الجزائرية بقيت لوحدها في مواجهة فرنسا، بل تطور الاهتمام المغربي بمصير الجزائر في أول سنة بعد الاستقلال، عندما أعلن الملك محمد الخامس بنفسه أن استقلال المغرب ناقص مادامت الجزائر ما تزال مستعمرة، وقد أكد علنا على كون قضية الجزائر لا تهم الجزائريين وحدهم، قائلا:

” إنها أختنا وجارتنا ومصيرنا متعلق بمصيرها، وكل ما يقع فيها يترك صدی عميقا في المغرب”.

محمد الخامس، ملك المغرب

وهكذا واصلت الحركة الوطنية المغربية مساندتها لدعم وكفاح الشعب الجزائري على كافة الأصعدة، رغم مختلف الضغوطات التي حاولت السلطات الفرنسية ممارستها على المغرب من أجل التخلي عن القضية الجزائرية، والاستفراد بها. وقد عمل المغرب من جهته على استغلال حصوله على الاستقلال من أجل تكثيف الجهود الدبلوماسية بقيادة الملك محمد الخامس للتعريف بالقضية الجزائرية، و ترکیز نفوذه السياسي في المحافل الدولية والإقليمية، فقد أعرب عن اهتمامه بالقضية الجزائرية وانشغاله بمسألة استمرار الحرب التي تهدد الشمال الإفريقي منتقدا السياسة الفرنسية المسلطة على الشعب الجزائري، وركز عمله في هذا الصدد على كسب التأييد الدولي لصالحها على المستوى العربي والدولي، وبحكم الجوار الجغرافي وقرب المغرب من الدول الأوربية فقد اهتمت جبهة التحرير الوطني الجزائرية بالمقابل بتفعيل نشاطها السياسي والدبلوماسي بالتنسيق مع الحكومة المغربية، واتخاذ المجال المغرب مجالا لعقد الندوات الصحفية والاجتماعات الصحفية لعرض تطور القضية الجزائرية.

لاشك أنه بتتبعنا لمدى عمق أواصر الأخوة والصداقة التي جمعت بين الشعبين المغربي والجزائري خلال فترة حاسمة من تاريخهما معا، وهي ليست بالجديدة بل هي قديمة باعتراف الجغرافيا قبل التاريخ المشترك، إلا أن الاستعمار الفرنسي لم يساهم سوى في بروزها على الواجهة لا أكثر، ولعل الالتزام الذي عبر عنه المغرب بمساندة الثورة الجزائرية منذ الاحتلال الفرنسي للجزائر في القرن التاسع عشر، والذي كلفه غاليا، هو كاف للقول أن ما كان يجمع بين الجارين الشقيقين يتجاوز منطق اعتبار البلد المجاور بمثابة الطرف الآخر، فقد عبر المغاربة كافة على ضرورة الوقوف إلى جانب الشعب الجزائري في كفاحه ودعم ثورته بكل الوسائل الممكنة معتبرين أن قضية احتلال الجزائر لا تعني الجزائريين فقط بل تهم المغاربة كذلك.

كما أننا استنتجنا بوضوح أن سقوط المغرب سنة 1912م تحت نفس القبضة الاستعمارية الفرنسية قد أدى لبروز كفاح مشترك بين الحركات الوطنية التحررية بكل من المغرب والجزائر في إطار سعيها الدؤوب للتخلص من الاستعمار الفرنسي خلال القرن العشرين، وهو ما تجلى في العديد من المؤشرات، سواء تعلق الأمر بالتنسيق بين هذه الحركات الوطنية على مستوى البرامج النضالية، أو تعلق الأمر بالتساند من أجل تفعيل هذه البرامج على أرض الواقع بشكل موحد، وهو ما سمح لنا باستنتاج أن الحركات الوطنية سواءا المغربية أو الجزائرية لم تتعامل مع قضية سقوطها تحت الاستعمار بشكل فردي، بل تعاملت معها في إطار شمولي واضح، واعتبرتها قضية مشتركة، تتطلب تظافر الجهود بين المغرب والجزائر من أجل التحرر ونيل الحرية والاستقلال.

وقد وصل بنا البحث في هذا الموضوع إلى القول أنه رغم حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956م، وبقاء الجزائر إلى حدود سنة 1962م تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية، فالدعم المغربي لم يتوقف، إذ ترى أن التاريخ يعيد نفسه من جديد لينخرط المغرب في دعم الثورة الجزائرية بكافة السبل رغم مختلف الضغوطات التي حاولت من خلالها فرنسا أن تقنع المغاربة كي يهنأوا باستقلالهم، وعدم الالتفاف لمصير الجزائر، إلا أن ما لم تضعه فرنسا في حسبانها أن التاريخ المشترك لا يرضى إلا بالمصير المشترك، ليعبر المغاربة حكومة وشعبا عن إيمانهم الراسخ بضرورة الاستمرار في مساندة حركة التحرر في الجزائر معتبرين أن القضية الجزائرية هي أولى القضايا التي تستأثر باهتمام المغاربة، وإن حصلوا على استقلالهم.

إن الذاكرة التاريخية المشتركة بين البلدين فخورة بهذه المواقف التي عبر من خلالها الشعبان المغربي والجزائري على أن ما يجمعها أكثر بكثير مما يمكن أن يفرقهما ، إذ أبى التاريخ إلا أن يسجل صفحات طويلة من النضال المشترك، ومن التعاون والتآزر والتضامن في سبيل التحرر من ربقة الاستعمار الغاشم.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق