التاريخ الاوربي

النازية الألمانية.. كيف وصل هتلر للحكم

تطور حزب العمال الوطني الاشتراكي الألماني، أو الحزب النازي، إلى حركة جماهيرية وحكم ألمانيا من خلال وسائل شمولية من عام 1933 إلى عام 1945 تحت قيادة أدولف هتلر. وينفرد هذا النظام الديكتاتوري الألماني بخصائص تتشابه مع الفاشية الإيطالية في طبيعتها العامة. وتمثل النازية الألمانية نموذجا لفهم الظاهرة الفاشية من حيث ظروف قيامها وأسلوب حكمها ونتائجها.

بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، تم حظر الحزب النازي وأدين العديد من كبار مسؤوليه بارتكاب جرائم حرب تتعلق بإبادة حوالي 6 ملايين يهودي أوروبي المعروفة بمحرقة الهولوكوست.

ظروف قيام النازية بألمانيا

تنازل الامبراطور گیوم الثاني عن العرش في 9 نونبر 1918 على إثر هزيمة ألمانيا. فدخلت البلاد فترة من الاضطرابات السياسية احتد فيها الصراع بين تيارين رئيسيين وهما : تيار الأغلبية ويضم الاشتراكيين الديمقراطيين بزعامة إيبرت EBERT، وهم ينشدون الإصلاح في إطار الديمقراطية البرلمانية وينبذون الثورة، ولهذا تحالفوا مع الأحزاب اليمينية مثل الديمقراطيين، والوسط الكاثوليكي. ثم تيار السبارتاکيست Spartakiates، وهم شيوعيون ينشدون التغيير الجذري للهياكل الاقتصادية والاجتماعية عن طريق الثورة، ويتزعمهم کارل ليبنخت K.Leibnechet و روزا لوكسمبورغ Rose Luxembourg.

تأسيس جمهورية فيمار

وقد أعلن تيار الأغلبية «الجمهورية الألمانية»، وكون مجلسا مؤقتا برئاسة «إيبرت» لسد الفراغ السياسي والضمان استمرارية الدولة.

لكن الشيوعيين أعلنوا بالمقابل قيام «الجمهورية الألمانية الاشتراكية الحرة» وقاموا بالثورة في برلين للاستيلاء على الحكم. فعرفت المدينة اضطرابات دموية طيلة الفترة ما بين 5 و 12 يناير 1919، وانتهت بتمكن الجيش من سحق الثوار وإعدام «لیبنخت» و «روزا لكسمبورغ». كما تمكن الجيش من استرجاع المدن الأخرى التي كانت في يد الشيوعيين مثل ميونيخ وبريم وهامبورغ ولايبزغ.

وبمجرد القضاء على الثورة عملت الحكومة على انتخاب جمعية تأسيسية اجتمعت في مدينة فيمار Weimar، ووضعت دستورا للبلاد تمت المصادقة عليه في 31 يوليوز 1919. وأصبح النظام الجديد يدعى “جمهورية فيمار”.

وقد أبقى الدستور على الطابع الفيدرالي لألمانيا، وأصبح للولايات ممثلوها في المجلس الفيدرالي الرايخسرات Reichsrat. وأصبح نظام الحكم برلمانيا، حيث خولت أهم السلطات للمجلس النيابي الرايخستاغ Reichstag، وقد انتخب إيبرت رئيسا للجمهورية، وتولى رئاسة الحكومة (المستشارية) الاشتراكي شديمان Scheidemann.

واجهت جمهورية فيمار صعوبات كبيرة

أدت الحرب العالمية الأولى إلى تدهور كبير في الإنتاج، حيث هبط مؤشر الإنتاج الصناعي من الأساس 100 لسنة 1913 إلى 57 سنة 1918، وانخفض الإنتاج الفلاحي، وذلك بسبب خسارات الحرب والاقتطاعات في الأراضي. وهكذا، أصبحت ألمانيا مضطرة إلى استيراد المواد الغذائية، في الوقت الذي نقصت فيه صادراتها الصناعية، وفقدت مداخيل أسطوليها البحري والجوي المحجوزين من طرف الحلفاء، وأصبحت مضطرة إلى دفع تعويضات الحرب للحلفاء، وعرف ميزان الأداءات من جراء ذلك عجزا خطيرا، اضطر الدولة إلى إقرار أكبر عملية تخفيض للعملة.

وصاحب هذا التضخم، ارتفاع كبير في الأسعار، أدى إلى هبوط مستوى معيشة الطبقة العاملة. كما تضررت منه الطبقات الوسطى التي فقدت ودائعها البنكية قيمتها من جراء التضخم، فاضطرت إلى بيع أسهمها وتحولت بدورها إلى بروليتاريا. واستفادت من التضخم الطبقة الرأسمالية وحدها، لأنه سمح بزيادة الصادرات الصناعية، ومكنها من احتواء المؤسسات الصغيرة المفلسة.

وقد حركت هذه الصعوبات المعارضة السياسية من جديد أمام الجمهورية الفتية. فالمعارضة اليسارية وجدت صدى لدى العمال ضحايا التضخم. ورفضت الأرستقراطية النظام الجديد الذي حرمها من مكانتها المهيمنة في أجهزة الدولة. ويضاف إلى كل هذا، أن الجروح التي لحقت الشعور الوطني الألماني من جراء معاهدة فرساي كانت تذكي معارضة الحكومة التي وقعت هذه المعاهدة، وخاصة من طرف اليمين المتطرف المتمثل في «الحزب الوطني الألماني» و «الحزب الوطني الاشتراكي» الذي يتزعمه «أدولف هتلر».

وقد تطورت المعارضة إلى اضطرابات خطيرة، حيث نظم اليمين المتطرف محاولة انقلاب بزعامة «كاب» في 13 مارس 1920. وكاد الانقلاب أن ينجح لولا معارضة النقابات التي أفشلته عن طريق شن إضراب عام. وتزعم الوطنيون الاشتراكيون محاولة انقلابية في ميونيخ في 9 نونبر 1923. إلا أن الجيش تمكن من إخماد الاضطرابات، ودخلت جمهورية فيمار فترة من الاستقرار ابتداء من سنة 1923.

إعادة الاستقرار

تمكنت جمهورية فيمار من إعادة الاستقرار طيلة الفترة ما بين 1920 و1929

انطلقت مجهودات إعادة الاستقرار من تصحيح الوضعية المالية لألمانيا. حيث أقر القانون المالي لغشت 1924 المقابل الذهبي، وحدد قيمة العملة الجديدة وهي الرايخ سمارك Reichsmark في مليار من المارك الورقي القديم. فتخلصت الدولة عمليا من الديون، واستطاعت إعادة التوازن إلى ميزانيتها عن طريق سياسة مالية صارمة اعتمدت زيادة الضرائب وتخفيض النفقات العمومية. كما استفادت الدولة من القروض الأمريكية والانجليزية.

واستعملت الدولة هذه القروض في إنعاش الاقتصاد الوطني، حيث مولت بنوكا عمومية متخصصة في تقديم القروض للمؤسسات الصناعية. فأصبح بإمكان الصناعة تطوير طاقتها الانتاجية وتجديد تجهيزاتها، وزيادة تركيزها. وبهذا تضاعف الانتاج الصناعي بين 1924 و 1930 وأصبح يفوق إنتاج سنة 1913 بنسبة % 10. وانعكس انتعاش الصناعة على التجارة الخارجية، حيث وصلت الصادرات سنة 1926 إلى مستوى 1913، وفاقته بنسبة %34 سنة 1929.

لكن هذا الانتعاش لم يكن يخلو من المشاكل؛ إذ أن استمراره أصبح متوقفا على تدفق الرساميل الأجنبية. كما أن الاستقرار السياسي الذي فرض بمساندة الجيش للحكومة، حمل في طياته تطورات سياسية تنذر بالخطر. ومن جملتها أن انتخابات ماي 1924 أسفرت عن هزيمة أحزاب الأغلبية، في الوقت الذي تزايد عدد مقاعد الشيوعيين من 4 إلى 62 ومقاعد الوطنيين من 15 إلى 95. كما أسفرت الانتخابات الرئاسية لسنة 1925 عن هزيمة الاشتراكيين وفوز هندنبرغ ، ورافق هذا الاتجاه نحو التطرف السياسي، أن أصبحت الأحزاب الرئيسية تتوفر منذ 1924 على تنظيمات عسكرية خاصة.

تأزم الأوضاع في ألمانيا من جديد

أنهت الأزمة الاقتصادية العالمية الانتعاش الاقتصادي والاستقرار السياسي لألمانيا وهيأت الظروف لاستيلاء النازيين على الحكم

بدأ الوضع المالي يتدهور في ألمانيا منذ خريف 1928، حيث توقفت رؤوس الأموال الأمريكية نتيجة انكماش السوق المالية الأمريكية. وازداد الوضع تدهورا بعد سنة 1929 عندما عمدت الولايات المتحدة إلى سحب أموالها من ألمانيا في محاولتها لتفادي الأزمة. وهذا ما أدى إلى إفلاس كبريات البنوك الالمانية وإلى انهيار أسعار الأسهم في البورصة بنسبة الثلثين. وتضررت كذلك ميزانية الدولة التي اضطرت إلى مساعدة الأبناك لتلافي الافلاس العام.

وتسببت الازمة المالية في تعطيل نظام القروض الذي يعتبر حيويا بالنسبة للنشاط الصناعي، بالاضافة إلى أن انهيار التجارة العالمية من جراء أزمة 1929 الاقتصادية أقفل منافذ الصناعة الألمانية التي كانت تصدر ثلث إنتاجها، وانهار الطلب الداخلي نتيجة للسياسة التقشفية التي انتهجتها الدولة ولانتشار البطالة. فانهار الانتاج الصناعي بنسبة %42، وأصبحت البطالة تمس و %44.4 من العمال. وهكذا لم يصمد الانتعاش الذي حققته جمهورية فيمار أمام الأزمة الجديدة.

وكانت للأزمة انعكاسات اجتماعية وسياسية خطيرة، حيث أنها مست جميع طبقات المجتمع، فتناقصت أرباح رجال الصناعة، وتضررت الأرستقراطية العقارية من جراء انهيار أسعار المنتجات الفلاحية فأصبحت ترفض نظام الحكم القائم الذي لم يستطع التغلب على الأزمة، ولحق أكبر الضرر بالفئات المتوسطة والفقيرة من موظفين ومستخدمين وأصحاب المهن الحرة وعمال الصناعة والفلاحة؛ إذ ضربت البطالة قسما كبيرا منهم، وانخفضت الأجور الحقيقية للباقي بنسبة الثلث بالمقارنة مع ارتفاع الأسعار. وهكذا تعلقت آمال العمال بالحزب الشيوعي بينما التجأت الطبقات المتوسطة إلى الحزب النازي.

استغل الحزب النازي ظروف الأزمة للوصول للحكم

إن لفظ النازي هو اختصار لاسم « الحزب الوطني الاشتراكي الألماني للعمال » NAtional SoZIalisten ومؤسسه هو أدولف هتلر .

من هو هتلر؟

ولد هتلر سنة 1889 في فيينا. وبعد فشله في الالتحاق بأكاديمية الفنون، أصبح يعيش عيشة بئيسة على مداخيله من الرسم. وفي سنة 1913 غادر فيينا إلى ميونيخ حيث عاش نفس المعيشة. والتحق بالجندية عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، وفيها تأجحت عواطفه الوطنية. وبعد الحرب، انخرط في « حزب العمال الألماني » سنة 1919. وغير تسميته إلى « الحزب الوطني الاشتراكي الألماني للعمال ».

وقد عمل هتلر على تطوير الحزب وتقويته. وكون فرقا لحفظ النظام تحولت فيما بعد إلى جناح عسكري للحزب وهي « فرق التدخل (.S.A)». واستغل هتلر الاضطرابات التي وقعت سنة 1923، محاولا السيطرة على السلطة في ولاية بافاريا في المرحلة الأولى. ولكن محاولته باءت بالفشل، وكان مصيره السجن حيث ألف كتابه « كفاحي » Mein Kampf.

وبعد فشل تجربة القوة، بدأ هتلر التهييء المنهجي للوصول إلى الحكم بالطرق الشرعية، والتزم من أجل ذلك خطة مزدوجة تعتمد في آن واحد : أسلوب الاقناع تجاه رؤساء الجيش ورجال الأعمال والمحافظين بواسطة الوعود، وتجاه الجماهير بواسطة الشعارات الديماغوجية. وأسلوب إرهاب الخصوم بواسطة عقد التجمعات الكبرى والاستعراضات والحملات التأديبية. وإذا كانت نتائج الحزب في الانتخابات التشريعية هزيلة في البداية، فإن الأزمة الاقتصادية لسنة 1929، وما ترتب عنها من بؤس غالبية فئات المجتمع الألماني، زادت في شعبية الحزب النازي وتصويت الناخبين لصالحه.

واستفاد الحزب النازي كذلك من الظروف السياسية التي عاشتها المانيا عقب الأزمة الاقتصادية. فقد عرفت البلاد فترة من عدم الاستقرار الحكومي؛ حيث تعاقبت على الحكم عدة حكومات ائتلافية يمينية، بسبب عدم توفر أي من الأحزاب الحاكمة على الأغلبية البرلمانية لمساندة برامجه.

وفي نفس الوقت كان نجاح الحزب الشيوعي يتزايد باستمرار في الانتخابات التشريعية؛ حيث حصل سنة 1930 على 4.592.000 صوت و 7 مقعدا. وهذا ما جعل رجال الأعمال يتحالفون مع الحزب النازي ويساندون ترشيح هتلر لمنصب مستشار الرايخ (رئيس الحكومة)، وذلك في سبيل دفع « الخطر الأحمر » وتحقيق الانتعاش الاقتصادي.

وفعلا عين هتلر مستشارا للرايخ من طرف الرئيس هند نبرغ في 30 يناير 1933، فكان ذلك بداية لتحويل ألمانيا إلى الديكتاتورية النازية.

وهكذا يتضح كيف استغل الحزب النازي ظروف المانيا المتأزمة، من أجل استقطاب المنخرطين وكسب أصوات الناخبين وعقد التحالفات التي مكنته من الوصول إلى الحكم في إطار الشرعية. فاختلف بذلك عن الحزب الفاشي الايطالي وعن أنظمة فاشية أوربية أخرى لم تستطع تقلد زمام الحكم إلا بالقوة. غير أن هتلر زعيم الحزب النازي، عمل بمجرد وصوله إلى السلطة على تقويض النظام البرلماني الألماني وأقر بدله نظاما دیكتاتوریا جمع كل خصائص النظام الفاشي.

وبحجة مواجهة مخلفات الأزمة لجأ هتلر بعد ذلك إلى استصدار قانون استثنائي يخوله جميع السلطات التنفيذية والتشريعية لمدة أربع سنوات. وهو قانون تحتاج المصادقة عليه إلى أغلبية ثلثي النواب؛ مما جعل هتلر يغدق الوعود والضمانات على الأحزاب الأخرى، إلى أن صوت الرايخستاغ على القانون في 24 مارس 1933 بأغلبية 444 نائبا من بين 538 نائبا حاضرا.

أدولف هتلر
هتلر والتحية النازية

شرع هتلر في تحويل نظام الحكم إلى الديكتاتورية

احتاج تنفيذ برنامج الحزب النازي الحاكم إلى موافقة البرلمان. وحيث أن الحزب لم يكن يتوفر على الأغلبية اللازمة، فإن أول قرار اتخذه هتلر هو حل الرايخستاغ في 2 فبراير 1933، وإجراء انتخابات جديدة. ونظم النازيون حملة انتخابية مكثفة وعملوا على إقصاء منافسهم الأول الحزب الشيوعي، بعد إلباسه تهمة إحراق مقر الرايخستاغ في 27 فبراير 1933. ومع ذلك لم يحصل النازيون في انتخابات 5 مارس إلا على %44 من الأصوات.

واستغل هتلر سلطاته الجديدة، فبدأ في إصدار قرارات منع الأحزاب السياسية، وانتهى الأمر إلى إصدار قرار دجنبر 1933 الذي يقر نظام الحزب الوحيد ويجعل الحزب النازي هو الوحيد المشروع في المانيا. وانتقل هتلر بعد ذلك إلى تصفية المعارضة الداخلية النازية المتمثلة في قيادة فرق التدخل وعلى رأسها صديقه روهم Röhm في 30 يونيو 1934 (ليلة السكاكين الطويلة).

وعند وفاة الرئيس نبرغ في 2 غشت 1934، جمع هتلر بين منصبي مستشار ورئيس الرايخ، وأصبح قائد الرايخ “الفوهرر” Reichs Führer وتأكد هذا القرار بواسطة استفتاء شعبي نظم في 19 غشت، بحصوله على %90 من الأصوات.

تحولت ألمانيا النازية إلى دولة كليانية

تتمثل الكليانية في المركزية التي اصطبغت بها الدولة النازية، ويمكن استخلاص هذه المركزية من شعار النازية وهو « شعب واحد، دولة واحدة، قائد واحد » Ein volk, sin Reinch, sin Führer وتعني كلمة «فولك» volk عند النازيين مجموعة عرقية قائمة على عنصري الدم والأرض.

ومن هنا فإن أساس إيديولوجية الدولة النازية هو العنصرية. وتدعي أن الأجناس البشرية غير متساوية فيما بينها، وأن أرقاها عضويا وفكريا هو « العرق الآري » الذي يجسده الجرمان. ومن واجب الدولة أن تعمل على صفاء هذا العرق من الشوائب التي لحقته من جراء اختلاطه بالأعراق الأخرى الدنيا، وأن تعمل على توحيده وتقويته بالقدر الذي يضمن سيادته على باقي الأجناس البشرية.

وعمل هتلر منذ أن أصبح مستشارا للرايخ على إلغاء الشكل الفيدرالي للدولة الالمانية. فبعد أن كانت حكومات الولايات تنبثق من الانتخابات، فأصدر قانون 7 أبريل 1933 الذي يجعل على رأس كل ولاية حاكما، له الحق وحده في تعيين أو إقالة حكومة الولاية. ثم صدر بعده قانون إعادة بناء الرايخ في 30 يناير 1934 الذي يلغي الولايات ويخول سلطاتها إلى الرايخ. وفي الشهر الموالي، اختفى الرايخسرات الذي كان بمثابة مجلس ثان في البرلمان الألماني، ويضم ممثلى الولايات. ثم صدرت عدة قوانين أخرى تدعم مركزية الدولة، إلى أن تحولت الولايات إلى مجرد مقاطعات إدارية تخضع للسلطة المباشرة لوزارة الداخلية. فتأكد بذلك مدلول « الرايخ الواحد » “Ein Reich”.

شعار النازية
شعار النازية “الصليب المعقوف”

وتأكدت المركزية كذلك بتطبيق المبدأ الثالث من شعار الحزب والدولة النازيين وهو « القائد الواحد » ( الفوهرر ). فمنذ أن جمع هتلر منصبي مستشار ورئيس الرايخ، أصبحت سلطته مطلقة فيما يخص اتخاذ القرارات التي توجه مسار المانيا، وأصبحت طاعته واجبا مقدسا بالنسبة لكل مؤسسات وأطر الحزب والدولة. وهذا ما عبر عنه کوبلر بقوله :

عندما تتصرف أيها القائد فإن الأمة هي التي تتصرف، وعندما تحكم فإن الشعب هو الذي يحكم.

وتدعم مبدأ القائد أو الرئيس بأن عُمِم على جميع مستويات الحكم، وحل محل فكرة الانتخاب والرجوع إلى القواعد التي كانت سائدة في العهد البرلماني. وكانت هذه إرادة هتلر التي سبق أن عبر عنها في كتابه «كفاحي».

لا يجب أن تكون هناك قرارات تتخذ بالأغلبية، ولكن فقط من طرف أشخاص مسؤولين … وطبعا سيكون بجانب كل واحد مستشاروه، ولكن القرار سيتخذ من طرف رجل واحد … يتمتع وحده بالسلطة والحق في القيادة.

من مظاهر الكليانية كذلك فرض الايديولوجية النازية على الألمان

استخدم الحزب النازي الحاكم شتى الوسائل لضمان ولاء الألمان لمبادئه وجمع في سبيل ذلك بين سياستي القوة والإقناع.

فقد اعتمدت الدولة من جهة على نظام بوليسي قوي ومتنوع : وأهم أجهزته هي : « فرق الأمن » s.s.i) التي بلغ عدد أفرادها 500.000 سنة 1939. وتعددت اختصاصات هذا الجهاز، بحيث كون الحرس الشخصي لهتلر، وفرقة للطوارئ، ووحدة عسكرية، بالاضافة إلى حماية أمن الدولة من الأخطار الداخلية والدفاع عن العنصرية.

ومن الأجهزة الأخرى « الشرطة السرية للدولة » (Gestapo) التي تتوفر على مصلحة للاستعلامات تشغل 30.000 شخص، والتي تخصصت في تتبع العناصر المعارضة، وبثت الرعب في ألمانيا. وقد صدرت عدة قوانين تجعل سلطات أجهزة الأمن فوق القضاء، وتشرع نظام الاعتقال الاحتياطي بدون محاكمة في « معسكرات الاعتقال ». ولهذا تم إسكات صوت المعارضة في المانيا.

وعملت الدولة كذلك على ترسيخ المبادئ النازية في عقول الالمان، حيث وقع تعميم التنظيم الحزب النازي على جميع التراب الألماني، وأخضع لتنظيم تراتبي ابتداء من خلية العمارة إلى المدينة والاقليم. وحتى تتدخل الدولة النازية في حياة كل فرد أحدثت بموازاة تنظيمات الحزب، أصنافا متنوعة من الجمعيات التي تخص كل فئات الشعب، وتكلفت «الشبيبة الهتلرية» بتنشئة أطفال ألمانيا وفق المبادئ النازية العنصرية. واستعملت كل وسائل الدعاية الممكنة من تعليم وصحافة وتجمعات، من أجل ضمان استمرار الولاء للنازية، ومن أجل التعبئة الدائمة للشعب.

وقد ظلت عدة جهات تعلن معارضتها بين الحين والآخر للدكتاتورية التي طبقها النازيون. ولكن نجاح السياسة الداخلية والخارجية لهتلر في تقوية الاقتصاد الألماني والقضاء على البطالة ورد الاعتبار للقومية الألمانية، كونت عوامل أخرى ضمنت ولاء الألمان للنازية.

النازيون وفكرة المجال الحيوي

ارتبطت فكرة المجال الحيوي بالأيديولوجية النازية، وأصبحت من أقدس الواجبات التي تلتزم الدولة النازية بتحقيقها. ويقصد بها توسيع التراب الألماني حتى يصبح كافيا لحياة الألمان. وهي بذلك سياسة توسعية تستجيب لعدة مبررات : فهي عنصرية باعتبار الجرمان هم أرقى الأعراق البشرية ولهم حق السيطرة على ما دونهم. وهي أيضا تاريخية باعتبار الحلم النازي بإحياء مجد الإمبراطورية الجرمانية المقدسة. وهي اقتصادية على الخصوص من أجل سد النقص الذي تعانيه ألمانيا من المواد الأولية ومصادر الطاقة والمواد الغذائية، وضمان الأسواق لتصريف فائض إنتاج الصناعة الألمانية.

يجب أن تضمن السياسة الخارجية للدول العنصرية وسائل العيش على هذا الكوكب للعرق الذي تضمه الدولة، وذلك بإقرار علاقة سليمة وقابلة للاستمرار ومطابقة للقوانين الطبيعية، بين عدد السكان وتكاثرهم من جهة واتساع المساحة وقيمتها من جهة أخرى. يضاف إلى ذلك أن هذه العلاقة السليمة لا يمكن أن تتحقق إلا في الوضعية التي تكون فيها تغذية الشعب مضمونة بواسطة ثروات أرضه وحدها. إن الجمال الكافي على هذه الأرض هو وحده الذي يضمن لشعب ما حرية الحياة.

من كتاب “كفاحي”

ألمانيا النازية القوة الصناعية الثانية في العالم

تدخلت الدولة لتهيء ظروف الانطلاقة الاقتصادية وتركز تدخلها على الخصوص في إعادة تنظيم الهياكل الاقتصادية والعلاقات بين العمال وأرباب العمل.

فقد أصبحت الدولة تدير وتراقب كل القطاعات الإنتاجية، دون المساس بالملكية الخاصة. واقتبست في هذا المجال نموذج «التنظيم التعاوني» الذي طبقه الفاشيون في إيطاليا، حيث وقع تنظيم المؤسسات عموديا بحسب القطاعات المنتجة، وأفقيا بحسب التقسيم الإداري للبلاد. ووضع على رأس هذه التنظيمات جهاز بيروقراطي ضخم هو «الغرفة الاقتصادية لـ الرايخ». وتكلف هذا الجهاز بتوجيه المؤسسات فيما يخص نوع وكمية المنتوجات وطرق الإنتاج وتحديد الممونين والزبائن، وتكلف موظفوه بمراقبة تنفيذ هذه التوجيهات. كما أصبحت الدولة هي التي تحدد الأسعار والأجور ومدة العمل اليومي وأرباح المؤسسات.

وطبق النازيون كذلك فكرة التعاون في تنظيم العلاقات بين العمال وأرباب العمل، حيث وقع حل النقابات وعوضت بتنظيم «الجبهة الألمانية للشغل» بمقتضى قانون ماي 1933، ففرض أن تكون العلاقات بين المشغلين والعمال علاقات تعاون وليس علاقات صراع. وأحدثت في هذا الاطار «جماعات الشغل» سنة 1934 التي تجمع ممثلين عن المشغلين والأجراء بحسب القطاعات المهنية.

وتكلفت “محاكم الشرف” بحل النزاعات بين العمال وأرباب العمل لتقضي على الاستغلال ولتحارب على الخصوص الإضرابات التي تعتبرها خطرا على السلم الاجتماعي وتهديدا للانسجام الذي يجب أن يسود جماعات الشغل. وأصبح الاضراب بالتالي جريمة يعاقب عليها القانون.

نهج أدولف هتلر سياسة التخطيط الاقتصادي

خضع الاقتصاد الألماني في العهد النازي لسياسة التخطيط التوجيهي وعرفت الفترة تطبيق مخططين رباعيين :

انطلق المخطط الاول سنة 1933 تحت شعار «ضمان الشغل والخبز للجميع»، حيث اتخذت الدولة عدة إجراءات لمحاربة البطالة، ومن بينها إقرار الخدمة العسكرية الاجبارية والتوظيفات الكثيرة في أجهزة الشرطة والتوجيه الاقتصادي.

كما فتحت أوراش عمومية كبرى استوعبت أعدادا هائلة من العاطلين من أجل مد الطرق وبناء المساكن واستصلاح الأراضي. وكانت النتيجة أن انخفض رقم البطالة من 6 ملايين تقريبا سنة 1932 إلى 1,1 مليون سنة 1936، رغم أن مدة العمل اليومي قد ارتفعت من 5 إلى 8 ساعات.

وانطلق المخطط الثاني سنة 1937، مستهدفا النهوض بالاقتصاد الألماني وتحقيق الاكتفاء الذاتي، حتى تصبح المانيا قادرة على مواجهة الحرب.

وقد أعطيت الأولوية في هذا المخطط للصناعة الثقيلة الضرورية لإعادة تسليح ألمانيا. فتطورت هذه الصناعة. وضمنت لها الدولة المواد الأولية عن طريق الاستيراد، اعتمادا على المقايضة أو بتشجيع البحث العلمي وانتاج المواد الاصطناعية كالمطاط والبنزين. وأصبحت المانيا تحتل المرتبة الثانية في المجال الصناعي على الصعيد الدولي سنة 1939.

السياسة الاجتماعية لـ النظام النازي

اهتم النازيون بالجانب الديمغرافي على اعتبار أن العنصر البشري أداة مهمة لتحقيق حلمهم في عظمة ألمانيا. وهكذا انتهجوا سياسة تشجيع النسل عن طريق مساعدة العائلات الكثيرة الأطفال، وتشجيع الزواج المبكر، وتحسين الظروف الصحية؛ مما جعل معدل الولادات يرتفع بين 1935 و 1939 من ‰14,7 إلى ‰20.4، ومعدل التكاثر الطبيعي من ‰4,7 إلى ‰11,5.

وانتقل عدد السكان من 66 مليون إلى 69,8 مليون نسمة. وارتبطت السياسة الديمغرافية بالعنصرية، حيث حرصت الدولة على مبدأ نقاء العنصر الآري. وفي هذا الاطار كان يقع تعقيم الأشخاص المصابين بالأمراض غير القابلة للشفاء أو الوراثية، والتخلص من المعوقين جسديا أو عقليا عن طريق القتل، ومنع الزواج بين الألمان واليهود.

اقرأ أيضا: كيف حمى الملك محمد الخامس اليهود من حكومة فيشي العنصرية

وعمل النازيون على تحسين ظروف العمل، حيث فرضوا على أرباب المؤسسات الصناعية مثلا توفير الإضاءة والتهوية الكافية في معاملهم، وتزويدها بالحدائق والتجهيزات الرياضية وقاعات التنشيط الثقافي والترفيهي. وحرصوا على ضمان العطلة اللائقة للعمال.

وقد أدت السياسة الاقتصادية إلى مضاعفة الدخل الوطني الألماني. بيد أن المستفيد منها كان هو القطاع العسكري، حيث بلغت الاقتطاعات من أجور العمال لتمويل المجهود العسكري %25 من الراتب الإجمالي سنة 1938، في الوقت الذي عانى السكان من ندرة المواد الاستهلاكية وكثرت الطوابير أمام المحلات التجارية. وهذا ما عبر عنه کورينغ بقوله : « المدافع بدل الزبدة » لان الهدف الأسمى للنظام كان هو التوسع وتحقيق المجال الحيوي.

وهكذا، تمكنت المانيا في ظل الحكم النازي من تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحرب العالمية الأولى والأزمة الاقتصادية العالمية، ولكن ذلك حدث على حساب الحرية والديمقراطية، اللتين انمحتا بتطبيق الديكتاتورية من طرف الحزب النازي الحاكم. وتمكنت ألمانيا النازية من استعادة قوتها العسكرية والبدء في تنفيذ سياستها التوسعية، فكان ذلك من عوامل اندلاع الحرب العالمية الثانية.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق