التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

المغرب في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله

ابتدأت الاضطرابات في المغرب بعد وفاة السلطان المولى إسماعيل سنة 1727م، وبعد ثلث قرن تمكن السلطان محمد الثالث (سيدي محمد بن عبد الله)، من التغلب على الأزمة، فأعاد للبلاد استقرارها الداخلي، وسلك على المستوى الخارجي سياسة الانفتاح التجاري والدبلوماسي.

مغرب الاضطرابات والتمردات

عاش المغرب طيلة الثلاثين سنة التي أعقبت موت المولى إسماعيل، أزمة سياسية وعسكرية، انعكست آثارها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

مولاي اسماعيل moulay ismail
السلطان مولاي اسماعيل

فقد تنازع أبناء المولى إسماعيل على السلطة ابتداء من سنة 1727م. واستغل جيش عبيد البخاري هذا التدهور والضعف، فتزايد نفوذ قواده، وأصبحوا يتدخلون في شؤون الحكم. كما تخلى هذا الجيش عن قصباته، وأصبح يغير على القرى والمدن، وينهب السكان. وواكبت هذه الاضطرابات السياسية والعسكرية، بعض الكوارث الطبيعية. ويصف لنا المؤرخ محمد الضعيف الرباطي هذه الأوضاع في مؤلفه “تاريخ الضعيف” فيقول:

… صاروا (جيش البخاري) يعبثون بالملوك … يخلعون هذا، وينصرون هذا، ويقتلون هذا … فلما رأى أهل الديوان (قواد الجيش) .. أن دولة السلطان (مولاي زين العابدين)، على قدر الحال، ولم يجدوا منه شيئاً من المال، انقلبوا عليه … وأرادوا تولية … المولى عبد الله.

وفي عام (1155هـ) فشا الطاعون .. وعم الوباء جميع المغرب .. وكثر الموت .. وفي (1163هـ) … حبس المطر واستمر الغلاء …

ترتب عن هذه الأزمات العسكرية، والسياسية، والطبيعية، مصاعب اجتماعية واقتصادية خطيرة، خلال القرن الثامن عشر، حيث انعدم الأمن والاستقرار. وانقطعت طرق تجارة القوافل الصحراوية. وتراجع الإنتاج الفلاحي والحرفي. وعمّ الغلاء، واستأنفت القبائل الجبلية اكتساحها لمراعي المناطق الواطئة. وتضرر سكان البوادي والمدن، وتجددت انتفاضاتهم، وامتنعوا عن أداء الضرائب.

فتأثرت مداخيل الدولة بشكل كبير. واستغلت بعض الزوايا ضعف السلطة المركزية والجيش، لزيادة مواردها ونفوذها. كما استغل أتراك الجزائر هذه الظروف، فاحتلوا وجدة وفكيك وتوات.

عودة الاستقرار السياسي

بدأ المغرب منذ سنة 1743م يستعيد هدوءه تدريجيا؛ حيث تمكن السلطان المولى عبد الله (والد سيدي محمد بن عبد الله) خلال فترة حكمه الأخيرة، من التخلص من منافسيه، وإخماد بعض الثورات، والحد نسبيا من نفوذ الجيش. ونجح في البقاء على رأس السلطة، حتى سنة 1757م، التي توفي فيها. وخلفه ابنه سيدي محمد.

وأعلنوا (أهل فاس) بالخِلاف … فلما سمع (السلطان) بذلك … نزل على فاس بعساكره … فأذعنوا … وفي عام 1147هـ، فسد ما بينه وبين العبيد … حتى كاد أن يأتي على عظمائهم … فاتفقوا على قبضه، وقتله … فاشتغل يؤلف بين القبائل من العرب والبربر وأهل فاس، وحالفهم … وفي (1162هـ)، أمر من ينادي بأسواق فاس على العبيد … وقال لهم؛ ابعثوا لإخوانكم الذين بمكناسة، من أتى منهم يقبض ما قبضتم.

الزياني : « الروضة السليمانية»

بتولية سيدي محمد بن عبد الله، تمت إعادة الاستقرار بشكل تام؛ حيث اهتم السلطان الجديد بمواجهة الاضطرابات الداخلية، وتقوية سلطة الدولة. فأنهى تمرد الجيش. وعمل على تحطيم قوته. وأعاد العمل بالتجنيد القبلي على أساس الاعتماد على العناصر العربية والأمازيغية، والعبيد المخلصين، وخلق التوازن بينها.

Sultan Sidi Mohammed Ben Abdellah
السلطان سيدي محمد بن عبد الله

وحارب تعسف الولاة، وحدّ من زحف القبائل الجبلية. وجهز الحرْكات لإخضاع الثائرة منها، وتنقيلها. وأعاد بناء القصبات لمراقبتها. وواجه تمرد ابنه المولى يزيد، ومحاولاته للسيطرة على الحكم. وواصل سياسة المولى إسماعيل إزاء الزوايا، فدعم الموالية للدولة، وحارب المعارضة لإضعافها.

فأمر السلطان أن تجعل لهم (كبار الجيش) أكبالاً … ووجههم لمراكش … فسجنوا بها … وأرهب العمال، الذين أفسدهم المال … وأمر بجمع قبائل الحوز … فكتبهم في ديوان لعسكر … وأمر بني حسَنْ، وأهل الغرب، (عناصر جيشه الجديد) أن ينزلوا على العبيد … وأسقط عن جميع القبائل … الوظائف، والمغارم، في هذه الأعوام (سنوات الجفاف والوباء) وكان يعطي الأموال للتجار، ليجلبوا الأقوات من بلاد الروم، (أوربا) لبلاد المسلمين … ويأمرهم ببيعه بثمنه الذي اشتراه، رفقاً بالمسلمين.

وفي عام 1199هـ … نزل على زاوية أبي الجعد، وأمر بهدمها … وأخرج … شرقاوة الذين بها … ونقلهم لمراكش …

الزياني : « الروضة السليمانية»

وقد ساعدت عودة الهدوء والاستقرار للبلاد، على انتعاش الاقتصاد، وانتهاج سياسة انفتاحية.

عصر الانفتاح التجاري والدبلوماسي

تركز اهتمام الدولة المغربية في عهد سيدي محمد بن عبد الله، على الانفتاح على التجارة الدولية، وتشجيع المبادلات التجارية مع أوربا، انطلاقا من المراسي الأطلنتية، ومن أهم دوافع هذا التوجه؛ التراجع الكبير لتجارة القوافل الصحراوية. والتدهور المتواصل لنشاط الجهاد البحري، وتطور المبادلات الدولية عبر المحيط الأطلسي خلال القرن الثامن عشر في إطار التجارة الثلاثية.

وتزايد أهمية موقع المغرب، على الضفة الشرقية لهذا المحيط، بين أوربا وإفريقيا جنوب الصحراء، ورغبة الدولة في الاستفادة من هذا الموقع، في هذا الظرف، لتغذية بيت المال، بالاعتماد أساسا على المداخيل الجمركية، مقابل تخفيف الضغط الجبائي على السكان، وخاصة بالبوادي.

لتحقيق هذا الهدف، تم تأسيس موانئ جديدة، وترميم وتجهيز مراسي أخرى على المحيط الأطلنتي، وحصل السلطان محمد الثالث على موافقة الفقهاء، بتصدير الحبوب في سنوات الخصب، للحصول على السلاح والذخيرة. كما اهتم بتحرير ما بقي من الثغور المحتلة، وتطوير الأسطول البحري.

فمن ذلك ثغر الصويرة. أحدث بناءه في (1178هـ/1756م) وجلب إليها تجار النصارى من كل الأجناس، وأسقط عنهم وظيف الأعشار، ترغيباً لهم فيها … فعمرت في الحين.

ومن ذلك أيضاً، بناء مدينة طيط (الجديدة). وقد كانت بأيدي الروم .. خربها بعد الفتح سنة (1182هـ) وأمر بتجديد عمارتها سنة (1201ه) .. فصارت يقصدها التجار من الآفاق .. وترسي بها السفن … وكذلك تجديد مدينة أنفا، وكانت طمست معالمها … فقصدها التجار من جميع مملكته … وكذلك عمر ثغر فضالة، ورباط الفتح، ومهدية، والعرائش، وطنجة …

ابن زيدان : «إتحاف أعلام الناس»، الجزء / 3

ونتيجة لهذا الانفتاح، نشطت الموانىء المغربية الأطلنتية. فأصبحت الصويرة تمثل % 40 من الرواج التجاري المغربي مع الخارج. وأصبحت عائدات الجمارك تمثل ثلث مداخيل بيت المال. وقد واكب هذا الانفتاح التجاري، توسع في علاقات المغرب الخارجية.

نشاط الدبلوماسية المغربية في عهد سيدي محمد بن عبد الله

تجسيدا للانفتاح، اهتم المغرب بالإفتكاك المتبادل للأسرى مع الأوربيين، لإزالة أحد أسباب النزاع معها. ومتَّن علاقاته التجارية معها. وسمح لها بإنشاء قنصليات عامة بطنجة. فأبرمت السويد، والدانمرك، والبرتغال، معاهدات سلم وصداقة مع المغرب، لضمان حماية سفنها، بالشواطئ المغربية، مقابل إتاوات سنوية. وعقد المغرب مع كل من فرنسا، وإنجلترا، وإسبانيا، اتفاقيات متكافئة، للتبادل التجاري.

وهكذا سعت فرنسا في توسيع تجارتها مع المغرب، وتوطيد مكانتها وعلاقتها به، فوقعت معه معاهدة في 1767م. وهذه مقتطفات من المعاهدة المغربية الفرنسية:

  • الشرط 5: لرعيتي الدولتين، الدخول لأي مرسى شاءوا، من مراسي سيدنا (سيدي محمد بن عبد الله)، أو من مراسي بلاد الفرنصيص (فرنسا) وأن يبيعوا ويشتروا ما شاءوا.
  • الشرط 11: لسلطان الفرنصيص، أن يجعل بإيالة (مملكة) سيدنا … من القنصوات (القناصل) ما أراد ليعينوا التجار، ورؤساء البحر في جميع ما احتاجوا إليه … ومن استخدمه القنصوات المذكورون من كاتب، وترجمان، وسماسرة، وغيرهم، (أي من المغاربة) فإنه لا يكلفون بشيء من التكاليف أياً كانت، ولا يمنعون من قضاء حاجات القنصوات، والتجار في أي مكان كانوا.
  • الشرط 12: إذا وقع نزاع بين مسلم وفرنصيصي، فإن أمرهما يرفع للسلطان … أو لنائبه حاكم البلد.

وأصبحت إنجلترا تعتمد على المغرب، لتزويد سفنها من مراسيه وتموين حاميتها بجبل طارق. ولذلك، حرصت إنجلترا على ربط علاقات ودية معه، وقد استجاب المغرب لهذه الرغبة. وكان هدفه، استغلال الصراع الإسباني الإنجليزي حول جبل طارق، للضغط على إسبانيا. والحصول من إنجلترا على حاجاته من الأسلحة، لتحرير سبتة ومليلية.

وتخوفت إسبانيا من تقارب المغرب مع فرنسا، وإنجلترا. وحاولت تحسين علاقتها به، وتطوير مبادلاتها معه. فاتخذت من اهتمامها المشترك مع المغرب، بمسألة افتكاك وتبادل الأسرى، وسيلة للتقارب معه. وتوصلت إلى عقد معاهدة للتجارة والصلح مع المغرب في 1767م. لكن هدف الدولة المغربية في علاقتها بإسبانيا، ظل موجها بالأساس نحو إعطاء الأولوية لتحرير الثغور المحتلة.

وهذه رسالة سيدي محمد بن عبد الله إلى كارلوس الثالث، ملك إسبانيا سنة 1774م

“إن رعايانا، وباتفاق مع أتراك الجزائر، لا يقبلون بوجه، ولا بحال أن يروا الإسبان على السواحل الإسلامية، من سبتة إلى وهران، وهم يريدون استرجاع ممتلكاتهم … وسنقاتل ضد المعسكرات الإسبانية، حتى يحكم الله بيننا …”

وعقد المغرب مع الولايات المتحدة الأمريكية، معاهدة ودية في 1786م، اعترف فيها باستقلالها. كما عمل على تمتين روابطه مع العالم الإسلامي؛ فواصل علاقاته مع الإيالات العثمانية بشمال إفريقيا. وتوسط السلطان المغربي بين إسبانيا وإيالة الجزائر العثمانية لتبادل أسراهم. وقدم الدعم المالي والعسكري للعثمانيين في صراعهم ضد الروس.

أخيرا استطاع المغرب إذا الخروج من الأزمة، وتحقيق الانفتاح التجاري والدبلوماسي، لكن أزمة الجفاف والوباء التي ضربت البلاد ما بين عامي 1776م – 1782م، وبداية تحول ميزان القوة لصالح أوربا، سيضع المغرب في نهاية القرن الثامن عشر، أمام صعوبات جديدة.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق