الفن

تاريخ الفن في مصر القديمة

اقرأ في هذا المقال
  • فن الهندسة في مصر القديمة
  • النحت
  • فن الرسم
  • الفنون الصغرى

يمتد تاريخ مصر القديمة، الذي تنبئ عنه مأثر فنية خالدة، إلى أكثر من 3000 سنة. وقد استطاع المؤرخون وعلماء الأركيولوجيا تحديد ثلاثة عهود كبرى : الإمبراطورية القديمة ( 2800 – 2100 ) والإمبراطورية المتوسطة ( 2100 – 1580 ) والإمبراطورية الجديدة ( 1580 – 1100). وقد نشأت الحضارة المصرية عن مجتمع قروي منظم. وكان لها تأثير قوي على الفن بحيث يمكننا الحديث عن ثورة حقيقية. وقد مهد ظهور ملكية زراعية جماعية لعصر جديد، هو عصر الهندسة حيث أصبح الفلاح يضع حدودا لحقله.

ويتمثل إسهام الثقافة المصرية في تطور الفن الغربي في مجموعة من الضوابط كالبناء الخاضع لنظام ثابت، واحترام الإطار المحدد بخطين مستقيمين أحدهما أفقي والآخر عمودي. كما أن الديانة المقننة أصبحت هي العنصر الرئيسي في الانشغالات الجمالية للمصريين. وكانوا يومنون بالحياة بعد الموت، شريطة ألا يتعفن الجسد. ولذلك كانوا يحنطونه.

ولاخفاء عيوب التحنيط كانوا يضعون بجوار الميت تمثاله الشخصي. وكان المكان الذي سيقيم فيه الفقيد يبني ببالغ العناية حيث يحرص الأقارب على تهييء الرسوم التي لها دور سحري، وعلى صنع تماثيل صغيرة، من خشب، للخدم والجنود المستعدين لخدمة الراحل والدفاع عنه.

فن الهندسة في مصر القديمة

يشهد البناء لدى المصريين القدامى على سبق حقيقي بالنظر إلى الوسائل والآلات البدائية المستعملة. لقد كانت الأهرامات كلها موجهة نحو الشمال لكي يتمكن الراحل من « رؤية الكواكب التي سيمضي إليها. والنسب مدروسة بتدقيق ومظهرها المتناسق يوحي بالخلود. وقد شيدت أغلب هذه الآثار في الحقبة الممفيسية، بواسطة كتل هائلة من الأحجار المجلوبة من مقالع أسوان، على النيل.

وكانت الأهرامات « خوفو » و « خفرع » و « منقرع »، في الجيزة، أربعة وجوه مستوية، مغطاة بطلاء وقائي لم يتبق منه اليوم شيء. وكان ارتفاع هرم « خوفو » يبلغ 147 م. وتعكس هذه الآثار حماسة شعب مستعد لتجاوز ذاته، من أجل نيل الخلود.

أهرامات الجيزة مصر القديمة
أهرامات الجيزة بمصر

كانت المعابد، عوالم الآلهة، هي المنازل المنذورة للمطلق. ولم تتغير الخطوط العامة للهندسة المعمارية إلا قليلا، خلال عصور الإمبراطوريات الثلاث. وأقدم معبد هو « أمنحوتب » الذي أسبغ عليه الناس صفات الآلهة بعد أن كان هو مهندس هرم « زوس » وأول من عوض البناء بالآجر والخشب، القابل للتلف، بعمارات من حجر. ومع ذلك فإن معابد المرحلة الأخيرة للإمبراطورية الجديدة وعلى الأخص « الكرنك » و « الأقصر » و « طيبة » هي التي أحيطت برعاية خاصة، واحتفظت بفخامتها وعظمتها.

وقد أقيم أربعون تمثالا لأبي الهول، من أجل حراسة الممر المؤدي من « الأقصر » إلى مزار « آمون رع » في الكرنك. كان كل شيء في غاية التماثل : عشر بوابات ضخمة منحوتة و 134 عمودا للقاعة المعمدة ( 102 م على 53 م ) يبلغ ارتفاعها 23 م، ومسلات أربع المنتصبة على جانبي المدخل. وتشكل كل الأعمدة ركيزة أساسية في البناء، وفضلا عن فائدتها الهندسية فإنها تنم عن رغبة في التزيين.

وقد جرت العادة أن يكون الحجر الخام مكسوا برسوم زاهية بالأحمر والأخضر والأزرق أو الأصفر. وبواسطة الزخارف، المستقاة من النباتات المنتشرة على ضفاف النيل، يمكن التمييز بين أربعة أساليب تطبع تيجان الأعمدة : شكل زهرة اللوتس، أو زهرة البردي المغلقة، أو المفتوحة، أو زهرة النخيل. أما الأسلوب « الهاثوري » فقد تم استلهامه من رأس الإلهة « هاثور Hathor ».

وثمة، في « أبو سنبل »، أربعة تماثيل عملاقة لرمسيس. وهي منحوتة من الصلصال الرملي، ترعى المعبد بطولها البالغ عشرين مترا. وحين كانت هذه المجموعة مهددة بسد أسوان، أعيد تشييدها قريبا من الموقع على علو 62 م. وفي طيبة لم ينج من مخالب الزمن سوى تمثالين ضخمين ل « ممنون » يقفان بوقارهما وعزلتهما وسط الحقول. وقد نحتا من صلصال رملي، مجلوب من جبل بعيد.

النحت

يستلهم النحت موضوعاته من الانشغالات الدينية. وقد كان الفنانون يتلقون طلبات كثيرة لإنجاز « منحوتات » ترافق الراحل إلى القبر، وكان الخشب والبرونز والحجر هي المواد الأساسية التي يستعملها النحات. وكانت التماثيل الخشبية تصبغ لكي توحي بالحياة والغنى، والبورتريهات المنحوتة تقليدية جدا وجامدة في وضع كهنوتي، والأشخاص الواقفون يظهرون في وضع جانبي : القدم اليسرى ممدودة إلى الأمام والذراع اليمنى إلى الخلف كما لو أنهم في سباق. والجالسون لهم سيقان متوازية وأذرعهم ملتصقة بالجسد وأياديهم موضوعة على ركبهم، وهم يثيرون الدهشة بصلابة هيئتهم وتماسكها. أما الجسم الضخم فإنه عبارة عن تخطيط مهمل. وهو غير منحوت بنفس الدقة التي نحتت بها العينان من الفضة أو من الزجاج الملون أو من الشنب. وتوحي الخطوط المزخرفة لهذا النحت بالقوة والمهابة والغموض. ويعد تمثال الفرعون « خفرع » تحفة فنية خالية من كل زخرفة. وقد أنجز منذ أزيد من 4000 سنة. ويجسد شخصا مثاليا، جميلا، متناسق الملامح كأنه نصف إلاه.

وهناك تماثيل أخرى أشد واقعية مثل تمثال « الكاتب » الشهير، المصنوع من الجير المصبوغ، الذي جعل له النحات بطنا مترهلا، إشارة إلى ما يطبع مهنته من خمول جسماني ( 2600 ق م ) وهذا التمثال موجود بمتحف اللوفر.

كاتب مصري في مصر القديمة
تمثال لكاتب في مصر القديمة

ولم تتأثر الحقبة القصيرة، المسماة بفترة « أمارنا » (حيث يتحول أمينوفيس الرابع إلى أخناتون)، بالتقاليد الكلاسيكية. وخلالها أنجز رأس الملكة « نيفرتيتي Néfertiti » ( القرن الرابع عشر ق.م ) وهو غير تام، ويثير المشاعر بتعبيره الحاد والمتوتر أكثر مما تثيرها الرصانة الجامدة للتماثيل المألوفة.

ولم يعرف فن صناعة التماثيل المصري تنوعا يذكر طوال 3000 سنة، سوى في ما يتعلق بتفاصيل الملابس التي تطورت مع الموضة. وبعد كلاسيكية الإمبراطورية القديمة، المتسمة بالقوة والجمال ظهرت « واقعية طيبة » في الإمبراطورية الوسطى، ثم ظهرت المثالية الممفيسية، وأخيرا أكاديمية الإمبراطورية الجديدة. وظل التقليد المقدس على ماهو عليه : الوجه المغلق والعيون المحدقة في الأبدية.

وكانت الزخارف الناتئة والمقعرة ( كمرحلة انتقالية من النحت إلى الرسم ) تصلح لتزيين حيطان المعابد أو جوانب القبور.

فن الرسم

ارتبط الفنانون المصريون بثلاثة أنواع من المواضيع : المشاهد الدينية والبيوغرافية والميثولوجية. وقد ساهمت الرسوم الدينية والميثولوجية في استمرارية العوالم الفخمة التي أبدعتها الهندسة والنحت.

ونظرا لما تكتسيه الطقوس المأتمية من قداسة – حد أن الفراعنة و « الآلهة » يحضرونها دائما – فقد عمل الفنانون على عرض مآثر الراحلين في المدافن.

والأجواء التي ينقلها هؤلاء الرسامون بعيدة كل البعد عن الحزن والكآبة. فالأشخاص الذين يحيطون بالميت، أو بـ « صنوه »، يبدون عاكفين على العمل أو التسلي. وتمتزج مشاهد الحرث ونشر البذار والحصاد بمشاهد الحياة اليومية، والجداريات التي تزين النواويس ( مدافن تحت الأرض ) في طيبة، على عهد الإمبراطورية الجديدة، تقدم للمؤرخين شهادات قيمة.

ومن بين القبور المحفوظة في مقبرة طيبة، التي تعتبر متحفا حقيقيا لفن الرسم المصري، قبر « Menna » و « Nakht » وهذا الأخير مزخرف بمشاهد القنص والصيد وجنى العنب، التي تنفلت منها مجموعة من الموسيقيين والراقصات.

ويحتفظ المتحف البريطاني بقطعة مرسومة من قبر « Nekamon »، حيث يبدو صاحب القبر واقفا في زورق، مرفوقا بزوجته وابنته، وهو يرفع بيده اليسرى « عصا الرمي » في اتجاه سرب من الطيور متعددة الألوان، ذات أجنحة مائلة إلى الزرقة. وبعض الأسماك والقطط تكمل هذه اللوحة العجيبة.

غير أن هذا الفن الذي يتأثر بسرعة بنكبات الزمن لايقدم لنا مجموعة كبيرة من الأعمال، كما هو الحال بالنسبة للهندسة والنحت. إذ لم يصلنا من الشهادات المرسومة التي تعود إلى الإمبراطورية القديمة إلا القليل. أما الجداريات، المحفوظة بشكل أفضل، فهي تنتمي إلى عهد الإمبراطورية الجديدة.

ويمكن تأمل بعض الجداريات من اكتشاف اختلاف أول يتجلى في ابتعاد بعض التفاصيل عن الحقيقة، مما قد يؤدي إلى وصف الفنانين المصريين بانعدام المهارة. إلا أن رسوما أخرى، للحيوانات، تعكس اهتماما قويا بالملاحظة، بحيث لا يجد العلماء أي عناء في تصنيفها علميا : طيور Meidoumn الشهيرة، وبطات وأسماك قبر « Menna » أوجرادة قبر « Horemheb ».

وهذا ما يؤكد أن الفنانين كانوا قادرين على تسجيل أدق التفاصيل وأصحها. والعناصر التي تفاجئنا، بافتقادها للواقعية، لا ينبغي ربطها بالإهمال أو بعدم المهارة. فهي على العكس من ذلك تلبي هاجس المصريين المتمثل في احترام المعايير المحددة.

أما الأشخاص فيتم رسم رؤوسهم وسيقانهم من زاوية جانبية، وذلك خلافا للجذع والأكتاف التي ترسم من الأمام. وكل جزء في الجسم يرسم بشكله المتميز. وقد تقتضي الضرورة أن يبتعد الفنان عن الملاحظة الدقيقة للواقع. كما أن القامات تختلف حسب الوضعية الاجتماعية وحسب العرف. فالسادة أطول من عبيدهم وزوجاتهم، وبورتريه زوجة الفرعون غالبا ما يندرج ضمن مثلث يتشكل من انفراج ساقي السيد، وعلى نفس الوضع يظهر طفلها. ويرتبط اختيار الألوان المستعملة بقواعد مضبوطة، حيث يستخدم اللون الغامق ( الأحمر القرميدي ) لجسم الرجال، واللون الفاتح ( الأمغر والأصفر ) للنساء، ويعوض الفنانون جهلهم بقوانين الرسم المنظوري بعرض مراحل حياة الفقيد بواسطة شرائط منضدة.

ورغبة من الرسام في استحضار صورة معينة، بدلا من الوصف الأمين، فإنه يختصر رسمه في شكل بياني ( خطوط متعرجة ترمز إلى الماء). ويستعمل الفكر المصري، المطبوع بالشعور الديني، التعبير المجازي الذي تكون فيه الطبيعة هي منبع الصور.

في رسم عثر عليه في ضريح « Pairi » بطيبة يظهر زوجان مزينان وهما يتوسلان إلى الالهة : تمتد يد الرجل اليمنى صوب القرابين، فيما تمسك اليد الأخرى بزهرة اللوتس، تعبيرا عن الانبعاث والتجدد. وتتمتع الحيوانات والنباتات بهالة سحرية، لأنها ترمز إلى الآلهة. فالطائر يمثل الروح، والنخل يرمز إلى القبة السماوية.

الفنون الصغرى

إذا كانت الهندسة والرسم والنحت من أعظم الأشكال في الفن المصري، فإن فنون التزيين تحتل موقعا لايستهان به. والحق أن أوراق البردي التي تم العثور عليها هي بمثابة تحف فنية حقيقية، وما يسترعي الانتباه فيها هو تناوب الحبر الأسود والأحمر عبر تخطيط بسيط وأنيق، مزين بالرموز الهيروغليفية، وخلف ظلال البشر والحيوانات نستطيع تخمين حركات الحياة.

وتعكس الأشكال المزخرفة لبعض الأشياء المحسوسة ولبعض النباتات الجانب الجوهري في الرسم. وتعتبر الرسوم الرمزية كانعكاس للصوت الإلهي. وهي تنقش أو ترسم، وإضافة إلى استعمالها في زخرفة التوابيت الحجرية والقبور والمعابد، فإنها تيسر التعبير الأدبي. وتعود ألواح « Aha »، التي كانت من أولى الوثائق التي وصلتنا إلى الألفية الثالثة.

وقد ساعد اكتشاف البردي، كسند ثان للكتابة على تطوير الحروف المخطوطة باتجاه الكتابة الديموطية أو الشعبية. وهذا البحث عن الأشكال، والانجذاب إلى الألوان، يمكن استشفافهما من أدوات الزينة ( علب الخضاب، وأوعية الرياحين، والمرايا والأمشاط )، وتبدو ملعقة الدهان المزينة، التي يملكها متحف القاهرة، بسيطة وناصعة.

ومن أجل الزينة وتمجيد الآلهة ابتكر المصريون مجوهرات جميلة. وثمة قلادات وخواتم وأحزمة وأساور وأقنعة وصدريات وتيجان عديدة عثر عليها في المقابر، والزخارف المختارة كشعارات (حيوانات وأزهار) منذورة لأن تلعب دورا سحريا لتلبية المتطلبات الإلهية.

كما يرمز الذهب المرصع بالزجاج أو الأحجار الكريمة إلى قوة الآلهة الخالدين ( كنز توت عنخ أمون ). وقد خلف لنا اشتغال المصريين على الخزف والزجاج قطعا فنية غاية في الجمال. أما الأثاث العملي الذي تبقى فإنه مزخرف بأبهة وروعة، ومن بين القطع الشهيرة هناك عرش « توت عنخ آمون » المصنوع من الخشب المغلف بالذهب والموشى بالزجاج والخزف الصيني. ويمثل مسند هذا المقعد مشهدا حميميا بين الملك والملكة.

عرش الفرعون توت عنخ امون
عرش الفرعون توت عنخ امون

ولايزال تأثير الموسيقى المصرية القديمة حاضرا حتى اليوم عبر الأنغام الشعبية والقبطية. وهي تكتسي أهمية أساسية في تاريخ الموسيقى العتيقة رغم التأثيرات الأجنبية. ومن بين الآلات الإيقاعية الرئيسية هناك الطبول الخشبية أو المصنوعة من الطين المشوي أو الجلجلية العاجية.

ومن آلات النفخ هناك المزامير والكلارينيت، لكن ضريح « توت عنخ أمون » يحتفظ بنفائر من ذهب وفضة. إضافة إلى القيثار والوترية الإغريقية التي أدمجت خلال الإمبراطورية الجديدة، والأرغن المائي.

وباستثناء الرسام « Amenouahson » الذي زين قبره، وترك إمضاء عليه، فإن كل هؤلاء الفنانين البارزين ظلوا مجهولين. لأن إسهامهم الشخصي كان يمحي دائما ليفسح المجال للعمل المشترك.

ولولا التشبع العميق بالصوفية لما أمكن إنجاز مثل هذه الروائع الفنية. وبفضل المآثر التقنية والحس الجمالي الرائع الذي يتميز به هؤلاء الفنانون استطاعت الحضارة المصرية أن تقهر الزمن، وأن تحظى على الدوام بإعجاب الجميع.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق