التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

المولى سليمان .. من الانفتاح إلى الانغلاق

تميز حكم المولى سليمان بالأخد بـ سياسة الإحتراز من أروربا والتخفيف من التعامل التجاري مع دولها، وبالمقابل تم التفتح على التجارة الصحراوية مع افريقيا السوداء. وبموازاة ذلك أصابت المغرب عدة كوارث طبيعية وأوبية. وقامت صراعات اجتماعية حادة تمثلت في الاصطدام المستمر بين المخزن من جهة والقبائل والزوايا من جهة أخرى، وكانت لكل تلك الأحداث عواقب وخيمة على الحالة العامة للبلاد المغرية.

سياسة الاحتراز من أوربا : أسبابها وانعكاساتها

كان للمحاولات التوسعية الأوربية دور في اتجاه المولى سليمان نحو تقليص مبادلات المغرب مع أوروبا

دفعت حملة نابليون على مصر سنة 1798م المولى سليمان إلى الحذر من التوسع الفرنسي في المغرب وبقية بلدان الشمال الإفريقي. وبدخول أوربا في الحروب النابوليونية، أصبح المغرب، بحكم موقعه، موضوع منافسة بين انجلترا وفرنسا. وزاد احتلال نابليون لشبه الجزيرة الأيبيرية من حذر المخزن المغربي، فكان المولى سليمان يتخوف من نزول قوات عسكرية فرنسية بمدينة سبتة.

ومنذ نهاية الحروب النابوليونية، كانت القوى الأوربية تنتظر الفرصة لمهاجمة افريقيا الشمالية بدعوى القضاء على ما تسميه بـ “القرصنة البحرية”. فأرسلت اسبانيا بعثة استكشافية للمغرب بقيادة دومينيكو باديا، المدعى “علي باي العباسي”؛ وذلك سنة 1803م، كما قامت فرنسا بإرسال بعثة بقيادة “بوريل” سنة 1808م. وقدمت البعثتان تقارير سرية حول حالة المغرب وقتئذ.

وساهم وجود الأسطول الأنجليزي، في مضيق جبل طارق، في القطيعة التجارية بين المغرب من جهة وفرنسا وهولندا من جهة أخرى. وبذلك شرع المخزن في تطبيق سياسة الاحتراز.

ساهمت الوضعية الداخلية في تعزيز سياسة الاحتراز من أوربا

كانت كثير من القوى الاجتماعية داخل المغرب غير راضية على تنمية العلاقات مع أوربا، لأن ذلك يمس بمصالحها بشكل غير مباشر، ولأن ضغط الطلب الخارجي كان يتسبب في ارتفاع الأسعار، ولأن التعامل مع الأوربيين كان يُنظر إليه كخطر يهدد الدين والتقاليد. وأصدر العلماء في هذا الشأن فتوى ركزت على مساويء الاتجار مع الأوربيين.

فائخدّث تدابير استهدفت إغلاق الموانيء المغربية في وجه التجار الأوربيين، ومنها رفع الرسوم الجمركية على تصدير الحبوب والشمع (%120) والأبقار (% 270) … الخ. وتلت هذه التدابير الأولية تدابير أخرى سنة 1814م تمثلت في منع تصدير الصوف والزيوت. وكان مبلغ الرسوم المفروضة على الواردات (الشاي – البن – الثياب القطنية) يتعدى %50 من قيمتها.

فنتج عن كل هذا انهيار سريع للمبادلات بين المغرب وأوربا فانخفض عدد التجار الأجانب المقيمين بالمغرب وقلت الحركة الملاحية وتقلص رواج ميناء الصويرة في ظرف بضع سنين. وشمل الركود أيضا موانىء الرباط والعرائش وطنجة. ومنذ 1805م فرض على القناصل الأجانب الإقامة بطنجة فقط، وأصبح اتصالهم بالمخزن يتم عن طريق نائب السلطان بطنجة. كما تم تحديد أسفار المغاربة نحو أوروبا.

“وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، أبطل السلطان ( المولى سليمان ) الجهاد في البحر ومنع رؤساءه من القرصنة وفرق بعض قراصينيه على الإيالات المجاورة مثل الجزائر وطرابلس. وما بقي منها أنزل منها المدافع وغيرها من آلات الحرب وأعد عن أمر التبحر رأسا، بعد أن كانت قراصين المغرب أكثر وأحسن من قراصين الجزائر وتونس…”

وربما استمدت هذه المواقف إزاء أوربا من تأثير الحركة الوهابية على المولى سليمان ؛ تلك الحركة التي دعت، من بين مادعت إليه، إلى التقشف. وكان في هذه الدعوة معارضة للتسرب الاقتصادي الأوربي. وكان الهدف من سياسة الاحتراز، الحفاظ على استقلال المغرب في إطار بنياته القائمة.

الصراعات السياسية والاجتماعية في عهد المولى سليمان

عرف المجتمع المغربي أزمات حادة

حاول المخزن، في عهد المولى سليمان، تعزيز علاقاته التجارية مع افريقيا السوداء والشرق العربي، فنظم عدة حَرْكات، ضد قبائل أيت عطا والقبائل المقيمة، بجوار وادي درعة وبالقرب من فكيك، وكانت القوافل التجارية تتركب عادة من 1000 إلى 2000 جمل، ويصل أكبرها أحيانا إلى عدة آلاف من الجمال المُحمّلة بالمنتوجات المختلفة.

وكان بعض التجار المغاربة يهاجرون إلى أفريقيا السوداء والشرق العربي، ويسهرون على عملية إرسال واستقبال هذه القوافل التي كانت تُدر عليهم أرباحا مرتفعة، يُوزغ قسم منها على أعيان بعض القبائل والقسط الأخر على شكل “زيارة” لشيوخ ومقدمي الزوايا الموجودة على طول طرق القوافل أو المسيطرة على الممرات الاستراتيجية، ومنها الزاويتان الوزانية والدرقاوية.

فأدى تجميد العلاقات مع أوربا وتنشيط تجارة القوافل إلى تدعيم مكانة القوى الاجتماعية المحافظة، من أعيان القبائل وشيوخ الزوايا.

وكان للكوارث الطبيعية نصيب في بروز حركة امتلاك الأراضي واستحواذ أقلية عليها : فوباء الطاعون والمجاعة، أفرغا البوادي من سكانها وسهلا طغيان الملكيات الكبرى داخل بعض البوادي وامتصاصها للملكيات الصغرى الموجودة أو لأراضي الجماعات. وتعرض سكان الحواضر أيضا للنقصان الكبير، ففي سنة 1799م مثلا أودى وباء الطاعون بـ 65.000 نسمة في مدينة مراكش و 50.000 نسمة في فاس و 20.000 نسمة في الرباط وسلا.

وتفاقم الوضع نتيجة انتشار المجاعة. ولم يجد السكان أي احتياطي من الحبوب، وساهمت المجاعة الكبرى التي حدثت ما بين 1798 و 1800م في المزيد من زحف القبائل من الجنوب الشرقي نحو الشمال الغربي، وارتفع ضغط بعضها على البعض الآخر بشكل يفوق قوة الضغوط السابقة، مما تسبب في نشوب نزاعات واشتباكات.

ما بين (1792 و 1810م) تمكن المخزن المغربي من إيقاف تمردات القوى المعارضة له

تابعت بعض القبائل زحفها نحو السهول الشمالية الغربية، ورفض بعضها تطبيق سياسة الاحتراز، وامتنع بعضها الآخر عن التخلي عن مراقبة طرق القوافل. وكانت بعض الزوايا تدعم وتقود بعض التمردات القبلية. كما قامت اسبانيا بتحريض قبائل عبدة ودكالة والحوز على مبايعة المولى هشام. وكان هدف اسبانيا من ذلك صرف نظر المولى سليمان عن المطالبة بسبتة.

إزاء هذه التمردات، حاول المولى سليمان الاحتفاظ على حكمه بالاعتماد على عدة وسائل منها أنه استعمل الليونة إزاء كبريات الزوايا فأنعم عليها بهدايا وامتيازات شتى.

وإثر قدوم أبي العباس أحمد شيخ الطريقة التيجانية إلى المغرب منفيا من الجزائر، أكرمه السلطان وساعده على تأسيس زاوية بفاس مؤملا أن تبسط نفوذها بسرعة وتنافس الزاوية الدرقاوية الفتية التي كان المولى سليمان يحاول التخلص من شيخها المولى العربي الدرقاوي، وإبعاده.

ونظم المولى سليمان “حَرْكات”، ضد القبائل المتمردة، فتمكن جيش من العبيد وجيش من قبيلة أيت ادراسن من إخضاع مكناس وفاس. كما أخضع قبائل الشاوية، دكالة وعبدة وحاصر الموانىء التي تستعملها تلك القبائل في مبادلاتها الخارجية.

ما بين (1810 و 1832م) تحالفت القبائل والزوايا ضد السلطة المركزية

حاول المولى سليمان الأخذ بالمذهب الوهابي. وكان الوهابيون يقولون بإشراك من لا يُوحد الله ويرفضون التوسل والتوسط والشفاعة. ومعنى هذا الدعوة إلى توحيد السلطة ومركزتها. وربما كان في هذا ما دفع السلطان المولى سليمان – في محاولته جمع السلطة بين يديه – إلى الأخذ بهذه المباديء.

كما دعا الوهابيون إلى بساطة الاعتقاد وذلك بالاعتماد على الأصول : (القرآن والسنة)، وبذلك استهدفوا تحرير جماعات كثيرة من المسلمين من عدد كبير من الخرافات والمعتقدات الواهية، والتي ليست من صلب الإسلام. وهذا ما وجد في المغرب أيضا، حيث كان كثير من الناس متأثرين بالبدع التي أتت بها الطرقية.

وبذلك كان الأخذ بالأفكار الوهابية وسيلة للبحث عن حلول للأزمة العامة التي أصبح عليها المغرب أيام السلطان المولى سليمان، والتي رأى “الخاصة” في الأخذ بمباديء الوهابية مخرجا منها.

فحاول المولى سليمان التخلص من الزوايا المعارضة وضرب نفوذها السياسي بأن أصدر الظهير التالي :

والحمد لله الذي تُعَبَّدَنا بالسمع والطاعة، وأمرنا بالمحافظة على السنة والجماعة … أما بعد … يا أيها الناس … أيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم، وطهَّروا من دَنس البِدَعِ إيمانكم، وأخلصوا الله أسراركم وإعلانكم … واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون، والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويُلبسون، وافترقوا أوزاعا، وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا، وتسَمَّوْا فقراء … بما هو حرام كتبا وسنة وإجماعا … وأحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سَقر … وكل ذلك بدعة شنيعة … وتدليس شيطاني وخيال، زينه الشيطان لأوليائه، فوقتوا له أوقاتا، وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتنا، وتصدى له أهل البدع من عيساوة وجيلالة وغيرهم من ذوي البدع والضلالة والحماقة والجهالة، وكل ذلك حرام ممنوع والانفاق فيه إنفاق غير مشروع … فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا من السلطان والخلاف، أن يمنعوا هؤلاء الطوائف من الحضور في المساجد وغيرها … فإيّاكم ثم إياكم والبدع، فإنها تترك مراسم الدين خاوية … وها نحن عباد الله أرشدناكم، وحذرناكم، فمن ذهب بعد هذه المواسم أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم، فقد سعى في هلاك نفسه وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه، وتَلَّهً الشيطان للجبين وخسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، فَلْيَحْذَر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم …

مأخوذ عن ابن زيدان الإتحاف – ج 5، من 465 – 480.

فأعلنت الزوايا المُعارِضة رفضها لهذا الظهير حول المواسم لأنه كان يمس مباشرة بمصالحها المادية وبنفوذها.

وفي سنة 1811م انتفضت قبائل الأطلس المتوسط، عندما قام “أبو بكر أمهاوش”، بجمع صفوفها، وبدأت زحفها نحو فاس ومكناس وتم تنسيق بينها وبين القبائل الصنهاجية والزناتية من جهة وقبائل الهضبة الوسطى (زمور وزيان) من جهة أخرى. ثم اتجه أبو بكر أمهاوش، إلى التحالف مع الزاويتين الدرقاويتين الدرقاوية والوزانية.

فتقلصت سلطة المخزن بشكل كبير ما بين 1818 و 1822م. وتجلى ذلك في مظاهر شتى، منها دخول قبائل الأطلس المتوسط وحلفائها مدينة فاس، ووقوع السلطان المولى سليمان أسيرا، كما تجلى هذا التقلص أيضا في مبايعة مرشحين جدد للعرش منهم المولى ابراهيم بن المولى يزيد ثم أخوه ..

وكان لهذه التطورات السياسية انعكاسات على الحياة الاقتصادية، إذ أن قبائل أيت عطا مثلا ضاعفت هجوماتها على القوافل التجارية مما أدى إلى تزايد انهيار مداخيل المخزن، وخلف ذلك ركودا خانقا لدى الحرفيين داخل المدن التقليدية. وزاد انتشار الأوبئة والمجاعات من تدهور الأحوال العامة.

فقد حدث وباء ما بين 1818 و 1819م كان من أسوء الأوبئة التي اجتاحت المغرب خلال هذه الحقبة التاريخية. وارتفعت الأسعار بشكل كبير. ففي مدينة طنجة مثلا أهلك ما يزيد عن %20 من مجموع سكانها (11.000 نسمة تقريبا) خلال أقل من سنة واحدة من يونيه 1818 إلى غشت 1819م.

والخلاصة أن بداية القرن التاسع عشر قد عرفا صراعات حادة بين الشرائح الاجتماعية المتعارضة، في وقت بدأت فيه القوى الاستعمارية الأوربية تهاجم البلاد المغربية، وتستعمل مختلف الضغوط للتسرب للمغرب.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق