التاريخ الإسلامي

تاريخ الخلافة الراشدة.. نبذة عن صفات وأعمال الخلفاء الراشدين

كانت وحدة بلاد العرب السياسية التي تمت على يدي النبي (ص) نتيجة للوحدة الدينية، ولقد قبلت القبائل العربية أن تدين لرسول الله وتضحي بحريتها وتنزع أحقادها استجابة لدعوته ولكنها بعد وفاته سنة 632 م لم ترض أن تخضع لحكم خلفاء (الخلفاء الراشدين) لم يحدثهم النبي عنهم حتى يدعوا ممارسة مثل سلطانه، ولذلك أعلنت بعض القبائل العربية عدم خضوعها للخليفة الجديد، وكان هناك بعض المهووسين والدجالين الذين هزهم ما نال النبي (ص) من توفيق فادعوا النبوة كـ الأسود العنسي وطليحة الأسدي ومسيلمة الكذاب مما أدى لارتداد بعض القبائل العربية عن الإسلام واتباعها لهم. وهكذا أصبح الدين الاسلامي ووحدة العرب السياسية في خطر شديد.

وهذا ما جرى في جزيرة العرب أما ما جرى في المدينة المنورة فكان ينذر بخطر أشد لأن المسلمين عندما سمعوا نبأ وفاة النبي أصابتهم الدهشة وكذب أكثرهم الخبر فلما خطب عليهم أبو يكر خطبة قصيرة جدا في كلمته المشهورة قائلا:

«من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»

أدرك المسلمون الحقيقة المرة وأخذوا يفكرون فيمن سيتولى أمرهم بعده ولم يكن الرسول قد ترك قاعدة للمسلمين يسيرون عليها في اختيار خلف له لذلك دب الخلاف بينهم وسوي الأمر باتباعهم للقول العظيم :

وأمرهم شورى بينهم

وذلك بأن ينتخب المسلمون رئيس دولتهم بطرق الانتخاب المباشر وفي اجتماع سقيفة الذي حضره القسم الأعظم من المسلمين انتخب أبو بكر ليكون خليفة للنبي.

وهكذا نشأ النظام الجمهوري في الحكم الذي استمر طيلة حياة الخلفاء الراشدين والذي تبدل إلى النظام شبه ملكي وراثي عند قيام الدولة الأموية. أما الخلفاء الراشدون الأربعة فهم:

1 – أبو بكر الصديق رضي الله عنه

بويع أبو بكر بالخلافة سنة 634م (الموافق لعام 11 هـ) وقد خطب بالمسلمين بعد مبايعتهم له فقال :

«أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني »

وأبو بكر أحد وجهاء قريش وأثريائها في الجاهلية كما أنه كان رفيق الرسول الذي يلازمه دائما لذلك سمي بالصديق.

وكانت باكورة أعمال الخليفة أن أرسل الجيوش بقيادة خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة لتأديب المرتدين فحقق هؤلاء القادة النصر المبين للإسلام وهكذا عادت وحدة جزيرة العرب السياسية من جديد.

وكان أبو بكر بسيطا في سلوكه رقيق القلب مع مضاء في العزيمة وكان يخرج في الليل خلسة لإغاثة الملهوفين ومساعدة الفقراء ولم يترك أبو بكر حين وفاته غير ثوبه الذي كان يلبسه وبعيره الذي كان يركبه ومولاه الذي كان يخدمه.

وتوفي أبو بكر عام 634 م بعد أن دس له اليهود السم في طعامه ودفن إلى جوار النبي (صلى الله عليه وسلم) وقبل أن تحضره الوفاة دعى إليه كبار الصحابة وأخبرهم بأنه يفضل بأن يكون عمر بن الخطاب خليفة له فوافقوه على ذلك.

2 عمر بن الخطاب رضي الله عنه

تعتبر خلافة عمر بن الخطاب ذات قيمة عظيمة بالنسبة للأمة العربية والدين الاسلامي فقد كان أقوى الحكام في ذلك العصر وأشدهم بأسا وأعظمهم هيبة ومع ذلك فكان يلبس ثوبا مرقعا وينام على درج المسجد بين المساكين، ويتفق أكثر المؤرخين المنصفين على أن عمر بن الخطاب كان أقوى شخصية حكمت المسلمين منذ وفاة الرسول إلى يومنا هذا.

وعرف عن عمر في الجاهلية الشجاعة والبأس وهو أول مسلم أجهر بإسلامه إذ قال لجموع قريش :

« … من أراد أن تثكله أمه فليلقني وراء هذا الوادي»

ودامت خلافة عمر عشر سنوات كانت مليئة بجلائل الأعمال ففي عهده قامت الفتوحات الإسلامية الكبرى وهو أول من وضع نظاما إداريا للدولة الاسلامية فقسمها إلى ولايات وعين لكل منها واليا كما أنه أنشأ ديوانين للخراج، واحد في العراق وواحد في الشام، أما في ناحية البلاد المحتلة فقد أقدم على أعظم إصلاح عرفته العصور القديمة والوسطى إذ صادر أملاك ملوك الأعاجم وأمرائهم وكبار أغنيائهم ووزعها على الفلاحين وأصدر قانونا يمنع بموجبه الفلاح من بيع أرضه كما أصدر قانونا أخر يجيز للدولة أن تسلف الفلاح مالا من أجل البذار والفلاحة كي يتمكن من القيام بعمله دون أن يضطر للجوء إلى الإقطاعيين أو المرابين.

وما يميز عمر بن الخطاب ويجعله أعظم الخلفاء المسلمين في رأينا هو عدله ونظرته العربية العميقة، فالتاريخ لم يعرف حاكما أعدل من عمر الذي ساوى بين جميع الناس ولم يفرق بين غني وفقير أو بين قوي وضعيف وعندما بويع بالخلافة خاطب المسلمين قائلا :

يا أيها الناس والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى أخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى أخذ الحق منه.

والقصص التي تروى عن عدله وتمسكه بأهداب المساواة لا تحصى ومنها أنه قرر إقامة الحد على الملك الغساني جبله بن الأيهم لأنه لطم أعرابيا داس على إزاره، ومنها أيضا أن أحد الرعية شكا إليه من أن واليه على مصر قد ضربه فأرسل وراء الوالي وهو عمرو بن العاص ولما حضر أمره بالجلوس إلى جوار الأعرابي وناول السوط إلى ذلك الأعرابي قائلا له :

« اضرب من ضربك يا رجل»

فخجل الأعرابي من ضرب عمرو بن العاص فما كان من الخليفة، إلا أن أخذ السوط منه ووضعه على رأس عمرو وقال له جملته الشهيرة :

« يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا »

ويروي المؤرخون أن عمر أقام الحد على أحد أبنائه لشرب الخمر وجلده عمر بنفسه فمات ابنه بين يديه وهو ما زال يجلده ويذرف الدمع حزنا عليه.

أما نظرته العربية فكانت شديدة السمو بعيدة المدى إذ أراد تحقيق وحدة العرب الكاملة بالقضاء على الخلافات القديمة بينهم، كما أنه خشى عليهم من الاختلاط بالأمم الأخرى كي لا تفسد أصالتهم وتفسد أخلاقهم لذلك منع الجنود العرب من الاستيطان في البلاد التي يفتحونها كما أنه أمر بإجلاء جميع الأعاجم عن الجزيرة العربية لتبقي أرضا خالصة، للشعب العربي، ومن أقواله التي تعبر عن نظرته هذه قوله :

« ليت بين فارس وبيني جبل من نار»

ويروى عنه أنه لما وصلته الغنائم التي أرسلها سعد بن أبي وقاص بعد فتح المدائن عاصمة الفرس ورأى فيها الجواهر واللآلئ ذرف الدمع وقال :

« كأني أشاهد في هذا المغنم والفيء هلاك العرب»

فكان الخليفة عمر بقوله هذا كان ينظر إلى المستقبل من خلف الحجب فيشاهد العرب وقد أعمت بصيرتهم المدنية الزائفة واستعبدهم حب المال ودس بينهم الأعاجم فتحولوا من أصحاب أسمى رسالة إنسانية إلى أصحاب مصالح مادية يحارب الأخ منهم أخاه الأمر الذي حدث في عهد الدولة العباسية، وتشاء الأقدار أن تثبت سداد رأي عمر بن الخطاب وخوفه على العرب من الأعاجم فقد قتل بيد مولى فارسي اسمه أبو لؤلؤة المجوسي وذلك سنة 644 م.

ويبدو أن عمر بن الخطاب كان يخطط لإقامة عدالة مثالية بين المسلمين أواخر أيامه لأنه قال بعد أن طعنه أبو لؤلؤة :

« ليتني استقبلت أمرى ما استدبرت فأخذت أموال الأغنياء ووزعتها على الفقراء»

3 – عثمان بن عفان رضي الله عنه

هو عثمان بن عفان بن أمية من كبار الصحابة ومن أحبهم إلى الرسول (ص) ولقب بذي النورين لأنه تزوج من ابنتي الرسول، وعرف بطيبة القلب وحسن النية وضعف الإرادة مما سهل على أقاربه من بني أمية وبعض وجهاء قريش في الجاهلية أن يستغلوا خلافته لتحقيق الكثير من أطماعهم الشخصية أو لتحقيق المكاسب المادية الكبيرة التي لم يكونوا قادرين على تحقيقها في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.

أما كيف انتخب عثمان للخلافة؟ فإن عمر كان قد أوصى قبل وفاته المسلمين بوجوب اختيار أحد ستة أشخاص ليخلفه (وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن الزبير وسعد بن
أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وقد أوصى عمر بن الخطاب ابنه علد الله بأن يكون سابعهم وأن يمنع خروج أي واحد منهم من الاجتماع قبل اتفاقهم) فقر رأيهم على عثمان.

وبدأ عثمان عهده بعزل أكثر الولاة الذين كان قد عينهم الخليفة السابق وعين بدلا منهم بعض أقاربه كما قرب إليه مروان بن الحكم وعينه رئيسا لديوان.

وأخذ الناس وخاصة بعض كبار الصحابة الأتقياء يعلنون تذمرهم من الولاة في عهد عثمان ومن تجمع الثروات الكبيرة عند بعض أقاربه وأصحابه وكان من أشهر المتذمرين أبو ذر الغفاري.

وكان عثمان قد عين واليا على مصر عبد الله بن أبي سرح إلا أن أهل مصر إستاءوا منه فثاروا عليه وشكلوا وفدا أرسلوه إلى الخليفة في المدينة المنورة، وطلب الوفد من الخليفة أن يقصي واليهم بن شرح ويعيد عليهم واليهم السابق عمرو بن العاص فأجابهم الخليفة إلى طلبهم وعادوا مسرورين إلا أنهم اكتشفوا في طريق عودتهم أن الخليفة قد أرسل أمرا سريا إلى واليه ابن سرح يأمره بقتل أعضاء الوفد فاشتد غضبهم وعادوا إلى المدينة وطلبوا من الخليفة التنازل عن الحكم فرفض وعندئذ أعلنوا الثورة وحاصروه في منزله وقتلوه سنة 656م

4 – علي بن أبي طالب كرم الله وجهه

كان علي شهما وديعا محسنا شجاعا وكان خصما للظالم وعونا على المظلوم متهاونا في حقوقه الشخصية إلى أقصى حد فأخطأ الكثيرون في فهم هذه الصفة فيه واعتبروه ضعيفا كما أنه عرف بالمروة والصدق فاستغل أعداؤه هذه الصفات فيه لتحقيق مكاسبهم الشخصية ولو كان لعلي صلابة عمر بن الخطاب لنجح في حكم العرب أعظم نجاح.

بويع علي بالخلافة بعد مقتل عثمان فبدأ عهده بعزل الولاة الذين كان عينهم عثمان وصادر أملاكهم وأملاك أقارب عثمان وأصدقائه الذين أثروا بشكل غير مشروع وأعادها جميعها لبيت المال، كما أنه رفض تعيين كبار الصحابة كطلحة والزبير في مناصب الولاة وهكذا فقد كثر الناقمون على حكمه وأعلن طلحة والزبير الثورة وانضمت إليهما عائشة زوجة الرسول فاضطر علي للقضاء على ثورتهما في معركة الجمل المشهورة التي جرت في الحديبة بعد القضاء على الثورة أعاد عائشة إلى المدينة.

وفي هذا الوقت ظهر العداء القديم بين بني هاشم وبني أمية فقد رفض معاوية بن أبي سفيان (الذي كان واليا على الشام في عهد عثمان) أن يبايع عليا كما أنه لم ينفذ قرار الخليفة بعزله من منصبه بل فعل العكس من ذلك إذ أعلن نفسه خليفة للمسلمين وبايعه أهل الشام بالخلافة، وهكذا أعلنت الحرب بين الطرفين فجرت بينهما معركة صفين التي كاد علي أن يحقق فيها النصر لنفسه لولا أن نصح عمرو بن العاص (صاحب معاوية) معاوية برفع المصاحف وطلب التحكيم فرفع جنود معاوية المصاحف فاضطر علي أن يقبل بالتحكيم وبنتيجة التحكيم ظهرت خدعة عمرو بن العاص فكسب معاوية بدهاء عمرو ما كان قد خسره بحد السيف وعاد علي بجيشه إلى الكوفة غاضبا إلا أن قسما من جيشه انفصل عنه وأعلن ضرورة خلع علي ومعاوية فأرغم علي على محاربتهم وقضى على أكثرهم في معركة النهروان أما من بقي منهم فشكلوا المذهب الخارجي الذي لعب دورا كبيرا في التاريخ الإسلامي.

ولاقى علي بن أبي طالب حتفه سنة 661م بضربة آثمة بسيف مسموم من يد خارجي أعجمي هو عبد الرحمن بن ملجم.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق