التاريخ العالمي

كيف ساهمت النهضة الأوربية في انبعاث أوربا

عرفت أوربا خلال القرنين 15 و16م تغییرات اقتصادية واجتماعية، أسهمت في ازدهار حركة إحياء وتجديد ثقافة العالم القديم وفنه. ومن ذلك جاءت تسميتها بالنهضة الأوربية. وقد تولى هذا الإحياء والتجديد مثقفون اهتموا بالإنسان وتثقيفه، وهيأوا بعملهم ذلك، ظروف انطلاق الإصلاح الديني.

النهضة الفكرية والفنية

عوامل النهضة الأوربية الفكرية والفنية

ساعدت عدة عوامل على انبثاق النهضة الفكرية والفنية:

ففي المجال الإقتصادي-الإجتماعي تطورت التجارة، ووسعت من مداها الإستكشافات الأوربية الكبرى، وترتب عنها اكتساب ثروات هامة أدت إلى نشأة المصارف (الأبناك) وانتعاش الحياة في المدن بفضل نمو الطبقة البورجوازية التجارية.

وفي المجال الثقافي انصب الاهتمام على تعلم اللغات القديمة لا سيما اليونانية والرومانية والتنقيب عن المخطوطات وإنشاء جامعات، فتولدت عن ذلك الاهتمام الحركة الإنسانية (الثقافية) التي أعطت الإعتبار الأسمی للإنسان وأمنت بقدراته الإبداعية. وكان للتشجيع الذي لقيه المثقفون من الأمراء وكبار الأغنياء أثر كبير في مواصلة أعمالهم.

وقد جاء اختراع المطبعة، في حدود منتصف القرن الخامس عشر، من طرف الألماني جوتنبرغ Gutenberg ليساعد على تطور الحياة الثقافية.

ويتلخص اختراع جوتنبرغ في صنع حروف منفصلة من المعدن تُصَفُّ خلال الطَّبع في كلمات وأسطر وصفحات، ثم تفكك بعده لاستخدامها في طبع جدید.

ولم تأت نهاية القرن الخامس عشر حتى كانت المطبعة قد انتشرت في أوربا.

إنه شيء لا يمكن تصديقه أن ترى 4 أو5 أشخاص ينجرون في يوم واحد، وبفضل هذا الفن الرائع للمطبعة، العمل الذي ينجزه ثلاثة آلاف أو أربعة من أحسن الناسخين في العالم.

وقد عملت المطبعة على انتشار الأفكار والمعارف الجديدة بواسطة الكتب المطبوعة التي أصبحت أثمانها منخفضة.

وتوفرت في ايطاليا ظروف انبثاق النهضة الأوربية لاستفادتها من وضعها الجغرافي وتجارتها المتوسطية وثراء ثرائها الروماني، ومنها انتقلت النهضة إلى باقي أوربا ولاسيما أوربا الغربية.

مجالات الحركة الفكرية والعلمية

شكلت الحركة الإنسانية ثورة فكرية لمعارضتها لأفكار القرون الوسطى ولإعتمادها على العقل. فقد أبرز مثقفو عصر النهضة عيوب المجتمع والخرافات الناتجة من تراكم الأفكار الخاطئة التي نشأت في أحضان الكنيسة.

وازدهرت الآداب الوطنية، كما حدث في إيطاليا وفرنسا وانجلترا بفضل اختراع المطبعة والكتابة باللهجات المحلية بدل اللغة اللاتينية التي كانت محصورة في فئة قليلة.

وقد إزدهر ضمنها لون أدبي سياسي ومن ذلك كتاب “الأمير” لـ مكيافيلي Machiavel الذي انطلق فيه من تصور قيام دولة إيطاليا الموحدة القوية، وما كتبه توماس مور Thomas More الإنجليزي (1535-1478) في كتابه “الإثيوبيا” (Utopile) الذي تخيل فيه جزيرة يعيش عليها مجتمع وحكومة فاضلان.

واهتمت الحركة الإنسانية بالجانب التربوي والتعليمي وراعت التكوين الشمولي للإنسان.

أشير عليك، يا بني، … أن تتعلم اللغات وتتقنها فتدرس أولا اللغة اليونانية … وثانيا اللاتينية والعبرية لفهم الكتاب المقدس وعليك كذلك أن تدرس الكلدانية والعربية … والهندسة والحساب والفلك … أما في معرفة الطبيعة فأريد منك أن تتفرغ لها بشغف فلا تترك بحرا ولا نهرا ولا نبعا إلا درسته … وعليك أن تدرس بعناية كتب أطباء اليونان والعرب … وعلم التشريح وأن تكتسب معرفة تامة … بالإنسان».

رابليه Rableais طبيب وعالم ومفكر فرنسي

ودعت الحركة الإنسانية إلى نبد التعصب وفتح المجال للفكر الحر، لاعتقادها أن للإنسان طبيعة خيرة تدفعه إلى القيام بأعمال فاضلة.

وفي المجال العلمي تقدمت العلوم باعتمادها على منهج جديد.

” العلوم التي لا تتولد من التجربة – وهي أم كل يقين – والتي لا تنتهي في الملاحظة – أي تلك العلوم التي تمُرُّ … بإحدى الحواس الخمس، هي علوم باطل وطافحة بالأخطاء”

ليوناردو دا دافنشي Leonardo da Vinci من كتاب: مذكرات

وأدى اعتماد منهج الملاحظة والتجريب إلى تطوير مختلف العلوم، وقد نالت معرفة الإنسان مكانة مرموقة وذلك عن طريق علم التشريح.

الحركة الفنية.. عصر النهضة

انطلقت الحركة الفنية من إيطاليا، فعكست مستوى الرفاهية الذي عاش فيه الأمراء والبورجوازيون الأغنياء والبابوات، وكان ما تزخر به إيطاليا من الآثار المتنوعة مصدر إلهام الفنانين، كما أثرت الحركة الإنسانية في الفن ولذلك وقع اهتمام الفنانين بجسم الإنسان.

کما اشتملت النهضة الفنية الفن المعماري الذي تميز بالابداع في بناء وزخرفة القصور والكنائس.

وامتد تأثير فن النهضة الفنية الإيطالية إلى باقي دول أوربا عن طريق استدعاء الفنانين الإيطاليين أو رحلة الفنانين الأوربيين إلى ايطاليا بهدف التكوين، وكان الإهتمام أكثر ببناء القصور ولا سيما في فرنسا.

الإصلاح الديني

عوامل الإصلاح الديني

أصبحت سلطة الكنيسة في أزمة، إذ أهملت دورها الديني، فأصبح البابوات كأمراء أكثر من كونهم رؤساء دينيين.

وكثرت مفاسد الكنيسة ومن ذلك، تعاطيها لجمع الثروات والإنغماس في حياة البذخ واستهلاك أموال الكنيسة المجلوبة عن طريق الضرائب الدينية، ولم تكتف بذلك، بل ابتدعت بيع صكوك الغفران وهي شهادات كانت الكنيسة تزعم أنها تضمن المغفرة لمن يشتريها من مرتكبي الذنوب.

کما سمحت بتولي المناصب القيادية في الكنيسة، لأشخاص ليسوا من رجال الدين، راعت في تعيينهم اتفاقات عقدتها مع الحكومات الأوربية.

الأحبار يتغطرسون بالعظمة ويحتقرون الأخرين.. ويريدون احتلال الكراسي الأولى في المدارس والكنائس الإيطالية .. وليس لديهم من اهتمام إلا بالدنيا والأمور الدنيوية، فأما الإهتمام بالروح فلا يحتل قلوبهم.

وساهمت الحركة الإنسانية بدورها في قيام حركة الإصلاح الديني.

فأخذ الأدب الإنساني .. يعظم المسيح.. فالطقوس تغرق العالم في سبات عميق. والرهبان أو بالأحرى أشباه الرهبان كانوا يسيطرون على ضمائر الناس لأنهم أوثقوم بعقد لا تحل.وقد أدت ترجمات الكتاب المقدس إلى اللغات الوطنية إلى تيسير فهمه . وجاءت الشروح المعاصرة آنذاك لتقوي الفهم الصحيح للدين المسيحي وعمل على تنقيته ما اختلط به من خرافات ، مستندة إلى روح العقل السائدة ، وهكذا صارت البيئة ملائمة لتقبل دعوة الإصلاح .

حركة مارتان لوثر MARTIN LUTHER

تفجرت دعوة لوثر الإصلاحية بسبب مسألة بيع صكوك الغفران، وكان أمرهذه الصكوك، قد عرف انتشارا واسعا في الأراضي الألمانية، وتصدى لها لوثر بالإنتقاد.

32- سيحكم بالهلاك الأبدي على الذين يعتقدون في خلاصهم عن طريق صكوك الغفران.

45 – ينبغي أن نعلم المسيحيين أن الذي يقدم المساعدة للفقراء، ويقرض المحتاج أفضل من أن يشتري صكوك الغفران».

وأدت معارضة لوثر إلى انشقاق في الكنيسة الكاثوليكية (كنيسة روما) في 1520م بظهور البروتستانية وترتب عن هذا الانشقاق مواجهات حربية في الأراضي الألمانية انتهت بصلح أوجزبورج Augsbourg سنة 1555م الذي أقر التقسيم الديني

وقد بسطت البروتستانية العبادة فأصبحت تمارس بدون واسطة الكنيسة. واعتبرت الإيمان وسيلة الخلاص من الذنب وأسندت سلطة البابا إلى الأمراء الذين استولوا على ممتلكات الكنيسة الكاثوليكية.

حرکات إصلاحية أخرى

شجعت حركة لوثر على ظهور حركات إصلاحية أخرى.

فقد تزعم کالفان Calvin الحركة المعروفة باسمه : الكلفانية التي شجعت على النشاط الاقتصادي بإباحتها التعامل بالقروض بالفائدة، وجعلت إدارة الكنيسة في يد هيئة من الإكليروس (رجال الدين) وأفراد الشعب.

وعرفت انجلترا في 1534م استقلالا دينيا عن الكنيسة الكاثوليكية، وأسست کنیستها الخاصة المعروفة بالأنجليكانية، ويقوم مذهبها على التوفيق بين مختلف المذاهب الدينية المعروفة آنذاك، وكان الملك رئيس الكنيسة الأعلى.

واضطرت الكنيسة الكاثوليكية إلى إصلاح نفسها لتتمكن من الوقوف ضد الحركات المناهضة لها، ولذلك انعقد مجمع اتْرانت (1563-1545م)، الذي خرجت منه الكنيسة الكاثوليكية قوية، وقد أسهمت في تقويتها “جمعية اليسوعيين”، التي أسسها لْوايُولا Loyola سنة 1540 كما أصبح لهذه الجمعية تأثير كبير مدعم للبابا عن طريق اهتمامها بالتعليم وبالصرامة في تنظيمها .

وبذلك فقد شكل عصر النهضة الأوربية مرحلة هامة في تطور بلدان أوربا الغربية، وكانت الحركة الإنسانية من ركائز هذه النهضة، فقد أسهمت في تطوير الفكر والعلم والفكر، کما أسهمت في التمهيد لانطلاق الإصلاح الديني، وقد سادت المذاهب الجديدة في أوربا الشمالية التي ستعرف تطورات اقتصادية أكبر.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق