التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

السلطان المولى اسماعيل.. كيف سيطر بن الشريف على المغرب

اقرأ في هذا المقال
  • الجهاز العسكري : جيش عبيد البخاري
  • السياسة المالية للمولى إسماعيل
  • واجه المولى اسماعيل ثورات القبائل
  • علاقات السلطان بالزوايا
  • فاس تنتفض على المولى اسماعيل
  • المولى إسماعيل وافتكاك الأسرى
  • تصدي مولاي إسماعيل لتحرشات أتراك الجزائر
  • تحرير الثغور المغربية
  • السياسة التجارية للمولى إسماعيل
  • العلاقات مع أوربا

المغرب في عهد المولى اسماعيل

الجهاز العسكري : جيش عبيد البخاري

أقام السلطان المولى اسماعيل moulay ismail مؤسسة عسكرية جديدة شكلت دعامة حقيقية لسلطة الدولة الجديدة، فكون جيشا نظاميا دائما عرف بـ جيش عبيد البخارى نسبة إلى كتاب صحيح البخاري الذي كان أفراده يؤدون عليه يمين الولاء للسلطان. وقدر عددهم بـ 12.000 سنة 1678 وتزايد هذا العدد باستمرار إما بتجنيد السود الذين تأتي بهم القوافل التجارية كل سنة إلي المغرب أو بتجميع العبيد السود والحراطين الذين كانوا لا يزالون في ملك الخواص أو عن طريق التناسل ليصل عددهم إلى 150.000 وكانوا يتلقون تكوينا خاصا.

ووصف المؤرخ أبو القاسم الزياني في كتابه البستان الظريف في دولة أولاد مولاي الشريف كيف كان يتم تكوين عساكر جيش عبيد البخارى في حيث قال:

“… وفرق الأولاد (من العبيد) في الخدمة على البنائين والنجارين وأهل الحرف، وسوق الحمير يتدربون ويتعلمون فإذا أكملوا السنة أنقلهم من سوق الحمير لسوق البغال الحاملة للآجر والزليج والقرمود.

فإذا أكملوا سنة أنقلهم لضرب المراكز وخدمة ألواح الطابية فإذا أكملوا السنة أنقلهم للجندية، وكَسَاهُمْ ودفع لهم السلاح فخدموا به الجندية وطرقها.

فإذا أكملوا سنة دفع لهم الخيل يركبونها عراة دون سرج ليتدربوا على ركوبها عارية ويغيرون عليها، فإذا أمسكوا رؤوسها وأكملوا السنة، دفعت لهم السروج، فيركبون بها ويتعلمون الفر والكر والرماية على ظهر الخيول. فإذا أكملوا السنة، صاروا من حساب الجند، فيخرج لهم السلطان البنات (اللواتي) قدمن معهم ويدفع لكل واحد من الأولاد واحدة يتزوجها.. ويوجههم للمحلة بمشرع الرمل فيكتبون في ديوان العسكر”.

لم يكن جيش عبيد البخاري يدرب تدريبا عسكريا فحسب، بل يتمرس كذلك على شؤون الإدارة والقيادة حيث شغل بعض أفراده أعلى وظائف الدولة العلوية. فقد شكل هذا الجيش جهازا فعالا لتحقيق مركزية الدولة الإسماعيلية، يجبي الضرائب ويراقب الطرق التجارية ويحميها، ويحد من الهجرات وتحركات القبائل، ويردع المتمردين على الدولة، لا يرتبط إلا بشخص السلطان مولاي اسماعيل وليست له جذور تربطه بأية فئة اجتماعية، مما خفف من اعتماد الدولة على مساندة القوى الأخرى من القبائل والزوايا وأعيان المدن وفقهائها، كما خفف من الامتيازات التي كانت الدولة تكفلها لهم.

ومع ذلك فقد حافظ بن الشريف على عناصر الجيش المغربي التقليدية وغير النظامية ومنها قبائل الكيش التي تنازلت لها الدولة عن أراضي تقيم فيها وتستغلها مقابل الخدمة العسكرية كلما دعت الضرورة، وكانت أهم القبائل الأوداية وشراكة وقبائل الغرب، إضافة لبعض القبائل الأمازيغية التي دخلت هذا التنظيم مثل آيت يمور.

وأنزل مولاي اسماعيل قبائل الكيش في نقط معينة ولأهداف محددة: في المغرب الشرقي لمواجهة بني يزناسن وأتراك الجزائر، وفي سايس وتادلة لصد زحف القبائل الجبلية وحماية الطريق السلطاني الرابط بين مكناس ومراكش.

كما حافظ المولى إسماعيل على المجاهدين وهم بمثابة جيش إضافي يجنده شيوخ الزوايا ويكون رهن إشارة الدولة المغربية ليشارك في تحرير الثغور أو التصدي للسفن الأوربية، وعهد لجيش من المجاهدين من رجال الريف بأمر محاصرة الثغور التي يحتلها الإسبان. هذا إلى جانب الفرق التي تجندها المدن والبوادي للمشاركة في حَرْكات السلطان.

خريطة المغرب في عهد السلطان المولى اسماعيل moulay ismail الدولة العلوية
خريطة المغرب في عهد المولى اسماعيل

وتدعيما لسلطة الدولة وإدارتها كان أول عمل قام به المولى اسماعيل هو تخليه عن العاصمتين التقليديتين فاس ومراكش، واتخاده مكناس Meknes لتكون عاصمة الدولة العلوية وفي نفس الوقت مركزا عسكريا هاما في مواجهة قبائل الأطلس والريف.

أهم إنجازات المولى اسماعيل

السياسة المالية للمغرب في عهد المولى إسماعيل

نهج السلطان مولاي اسماعيل سياسة مالية صارمة لتنمية موارد بيت المال ومواجهة متطلبات بناء الدولة العلوية فقد عانى سكان المدن والبوادي من ثقل سياسته الضريبية باستثناء الهيئات التي تمتعت بامتياز الإعفاء وهي قبائل الكيش والشرفاء والزوايا، وإلى جانب الضرائب الشرعية من زكاة وأعشار، وجزية، لجأ المولى اسماعيل إلى ضرائب غير شرعية كضريبة “النايبة” التي فرضت لتحرير الثغور المغربية ثم أصبحت دائمة، وضريبة “المكس” التي كانت تدفع على البضائع في الأسواق وكذا الرسوم على التجارة الخارجية، إلي جانب تحمل القبائل نفقات الحَرْكَات العسكرية فوق أراضيها.

وكانت تؤدى هذه الضرائب عينا أو نقدا، وزاد في ثقلها تعسف جباتها خصوصا مع حدوث الكوارث الطبيعية كمجاعة 1721-1724.

وهذا ما دفع الفقيه الشيخ الحسن اليوسي لإرسال رسالة إلى ملك المغرب يشتكي فيها ظلم الجباة قائلا:

” … فلينظر سيدنا فإن جباة مملكته قد جروا ذيول الظلم على الرعية، فأكلوا اللحم وشربوا الدم وامتشوا العظم، وامتصوا المخ. ولم يتركوا للناس دينا ولا دنيا، أما الدنيا فقد أخدوها، وأما الدين ففتنوهم عنه وهذا شيء شهدناه لا شيء ظنناه…”

التجارة المغربية في عهد مولاي إسماعيل

استفاد المخزن الاسماعيلي من عائدات التجارة الصحراوية، فقد أدرك السلطان إسماعيل بن الشريف الأخطار التي كانت تحيط بتجارة القوافل، فعمل على تركيز نفوذ الدولة المغربية في المناطق الجنوبية حيث أرسل عماله بانتظام، وعين قائدا في إقليم شنقيط وآخر بتغازى، وتحالف مع عرب بني معقل وعمل على تركيز الزاوية القادرية في مدينة السمارة وحافظ بذلك على الطريق التجارية الصحراوية الرابطة بين تنبوكتو والمراكز التجارية المغربية، كما أحكم المولى اسماعيل مراقبة الطرق التجارية الداخلية الرابطة بين الصحراء وساحل البحر المتوسط عبر مراكش وبين شرق المغرب وغربه مرورا بفاس، ولعبت القصبات دورا هاما في حمايتها وتوفير حاجات القوافل.

مولاي اسماعيل moulay ismail
احتفال بريد المغرب بالسلطان المولى اسماعيل

كما حوَّل السلطان العلوي معظم موارد حركة الجهاد البحري في المغرب إلى بيت المال بعد فرض مراقبة عليها، وبدأت تتسلم الأسرى الأوربيين وتتولى افتكاكهم، وامتلكت نصف السفن التي تقوم بالعمليات الجهادية، ورفعت نسبة الأعشار التي تؤديها بقية مراكب الجهاد والتي ظلت في يد مجاهدي سلا وتطوان إذ بلغت نسبة ما تؤديه للدولة من مغانمها 70% سنة 1701 بعد أن كانت 10% فقط.

وتمكن مولاي اسماعيل من إغناء مالية الدولة المغربية مما ساعده على بناء قوته العسكرية والإدارية إلا أن سياسته جرت في كثير من الأحيان ثورات القبائل والمدن.

ثورات القبائل

عمل المولى اسماعيل العلوي على وقف موجات زحف القبائل، الجبلية كصنهاجة الأطلس المتوسط، وآيت عطا بالأطلس الكبير، وحصرها في مواطنها الجبلية وصد تهديدها لمناطق السهول والحواضر وطرق التجارة، فجند كل إمكانياته المادية والعسكرية لتجريدها من السلاح وضمان استقرارها.

ومن نموذج ذلك ما أورده الناصري في كتابه الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى حيث يقول:

” ثم دخلت سنة 1683م فيها خرج السلطان المولى اسماعيل في العساكر إلى جبال ” فزاز ” بالأطلس المتوسط لحرب صنهاجة من البربر الذين هنالك، ولما سمعوا بخروج السلطان انهزموا إلى ملوية فدخل السلطان بلادهم واختط قلعة بعين اللوح سفح جبلهم، ثم نزل بعين أزرو فأمر ببناء قلعة هنالك بسفح الجبل أيضا، ثن تبع آثارهم إلى أن دخلوا جبل العياشي، وتربص بهم رحمه الله بملوية إلى أن دخل فصل الشتاء. ومنعوا من السهل وانقطعت عنهم الميرة (المؤونة) وقلت الأقوات فخشعوا ونزل وفدهم فقدموا مكناسة على السلطان تائبين فأمنهم على شرط دفع الخيل والسلاح والاشتغال بالحرث والنتاج فدفعوها عن يد وهم صاغرون”.

كما واجه السلطان مولاي اسماعيل تمرد قبائل جنوب المغرب والتي تضررت من إشرافه على بضائع التجارة الصحراوية وطرقها وكانت إحدى مواردها الأساسية فاحتضنت أحمد ابن محرز الثائر على عمه السلطان.

وتطلب إخضاع القبائل الثائرة من مختلف المناطق بناء 76 قصبة وزهاء ربع قرن من حكم المولى اسماعيل.

فاس تنتفض

أضرت سياسة إسماعيل بن الشريف بالمدن التقليدية كمراكش وفاس وتطوان من حيث إشرافه ومراقبته للتجارة والجهاد البحري إلى جانب الثقل الضريبي، فتقلصت موارد هذه المدن وتراجع نفوذها مما أدى إلى تمردها من حين لآخر على المخزن ومثلت مدينة فاس نموذجا متميزا لهذه المواجهة، فتقاليدها السياسية التي اكتسبتها عبر قرون كعاصمة للبلاد واحتضانها للأشراف وللزوايا التقليدية وما تمتعت به هذه الفئات من امتيازات، إضافة إلى دور المدينة الهام كمحطة أساسية في طريق التجارة المغربية، كل ذلك اصطدم بسياسة المولى اسماعيل القائمة على مركزية الدولة.

وتمردت مدينة فاس في السنة الأولى من حكمه حيث رفضت تجنيد 500 من الرماة للمساهمة في حَرْكَة السلطان ضد بن أخيه أحمد بن محرز في الجنوب وهو ما اعتادت فاس المساهمة به، بل خلع أهلها بيعة المولى اسماعيل وأعلنوا ابن محرز سلطانا عليهم وتطلب إخضاع المدينة خمسة عشر يوما من الحصار.

كما اصطدم مولاي اسماعيل بموقف علماء فاس من تجنيد الحراطين في ديوان جيش عبيد البخاري حينما استفتاهم في الأمر فأفتوا بعدم جواز ذلك شرعا على اعتبار أن الحراطين أحرار، وتشبثوا بهذا الموقف رغم ضغوط السلطان وكان ذلك سببا في محنة بعض الفقهاء أمثال الفقيه الشيخ جسوس وبردلة.

ثم ثارت المدينة مرة أخرى سنة 1720 وقتل قائدها، فتعرضت لزجر السلطان وفرضت عليها غرامة ثقيلة، إلا أن وعي بن الشريف بخصوصية هذه المدينة جعله ينوع أساليب تعامله بين الشدة واللين تجاه تمرداتها المتكررة.

علاقة مولاي اسماعيل بالزوايا

كان المولى اسماعيل واعيا بالدور الهام الذي كانت تلعبه الزوايا بين القبائل وداخل المدن وفي تمرداتها، فعمل على إضعاف النفوذ السياسي للزوايا بحصر نشاطها في الميدان الديني، لذلك تولى مهمة الجهاد واسترجاع الثغور المحتلة، فضرب دعامة أساسية كانت الزوايا تستمد منها نفوذها السياسي.

وحتى يستطيع السلطان مراقبتها فرض عليها استقرار مراكزها بفاس. ودعم الزوايا المساندة له فحافظ على امتيازاتها واستفادتها من الهدايا والأوقاف والإعفاء من الضرائب وجدد لها ظهائر التوقير والاحترام كالزاوية الوزانية والدرقاوية والناصرية والشرقاوية وتكلفت الزوايا مقابل هذا الدعم بالحد من تمردات القبائل وتدعيم سلطة الدولة في البوادي والمدن.

أما الزوايا التي عارضت سياسته وساندت تمرد القبائل مثل زاوية أحنصال تاسانت جنوب مراكش فقد جند لها عدة حَرْكات عنيفة لردعها وإيقاف مطامعها.

سياسة المولى اسماعيل الخارجية

تصدي بن الشريف لتحرشات أتراك الجزائر

واجه المولى اسماعيل الخطر التركي الذي كان يهدده البلاد من جهة الشرق، فقد اعتبر أتراك الجزائر في ايالة الجزائر العثمانية تصريح وتعهد المولى محمد ابن الشريف بعدم تجاوز وادي تافنا اتفاقا وحدا فاصلا بينهم وبين المغرب فتشبتوا به، وحاولوا حمل السلطان المغربي على قبوله ببث الفوضى ودعم المتمردين على السلطان، وأمام ذلك جرّد السلطان مولاي إسماعيل عدة حَرْكَاتْ ضد أتراك الجزائر.

من بينها الحَرْكة التي قادها سنة 1678م وأشار إليها أبو القاسم الزياني في الروضة السليمانية:

” ثم توجه لحَرْكَة الشرك ( الشرق ) فترك تلمسان عن يساره وأصحر … وتوجه إلى أن نزل … على رأس وادي شلف. فخرجت محلة الترك من الجزائر بقضهم وقضيضهم ومدافعهم ونزلوا على وادي شلف في مقابلته … وكاتبه الترك أن يتخلى عن بلادهم ويقف عند سلفه … وبعثوا له كتاب مولاي محمد الذي وجه لهم مع رسلهم وكتاب مولاي الرشيد الذي فيه الحد بينه وبينهم فوقع الصلح على ذلك الحد الذي هو وادي تافنا ورجع لوجدة “.

واستمرت مناورات أتراك الجزائر لبث القلاقل داخل المغرب وإضعاف قوته الدفاعية، وبتحريض المولى اسماعيل للتركيز على تحرير الثغور المحتلة وتحويل أنظاره عن تأمين الحدود الشرقية فتكررت حرْكَات السلطان نحو الشرق سنوات 1692 و1695 حيث تدخل السلطان العثماني لإبرام الصلح بين الطرفين، ثم تجدد الصراع المسلح سنة 1701، وأبطل مولاي اسماعيل المؤامرات على حدوده الشرقية.

تحرير الثغور المغربية

وجه المولى اسماعيل العلوي جهوده إلى الثغور المحتلة في السواحل المغربية فجعل تحريرها من أولوياته استكمالا لوحدة البلاد وتعزيزا لنفوذه السياسي، وتمكن المغرب من تحرير جل المراكز الأطلنطية بينما ظلت بعض الثغور خاصة في الساحل المتوسطي خاضعة للإسبان لقربها منهم ولسهولة تزودها بحرا. لكن حصار المغاربة لها في عهده لم يكن ظرفيا بل دائما.

ومن الثغور التي حررها المغاربة في عهده مدينة العرائش الساحلية التي تحدث عن تحريرها السجلماسي في مؤلفه الأنوار الحسنية فوصف ذلك قائلا:

” أما قصة دخول العرائش.. بعد أن حاصرها بأمر من أمير المؤمنين مقدم الجيش ثلاثة أشهر ونصف قدرها أتم أمرها، وذلك أن العسكر دخل الكمين وهي الحفائر وصاروا يحفرون لأنفسهم ليلا نهارا… وخزنوا لحل سورها خزائن من البارود.. هدمت السور فاقتحم المتوكلون من المسلمين وقت قيام البارود.. ووثبوا على الأسوار..”.

فيما يلي خريطة الثغور المغربية التي حررها المولى اسماعيل

خريطة المغرب في عهد السلطان المولى اسماعيل العلوي استرجاع الثغور
خريطة الثغور التي حررت في عهد المولى اسماعيل

المولى إسماعيل وافتكاك الأسرى

احتل الجهاد البحري وما يتصل به من افتكاك الأسرى مركز صدارة في تاريخ العلاقات بين المغرب وأوروبا في عهد المولى اسماعيل ، فقد عرف هذا النشاط البحري تراجعا في عهده لأسباب داخلية ترجع لإشراف السلطان عليه وتوجيه موارده لبيت المال، ولأسباب خارجية تعود لتطور الأوضاع في أوربا وتفوقها التقني والملاحي، وكذا استقرار الإنجليز بجبل طارق منذ سنة 1704، ومهد هذا الوضع لتصفية الأجواء مع الدول الأوربية بحل مشكل الأسرى فبذل السلطان جهودا دبلوماسية لافتكاكهم وأرسل سفارات لهذا الغرض إلى كل من ملك فرنسا وإسبانيا.

ومن هذه السفارات، الرسالة التي بعثها إلى ملك إسبانيا، والتي أوردها محمد الوزير الغساني في كتابه رحلة الوزير في افتكاك الأسير. يقول نص الرسالة:

” وذلك أن تعطونا في الخمسين نصرانيا من المئة، خمسة آلاف كتاب، مائة كتاب عن كل نصراني من كتب الإسلام الصحيحة المختارة المثقفة في خزائنكم … حسبما يختاره خديمنا … وتعطون خمسمائة أسير من المسلمين في الخمسين الأخرى عشرة أسارى لكل نصراني وان لم توجد الكتب التي هي مرادنا فاجعلوا عوضها من أسرى المسلمين … “

السياسة التجارية الخارجية للمغرب

أكدت سياسة المولى اسماعيل في ميدان التجارة الخارجية مع أوربا سيادة واستقلال المغرب في علاقاته التجارية وتحكمه في مسارها حسب إرادة السلطان ومتطلبات السوق، فقد استرجعت المبادلات التجارية مع أوربا نشاطها في الربع الأخير من القرن السابع عشر، وتكاثرت الدور التجارية بتطوان وسلا وهما المنفذان الأساسيان لتجارة المغرب مع الخارج، وتضاعفت وارداتها أربع مرات عما كانت عليه سنة 1670 .

وفي مطلع القرن الثامن عشر ومع تزايد حاجيات المخزن الإسماعيلي تزايد إشراف السلطان على التجارة واتخذ عدة تدابير لمراقبتها، فمنع تصدير بعض المواد كالحديد والجلود والخيول إلى أوربا وألزم الأوربيين بالحصول على إذن لتصدير بعض المواد كالصمغ وبضرورة مرور تجارهم بوسطاء معينين من المغاربة لعقد الصفقات التجارية.

كما ارتفعت نسبة الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات وعلى الواردات حيث وضع المولى إسماعيل قواعد النظام الجمركي المغربي الذي ستسير عليه البلاد إلى منتصف القرن التاسع عشر من حيث أداء 10% من قيمة ما يرد وما يصدر نقدا أو عينا حسب رغبة السلطان وسوق العرض والطلب وحالة العلاقات بين المغرب والدول الأجنبية، ويمكن أن ترتفع نسبة الرسوم الجمركية لتصل إلى نسبة %25 من قيمتها كما هو الشأن بالنسبة للشموع.

علاقات المغرب مع أوربا

لقد كان مولاي اسماعيل يتعامل بالمثل مع الدول الأوربية ويشدد على بعضها ردا على تعنتها في رفض تزويد المغرب بحاجته من الأسلحة والمعدات لالتزامها بالتوصيات البابوية بعدم تمكين المسلمين من المواد الاستراتيجية التي من شأنها أن تقويهم.

وكانت للمولى إسماعيل علاقة صداقة متميزة مع فرنسا وملكها لويس الرابع عشر، حيث تذكر بعض المصادر أنه أراد الزواج من ابنته وبعث لهذا الغرض سفيره عبد الله بن عائشة، لكن بعد موت لويس الرابع عشر وابتداء من سنة 1718 انقطعت العلاقات الرسمية بين البلدين.

وخيم التوتر على علاقات المغرب مع إسبانيا في إطار الصراع حول التحرير الثغور فضعف دورها في التجارة المغربية، وخلافا لذلك نشطت العلاقات المغربية الإنجليزية بسبب استقرار أوضاع إنجلترا الداخلية مع العقد الأخير من القرن السابع عشر واحتلال الأسطول الإنجليزي جبل طارق سنة 1704 وحاجة إنجلترا إلى تزويد هذه المستعمرة من الموانئ المغربية، فسعت لإبرام معاهدة تجارية مع المغرب مكنتها من احتكار القسم الأكبر من تجارته الخارجية مدة تزيد عن ثلث قرن .

Mausoleum of Moulay Ismail MEKNES MOROCCO
ضريح السلطان مولاي اسماعيل بمكناس

لقد تمكن السلطان المولى اسماعيل من تدعيم وحدة البلاد واستقلالها بتقوية سلطة الدولة ومركزيتها، وتوفير الموارد الكفيلة بسير أجهزتها وردع كل من هدد استقرارها سواء من أتراك الجزائر أو إسبانيا، إلا أن الدعائم التي اعتمدها السلطان العلوي في بناء دولته والتي صنعت قوتها خصوصا الآلة العسكرية المتمثلة في جيش عبيد البخاري، كانت تحمل في طياتها بوادر أزمة انفجرت مباشرة بعد وفاته ليدخل المغرب فترة من الاضطراب والضعف دامت ثلاثين سنة.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق