التاريخ المغاربيتاريخ الجزائر

ايالة الجزائر.. كيف انضمت الجزائر إلى الدولة العثمانية

لم تختلف أوضاع المغرب العربي في العصر الحديث عن أوضاع بقية العالم الإسلامي. فقد كانت منطقة المغرب الكبير مجزأة إلى ثلاث وحدات سياسية متصارعة هي دولة المرينيين في المغرب، ودولة الزيانيين في الوسط، ودولة الحفصيين في الشرق. وكان الصراع شديدا بينها حول من يرث مجد الدولة الموحدية. استغل الإسبان والبرتغاليون هذا الصراع فاحتلوا أهم المدن الساحلية. في هذه الظروف وصلت القوة العثمانية إلى المنطقة في إطار تحركاتها للتوسع وحماية العالم الإسلامي. فضمت الجزائر إلى ممتلكاتها وأصبحت منذ ذلك الحين إيالة الجزائر العثمانية، التي كان لها دور بارز في الحوض الغربي للبحر المتوسط ابتداء من القرن 16م إلى أن سقطت في قبضة الاستعمار الفرنسي مطلع القرن 19م.

الجزائر اضطراب داخلي وتهديد خارجي

فقدت الدولة الزيانية في القرن 15 وحدتها، وأصبحت سلطتها محصورة في العاصمة تلمسان وضواحيها. أما بقية البلاد فقد تبعثرت إلى إمارات لا تكاد تحصى ونصبت كل عشيرة نفسها دويلة، همها التطاحن مع جارتها. فالتفرق والتمزق هو الطابع السائد طوال قرن كامل حتى بداية القرن 16م، انعكست آثار الضعف الداخلي على مكانة دولة بني زيان، فتعرضت سواحل الجزائر للغزو الإسباني، الذي استولى على أهم الموانئ سعيا وراء هدفين رئيسيين:

  1. التمركز في السواحل للتحكم في المراكز التجارية في إطار الهجوم الأوروبي على العالم عقب الاكتشافات الجغرافية.
  2. مطاردة المسلمين، الذين تم إخراجهم من الاندلس، بعد سقوط غرناطة سنة 1492م. ففي سنة 1505 احتل الإسبان المرس الكبير، وفي سنة 1509 احتلوا وهران وأرزيو، وفي سنة 1510 احتلوا مستغانم وتنس ودلس وشرشال وبجاية، وبرج الفنار في مدينة الجزائر.

وكانت مشاريع الإسبان تهدف، من وراء احتلال المدن الساحلية إلى التوغل داخل الجزائر لاحتلال مملكة تلمسان عبر وهران، ثم المناطق الداخلية عبر بجاية وعنابة. لكن إسبانيا فشلت في ذلك نظرا للمقاومة العنيفة التي أبداها السكان الجزائريون. فظل الإسبان طيلة فترة الاحتلال محاصرين في الموانئ التي احتلوها.

لم يكتف الجزائريون بالدفاع عن موانئهم، بل نظموا حملات بحرية لإنقاذ من بقي من المسلمين في الأندلس.

النجدة العثمانية

استمرت هذه المقاومة الشعبية التلقائية زمنا طويلا، لكنها لم تجد من ينظمها. وفي جو هذه السلسلة من المآسي اشتهر أربعة إخوة مسلمين من جزيرة مدلين في اليونان، هم عروج وخير الدين المعروف ببارباروسا ومحمد إلياس، وإسحاق، وكانوا يقومون بنشاط بحرى ضد القراصنة الأوروبيين، وخاصة لمساعدة وإنقاذ الأندلسيين اللاجئين إلى بلاد المغرب. وتسامع الناس في بجاية بهؤلاء الإخوة الأربعة، فأرسلوا إليهم يستنجدون بهم لإنقاذ البلاد من يد العدو المسيحي في 1512م، كما استنجد بهم أبناء مدينة الجزائر لطرد الإسبان من برج الفنار الذي كانوا يحتلونه في مواجهة المدينة.

استقر الأخوان عروج وخير الدين بالجزائر، وأعلن عروج نفسه سلطانا عليها، ثم استولى على تنس والمدية ومليانة في الوقت الذي استولى فيه خير الدين على دلس ونواحيها. لكن عروج قتل في معركة ضد الإسبان.

حينئذ شعر خير الدين أن تنظيم المقاومة الجزائرية في حاجة إلى دعم، وأيقن أن الإمبراطورية العثمانية هي القوة الإسلامية الكفيلة بذلك، فراسل السلطان سليم الأول في الأمر، ووجد عنده استعدادا کاملا، ولم يتوان هذا الأخير في تعيينه (باي لارباي) إفريقيا، أي أمير الأمراء، وأرسل إليه نحو ستة آلاف جندي وزوده بالمدفعية.

الجزائر إيالة عثمانية

بتعيين خير الدين باي لارباي، أصبحت الجزائر إحدى الولايات الثلاث للإمبراطورية العثمانية، وأصبح لباي لارباي الجزائر بمقتضى هذا التعيين حق التصرف المطلق في الجزائر مع الإشراف على إقليمي تونس وطرابلس. لكن هذا الإشراف لم يدم طويلا، فقد ألغى العثمانيون نظام الباي لارباي سنة 1588 خوفا من أن يفكر هؤلاء الولاة في الانفصال، فأصبحت الجزائر ولاية عادية، يعين على رأسها باشا تغيره إسطمبول كل ثلاث سنوات.

لم يهتم الباشاوات بشؤون الرعية، بل انصرف همهم إلى جمع أكبر قسط من الأموال في انتظار انتهاء مدة الولاية، وبذلك انتقلت السلطة من أيديهم إلى ضباط الجيش الذين بدأ نفوذهم يتعاظم تدريجيا.

خريطة ايالة الجزائر العثمانية
خريطة ايالة الجزائر العثمانية

وابتداء من 1659 أصبحوا يعينون من بينهم ضابطا برتبة آغا كحاكم فعلي للولاية. لم تطل هذه المرحلة أيضا، ذلك أن الآغا لم يكن يستقر في منصبه أكثر من شهرين، نتيجة للتنافس الشديد بين الضباط على الحكم.

تميزت الفترة من 1518 – 1671 بكون الجزائر إيالة عثمانية تتلقى المساعدة المالية والعسكرية من الخلافة. وقد اهتم الحكام في هذه المرحلة بتوحيد الجزائر سياسيا بالقضاء على الإمارات المستقلة، وإخضاعها لسلطة مركزية مقرها مدينة الجزائر. كما وجهوا جهودهم لتحرير موانئ البلاد من السيطرة الإسبانية، وفرض سيطرة الأسطول على الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط.

الرياس في السلطة

ابتداء من 1671، دخلت الجزائر مرحلة جديدة تميزت بتولي طائفة الرياس السلطة وهم ضباط البحر، الذين نصبوا نظاما جديدا يتمثل في تعيين حاکم بلقب داي. وقد التزم الدايات بحفظ الارتباط مع الدولة العثمانية باعتبارها خلافة إسلامية، لكنهم سلكوا سياسة مستقلة فيما يتعلق بالشؤون الخاصة بالجزائر. فالدّاي هو الذي يعقد الاتفاقيات الدولية ويستقبل البعثات الدبلوماسية ويعلن الحرب ويبرم معاهدات السلام الخ.

لما استقر نظام الدايات تَكَوَّن في مدينة الجزائر ديوان مستقل هو أشبه بمجلس الوزراء، فهناك وكيل الخرج المختص بشؤون البحرية، والبيت مالجي المختص بالشؤون المالية، ورئيس أمن مدينة الجزائر، ورئيس الخيل الذي كان حلقة الاتصال بين الجزائريين والحكومة.

ومن الناحية الإدارية قسمت الجزائر إلى أربعة أقاليم رئيسية:

  • دار السلطان: مدينة الجزائر وضواحيها.
  • بايليك الشرق: وعاصمته قسنطينة.
  • بابليك التّيطري: عاصمته المدية.
  • بابليك الغرب: عاصمته وهران.

وكانت هذه الأقاليم بدورها مقسمة إلى قيادات، على رأس كل منها شيخ قبيلة أو زعيم طائفة. وبذلك يكون الجهاز الإداري جهازا لا مركزيا، لأن علاقة الحكومة برعاياها علاقة غير مباشرة، فقد كانت مكتفية باستعمال الزعماء المحليين لجمع الضرائب وفرض الأمن.

تميزت السلطة الجزائرية التي تأسست في العصر الحديث على أنقاض الدولة الزيانية بالخصائص التالية:

  • لم يعد النظام السياسي ملكيا وراثيا، ولكنه لم يرتق إلى نظام جمهوري قائم على الانتخاب، فلم يشارك الجزائريون في انتخاب ممثليهم في السلطة.
  • حافظ النظام الإداري على التقسيمات القبلية والزعامات المحلية فلم تتبلور الصفة العصرية للدولة.
  • لم تختلف وضعية الجزائر عما كانت عليه بقية العالم الإسلامي، ولكنها كانت مختلفة عما كان يحدث في العالم الأوروبي الذي تكونت فيه دول ذات حكومات مركزية، أخذت تتأهب لفرض سيطرتها على العالم.
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق