التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

الممالك المورية في تاريخ المغرب القديم

تظل معلوماتنا التاريخية عن الممالك المورية ضئيلة مع ما نتوفر عليه من إشارات في النصوص التاريخية بخصوص الممالك النوميدية. ويرجع ذلك بالأساس إلى عدم معرفة الكتاب الإغريق واللاتينيين بأوضاعها قبل القرن الثاني ق.م وأول إشارة نعثر عليها تتعلق بالملك الموري باكا BAGA الذي قام بدعم الملك النوميدي ماسينسا وذلك بإمداده بـ 4000 فارس أثناء مشاركة هذا الأخير في الحرب البونية الثانية حوالي 206 ق.م غير أن هذه الإشارة لا تسعفنا في معرفة تفاصيل نظام الحكم في عهد هذا الملك الذي نجهل عنه الشيء الكثير.

الممالك المورية تظهر على مسرح الأحداث التاريخية

بدأ الاهتمام بهذه الممالك عندما تدخلت في الحرب التي دارت بين الرومان والملك النوميدي يوغرطة في نهاية القرن 2 ق.م، حيث يتحدث المؤرخون عن الدور الكبير الذي لعبه الملك الموري بوكوس الأول في القضاء على يوغرطة. وقد سلمت روما لهذا الملك الجزء الغربي من مملكة نوميديا مكافئة له على مساندتها في هذه الحرب.

لقد تقاسم حكم شمال افريقيا ابتداء من 49 ق.م كل من الرومان شرقا فيما عرف بإفريقيا القديمة وافريقيا الجديدة، والموريين في منطقة موريطانيا التي تقاسم حكمها كل من الأخوين بوكوس الثاني وبوغود، إذ بدأ الحديث عنهما في النصوص التاريخية اللاتينية نظرا لمشاركتهما في صراع القناصل الرومان على عرش روما.

وقد تمكن الملك بوكوس الثاني من توحيد موريطانيا تحت حكمه ابتداءا من سنة 38 ق.م بعدما تمكن من القضاء على أخيه بوغود مستفيدا من تحالفه مع أوكتافيوس الذي تمكن من التغلب على غريمه مارك أنطوان في صراعهما حول حكم روما.

بعد وفاة هذا الملك بوكوس الثاني دخلت موريطانيا مرحلة من الحكم المباشر لروما بعد فراغ العرش، قبل أن تعين فيها حاكما أمازيغيا سيكون له دور كبير في تاريخ المنطقة اسمه يوبا الثاني.

ففي سنة 25 ق.م ولما كان ضم المملكة الموريطانية الشاسعة إلى الإمبراطورية الرومانية بصفة نهائية يتطلب عتادا كبيرا وجيوشا ضخمة وما يستلزم نفقاتها ربما أكثر مما تدره هذه المناطق من منافع، فقد ارتأى أوكتاف وقد أعلن إمبراطورا منذ سنة 22 ق.م منح عرش هذه المملكة إلى أحد الأمراء الموريين بعدما قام بتربيته في روما تربية تؤهله ليكون تابعا مخلصا للرومان وتصبه ملكا،

إنه الملك يوبا الثاني (25 ق.م – 23م) لقد عين يوبا الثاني ملكا على المجال الموري الموجود بين المحيط الأطلسي غربا والواد الكبير بالجزائر الحالية شرقا، شاملا بذلك موريطانيا بأكملها باستثناء 12 مستوطنة أقامها الرومان بهذا المجال خلال الفترة الممتدة ما بين 33 ق.م و25 ق.م، أي أثناء فترة شغور العرش الموري الذي تلا وفاة الملك الموري بوكوس الثاني، حيث وطنوا بها قدماء المحاربين الرومان وكانت تدير شؤونها وفق النموذج الروماني.

ويشير سترابون إلى أن مملكة مريطانيا في عهد الملك يوبا الثاني امتدت باتجاه الجنوب الشرقي للجزائر الحالية وجنوب تونس محيطة باقليمي افريقيا، وذلك على حساب قبائل الجيتول.

وقد عمل هذا الملك على تنفيذ أوامر السلطة الرومانية وعلى تثبيت وجودها في مملكته وما فتئ يعلن ولائه لروما من خلال تسمية عاصمته القيصرية على اسم القيصر وكذلك من خلال الهدايا التي يوجهها للإمبراطور. ومن أهم منجزاته المساعدة الكبيرة التي قدمها للقوات الرومانية من أجل التصدي للثورات المحلية المناوئة لها كانتفاضة قبائل الجيتول والموسولام سنة 6م. وثورة تاكفاريناس الذي حارب بشراسة كبيرة لمدة سبع سنوات من 17 إلى 24م، وقد نال بذلك عدة أوسمة تخصص عادة للولاة وكبار قياد الجيش الروماني.

وعموما فقد كانت سلطة الملك يوبا الثاني محدودة داخليا فيما يخص المستوطنات والمواطنين الرومان بمملكته، وكانت

وقد أقام يوبا الثاني بعاصمته القيصرية كما كان يتردد كثيرا على مدينة وليلي، وأقام لها على غرار مجموعة من المدن الأخرى مجالس بلدية تسهر على تسيير شؤون المدن وشجع الزراعة حول المدن الكبرى، حيث كان الفائض من الحبوب والخشب والزيتون والعنب وغيرها يصدر إلى روما.

وكان عهده فترة ازدهار تجاري وصناعي في المملكة واستقدم إلى مملكته الأدباء والعلماء وشجع كثيرا المجالس الثقافية والعلمية،

بعد وفاة يوبا الثاني 23م تولى الحكم ابنه بطليموس الذي سار على نفس منهج أبيه وقد كان له دور حاسم من أجل القضاء نهائيا على ثورة تاكفاريناس سنة 24 م وكمكافئة له منح له مجلس الشيوخ الروماني لقب ملك صديق وحليف الشعب الروماني.

حاول الملك بطليموس توحيد القبائل المورية وتوسيع مملكته خارج النطاق المرسوم له من قبل الرومان، كما استطاع أن يربط علاقات مميزة مه مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الروماني، وقد بدأت أطماعه تكبر وذلك من خلال إعطاء ملكه الكثير من القداسة والدليل في ذلك إقدامه على إصدار عملة ذهبية تحمل اسمه ويبدوا فيها بلباس الأباطرة،

لكن الامبراطور الروماني كاليكولا (37م – 40م) كان يراقب كل ذلك بنوع من التوجس والحذر، فأمر أتباعه باغتيال الملك الموري بطليموس من الحد من طموحاته التوسعية في شمال افريقيا والسيطرة على ممتلكاته سنة 40م.

على إثر اغتيال الملك بطليموس قامت ثورة عارمة بمملكة موريطانبا تزعمها أحد أكبر وزرائه ” أيدمون ” للثأر من الرومان والانتقام من حكمائها المتبجحين بالقوة والعظمة، ناهيك عن سخط الموريين على الأوضاع المتردية بشمال افريقيا بسبب سيطرة الجيش الروماني على ثرواتهم وأراضيهم الخصبة، دون أن ننسى سياسة الاستغلال والظلم الاجتماعي والاستنزاف المكثف لموارد البلاد.

ويجمع مجموعة من الباحثين من أن هذه الثورة دامت أربع سنوات وأخدت من روما جهدا كبيرا لإخمادها، وبذلك اختفت آخر الممالك الأمازيغية من مسرح الأحداث السياسية بشمال افريقيا، تاركة المجال واسعا للرومان لتركيز نفوذهم بأراضيها التي قسمت إلى ولايتين هما: موريطانيا القيصرية بالجزائر الحالية وموريطانيا الطنجية بالمغرب (نسبة إلى مدينة طنجة)

ويمكن القول عموما أن البحث في الجذور الأولى لـ الممالك المورية وتشكلها انطلاقا من المعلومات المتوفرة في المصادر وما تقدمه الأبحاث الأثرية من نتائج يتميز بصعوبة كبيرة من حيث تسلسل المعطيات وانسجامها بالإضافة لندرة الإشارات الواضحة المتعلقة بالميادين الاقتصادية والاجتماعية والحضارية بشكل عام.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق