التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

تاريخ المغرب في القرن العشرين: إليك 4 حقائق

لا جدال في أن القرن العشرين منعطف خطير الشأن في تاريخ المغرب. فلقد تغير كل شيء من وجه البلاد. ولم يبق شيء منها لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الاجتماع ولا في الثقافة إلا ودخله التغيير حتى بات المؤرخ يتعجب مما كان السلف عليه قبل مائة سنة. ولو كتب لهم رحمهم الله أن يطلوا علينا في سنتنا هذه من الميلاد 2021، لولّوا هلوعين جزوعين مما قد يرون ويسمعون.

وغني عن البيان أن الإنسان لا يتغير، فردا كان أو جماعة، إلا من خلال الأزمات والهزات العنيفة، شأنه في ذلك شأن الطبيعة التي تبدو راسية رسو الأبد، إلى أن يأتي عليها من الرياح العاتية ما يأتي، فتمور الجبال وتنعطف مجاري الأنهار، ويتبدل المشهد ويكون الانتقال من حال إلى حال.

تاريخ المغرب عند مطلع القرن العشرين

إن الحماية الأجنبية كانت بمثابة ريح عاصفة أطاحت بما أطاحت به مما كان ينبغي أو لا ينبغي أن يطاح به. وأقامت مقامه ما كان مرغوبا في إقامته أو غير مرغوب في إقامته. وقلبت البلاد رأسا على عقب، محتفظة بما بدا لها ضروريا أن تحتفظ به، ومجبرة سكان البلاد على دخول العصر طوعا أوكرها، ممكنة إياهم في ذات الوقت من وسائل التخلص منها، الأمر الذي تأتى بعد أربع وأربعين سنة فقط من الاحتلال، فأضحى المغرب بعد ذلك يسير من تلقاء نفسه على درب من التأرجح، ملزما بالسهر على توازنه وسط أهوال التغيير، ذلك بأنه لم يسترجع سيادته لإيقاف حركة التقدم، ولكن ليمسك بزمام مصيره بنفسه، وليعجل بما صار الاستعمار يود العمل فيه بالتسويف والتأجيل.

معالم من تاريخ المغرب

1. المجتمع

كان المجتمع المغربي في طليعة القرن العشرين يبدو على شكل كتلة كثيفة من القبائل، منها الأمازيغي ومنها العربي ومنها السوداني. ومعظمها مزيج من كل ذلك بما ظل يجري بينها من الصراع على الماء والكلأ على مر السنين والعصور. فالقبيلة ليست سوى تشكيلة اجتماعية دائبة على الحركة بحثا عن المرعى والمورد ودفاعا عنهما.

وكان مجال هذه القبائل يمتد من أقصى ضفاف نهري النيجر والسينغال إلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ومن واحات توات وتيدكلت إلى شواطئ المحيط الأطلسي. على أن الخريطة القبلية العامة كانت قد رست منذ اعتلاء الشرفاء العلويين كرسي العرش. فانقطع ما كان من تلك الحركات الجارفة التي كانت تتولد عنها سابقا منعطفات كبرى في تاريخ المغرب، على غرار ما جرى مع المرابطين والموحدين وبني مرين.

خريطة المغرب في عهد السلطان المولى اسماعيل
خريطة المغرب مطلع القرن العشرين

وباتت الحركات القبلية في مطلع القرن العشرين منحصرة عند رحلة الشتاء والصيف بين الجبال وسفوحها التي لا مناص منها لمن يعيش من تربية الماشية. وكانت هذه القبائل لا تعرف معنى للحدود، فلا تقف إلا عند الاصطدام بمجال القبائل المجاورة. ولم تنظر للفرنسيين بعد احتلالهم الجزائر وبداية تسربهم في واحات شنقيط وكورارة إلا على أنهم دخلاء أعداء الملة والدين جاؤوا يزاحمونها على تراب الأجداد.

فدخلت في قتال متواصل معهم، إذ القبيلة جند مجند بالسليقة والضرورة فهي حاملة للسلاح على الدوام. حتى إن المغربي كان يومئذ لا يتصور إلا حاملا للسلاح، ورزقه حتما على سن رمحه. ولذلك كان الاقتتال بين القبائل أمرا طبيعيا والسلم هو الاستثناء، يشهد على ذلك أبناء البلاد من المؤرخين الذين دونوا تاريخ المغرب والوثائق المخزنية ومن جاء يستطلع أخبارنا من الأجانب، كما يشهد عليه تمسك المجتمع بالاسترقاق وقيام طبقة العبيد بالكثير من الوظائف الاجتماعية.

وبناء على ذلك كانت البادية هي صاحبة الحل والعقد في البلاد. ولا وزن بالنظر إليها للحواضر مهما كان من صيتها. وأكبر تلك الحواضر يومئذ فاس. وكانت لا تبلغ مائة ألف نسمة. ودونها مراكش ومكناس وتطوان والرباط التي كان عدد سكانها يتراوح ما بين عشرين إلى أربعين ألف نسمة على أكبر تقدير.

أما الدار البيضاء، فما زالت على شكل مضغة حضرية لا يستطيع أحد أن يتنبأ بما سيؤول إليه أمرها من العمران. ذلك بأن المدينة في مغرب 1906 ليست سوى سوق شبه بدوية مفتوحة طيلة الأسبوع، ولا يتجاوز نفوذها حدود أحوازها أو الإقليم المجاور إلا عند مقام دار المخزن فيها، فعندئذ يزداد نشاطها ويتم الاتصال بأبعد الآفاق.

وفيما عدا ذلك فالمدينة تحت رحمة باديتها، فالرباط تحت رحمة قبيلة زعير، ومكناس تحت رحمة قبيلتي کروان وبني مطير، وفاس تصيح لأقل حركة :

“والعدو جبالة جاو “

وكيف لا وأغلبية السكان من البدو، يدور عددهم حول أربعة ملايين نسمة، أقل من ربعهم هو الذي يقطن بالمدن. ولا تنسي أن سكان تلك المدن كانوا خليطا من أبناء البلاد، انصهروا أو لم ينصهروا في الأقليات المسلمة واليهودية التي لجأت إليها من الأندلس، فكان سكان المدن كالغرباء وسط سكان البادية وخلائها.

على أن الجمهور المبهم من المغاربة كان جزءا لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، ولا يتميز عن باقي الأمة إلا بوحدة صفوفه منذ أيام الموحدين، إذ لا وجود فيهم للشيعة ولا للخوارج، كما أنهم مجمعون على مذهب واحد هو مذهب مالك بن أنس. ولا يخرج عن صفوف الملة إلا الجاليات اليهودية، علما بأن وحدة الصف الملي فيها كانت لا تخفي افتقارها هي كذلك للانسجام القبلي.

فمن اليهود من له جذور عريقة في المغرب، ومنهم من استوطنه قريبا فرارا من الاضطهاد المسيحي في إسبانيا، حتى إن البعض منهم كان لا يزال يتحدث لغة عربية ممزوجة بالإسبانية. مما يوحي بأن مظاهر الائتلاف كانت لا تخفي مظاهر الاختلاف.

خريطة توزيع اليهود المغاربة في المغرب
خريطة مناطق استقرار اليهود بالمغرب خلال القرن 20

لقد كان هذا الجزء الغربي الأقصى من الأمة الإسلامية شديد التمسك بذاتياته ومميزاته الإقليمية، بدليل تكاثر الزوايا والرباطات التي لعبت أدوارا هامة في تاريخ المغرب، وتعدد الطرق الدينية وتفرعها وتداخلها، لدرجة أن وضع خريطة ثابتة مدققة لكل ذلك في طليعة القرن العشرين تمرين عسير إن لم يكن مستحيلا.

وحسبنا في هذا الصدد أن نشير إلى كبريات تلك المؤسسات المؤطرة لصفوف المؤمنين، مثل الزاوية الإليغية في سوس، والزاوية الناصرية في درعة، والزاوية الشرقاوية في المغرب الأوسط، والزاوية الوزانية والزاوية الدرقاوية في الشمال والشرق. و لا فرق بينها إلا من جهة السياسة الدنيوية وبعد الشقة. وكل ما يتفرع عنها من الفروع يتداخل في مجال بعضها البعض فيشتد التنافس على المريدين، فلكل زاوية وردها وأذكار خاصة بها، مع أن كل ذلك إنما هو وجه من وجوه الابتهال والعبادة وضرب من ضروب التأطير الاجتماعي.

2. الاقتصاد المغربي في القرن العشرين

ولما كانت التشكيلة القبلية المهيمنة على النظام الاجتماعي، كان الرعي حتما هم المهيمن على الاقتصاد. والرعي يقتضي الترحال في مجال مطبوع بالجفاف وشح الكلا، مثلما أن الترحال يقتضي النظام القبلي الذي يمّكن الجماعة من أسباب العيش من خلال التنقل المستمر.

ولم يسم المال مالا إلا لأنه كان يمشي على أربع أول الأمر. بحيث كان المجتمع قاطبة قائما على الدواب، فهي ضرورة حيوية في أربعة مرافق من الحياة، فلا بد منها للتغذية ولا بد منها للنقل ولا بد منها للقتال وللمباهاة. قال سيدي عبد الرحمان المجذوب :

الخيل هبة من الريح 
والإبل هي الشريفة 
والبغال فرصة من الهند 
والحمير هي العيفة 

الفلاحة المغربية

كانت تربية الماشية تحتل المرتبة الأولى في الإنتاج، مع تقدم قطيع الأغنام والماعز على قطعان البقر والإبل وباقي الدواب، هذا بغض الطرف عن الدواجن عن الطيور وعما يصطاد من الوحيش في الخلاء المهيمن، فمن أقوال عن هيمنة الخلاء قوله :

رقيت على جبل صرصر       ورميت عيني يمين ويسار 
شفت الغرب خالي يصفر       مكناس هي حد العمار 

وكل من زار المغرب من الأوربيين قبل القرن العشرين كان يشهد بأنه السهول المغربية كانت كلها قفر شهه أجرد، سواء منها النجود الشرقية أو النجود الجنوبية التي تلفحها ريح السموم بانتظام، أو السهول الغربية المروية بالأمطار الأطلسية. وإنها لا يزرع منها إلا ما تسمح به أدوات زراعية عتيقة وسلامة الظروف السياسية. إذا تذكرنا أن تلك السهول كانت مكسوة بالغابات الكثيفة في القديم، أدركنا مدى ارتباط التعرية بسيطرة الاقتصاد الرعوي.

التجارة

ويرتبط بهيمنة الرعي وتربية الماشية هيمنة النقل والتجارة في الدورة الاقتصادية. ولا أدل على ذلك من لفظة “السوق” فهي من ساق يسوق النعم. ولما كان المجتمع القبلي على شكل رقعة من الشطرنج، فكل بيت من الرقعة له سوقه، بل كان لا بد للقبيلة من أسواق تقام على امتداد أيام الأسبوع وكأنها حاضرة متنقلة أو حاضرة بالتناوب.

وكانت التجارة منتشرة في جميع الشرائح، حتى أن النساء كان لهن أسواقهن الخاصة بهن في الريف. وقديما كتب البكري قائلا عن أهل سوس وأغمات بأنهم :

أكثر الناس تكسبا وأطلبهم لرزق يكلفون نساءهم وصبيانهم التحرف والتكسب

وكانت التجارة تقام على كل المستويات، منها ما هو محلي على مستوى السوق الأسبوعية ومنها ما هو إقليمي إذا كانت السوق بين مجموعة من القبائل أو تعلق الأمر بالحاضرة المجاورة التي تلتقي فيها الأسواق الأسبوعية بالأسواق الدائمة، أو على صعيد البلاد كلها فيما كان يتم بين الجهات من المبادلات. فلا غنى لفاس أو مراکش عن تافلالت، كما أن تجارة تافلالت الكبرى لا تستغني عن تلك الحاضرتين، لا سيما عند أواخر القرن التاسع عشر، يوم وقعت التجارة المغربية في أزمة تحكي أزمة البلاد العامة. وانغلقت على المغرب آفاق المبادلات الدولية بسبب احتلال فرنسا للجزائر والسودان الغربي. وسيطرت الأساطيل الأوربية على سواحلنا.

وقد تجلى تقلص التجارة المغربية منذ المعاهدة المغربية الإنجليزية للسنة 1856 التي أفقدت البلاد جانبا غير هين من سيادتها وربطتها مكرهة بشروط السوق الدولية، معرية بذلك على ما كنا عليه من القصور في ميدان المبادلات. فالنقل نقل الدواب. والعملة عملات والمكاييل والموازين والمقاييس مختلفة من جهة إلى أخرى، بل ومن قطاع إلى قطاع آخر من الإنتاج، والموانئ خلجان تحتاج فيها أدنى المراكب إلى قوارب للشحن والإفراغ، وأن يكون الجو صحوا.

الصناعة المغربية

على أن النشاط التجاري لم يكن مستندا إلى تربية الماشية دون سواها، وإنما كان معتمدا أيضا على فلاحة وعلى صناعة يدوية تغذيان الرواج داخل الإقليم وفيما وراءه. وهل الفلاحة إلا أولى الصناعات. وهل الصناعة إلا تصرف بما تنتجه الفلاحة من جلود وأصواف وألبان وأخشاب، يضاف إليها ما يستخرج من جوف الأرض من المعادن، وكل ذلك كان يحرك دواليب الفلاحة والصناعة اليدوية على حد سواء، ويربط بين مصيريهما.

ولا مبالغة إذا قلنا إنهما كانتا تلبيان حاجيات السكان على العموم إلى حدود مطلع القرن العشرين، فتغنيان عامة المغاربة عن السوق الخارجية التي لا يتزود منها إلا القلة القليلة من الخاصة، حتى إن قناصل الأجناس الأوربية كانوا يتضايقون من هذا الاستغناء ويسعون جادين في توسيع دائرة زبنائهم في البلاد. وبذلك مثلا صارت السبنية المصنوعة في معامل فرنسا تدعي الرومية، وصار البراد الجيد لإقامة الشاي هو “براد الرايط”من اسم الإنجليزي الذي استحوذ على صنعه.

وجاء التغلغل الأوربي فاضحا لهشاشة تلك الفلاحة ولقصر نفس تلك الصناعة اليدوية. ولما كان نشاطهما تحت رحمة الرعي وتربية الماشية، فإن مجالهما كان متقهقرا باستمرار أمام الترحال والتنقل، لا يتجاوز مجال الواحة. وهل كانت فاس ومراكش ومكناس وتطوان وتارودانت ووجدة سوى واحات تمتد بالزيادة أو النقصان حسب الظروف، مذكرة بمصير سجلماسة أو أغمات الغابرتين، أو بواحات درعة التي كان الحراطين واليهود هم الذين يتعاطون فيها الأعمال اليدوية، فهم المستضعفون في الوسط الترحالي الملزمون بالاستقرار. وويل لمن يستقر بين الرحال.

ومما كان يشد بين الفلاحة والصناعة أيضا بساطة أدوات الإنتاج التي تعود إلى القرون السالفة فلم يدخل عليها أدنى تغيير. وكان تقسيم العمل بين الحرف غير حاصل إلا في كبريات المدن التي تميز فيها الدباغ عن الصفار والحداد عن النجار والصباغ عن الصائغ. أما فيما عدا ذلك من البلاد فالفلاح هو صانع أدواته، كما أن الصانع هو الذي يزرع الأرض. مما ينم عن إنتاج متواضع هزيل، ساير قلة عدد السكان ويتلاءم مع ما يتعاقب عليهم من السنوات العجاف والسنوات السمان.

وكان اقتصاد المغرب قائما على التقشف والزهد فلا إسراف ولا تبدير، ويحكى في الرواية الشفوية أن المولى عبد الرحمان بن هشام استقبل ذات مرة الشرفاء الأدارسة في فاس فسألهم إن كان لهم حاجة يقضيها لهم فطلبوا منه ساعة توقظهم لصلاة الفجر، فقال السلطان لأقرب خدامه :

يا فلان أعط الشرفاء دیكي الذي يوقظني أنا

أوجين دولاكروا السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام
السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام (1822-1859م)

3. الثقافة في مغرب القرن 20

يرتبط بهذه التشكيلة الاقتصادية ما كان يناسبها لزوما من الأساليب الثقافية. وأول ما كان يثير الانتباه من مغاربة مطلع القرن العشرين لباسهم وهندامهم العام، وفقا لما رسمه من ذلك الأوربيون والتقطته آلات التصوير الأولى، وشتان ما بين هيأة أجدادنا وبين ما نحن عليه اليوم لا في اللباس مثلا ولا في حلاقة الشعر واللحى. فقد اعتقد الفنان الفرنسي أوجين ديلاكروا Delacroix وهو يرسم مغاربة عهد مولاي عبد الرحمان أنه يقف على بقية اللباس الروماني في شكل العباية غير المخيطة والكساء الذي يلتف فيه الجسد والقمصان الفضفاضة المدلاة التي تحزم بمضمة مطرزة عند الخاصة وبحبل من عند العامة، وعمامة كثيفة عند علية القوم ولحية موكول بلونها أن يفصح عن تقدم صاحبها في السن.

أما المرأة فلا تبدو للعيان في المدن إلا في حالات معينة ولا يبدو منها عندئذ سوى هرم ملفوف في حائك أبيض يطل على الدنيا بعين واحدة. بيد أنها أكثر سفورا في البادية، وإن كان سفورها مشوبا بما يرسم على محياها من الأوشام، التي يقابلها عند الرجال ما يحتفظون به من خصلة الشعر الأصلية على شكل قرن مظفر يعتبر عنوان الرجولة. ومجلة L’illustration حافلة بما التقطت عن سلفنا من الصور التي تثبت أنهم كانوا أقرب إلى العصور القديمة منهم إلى القرن العشرين.

ودليل آخر على ذلك هيمنة الثقافة الشفوية بالرغم من كون الأمة من أهل الكتاب. وكانت تقنيات الكتاب لا تزال عندهم في مستوياتها اليدوية، إذ الاستنساخ هو الجاري به العمل في النشر، ويوم دخلت المطبعة الحجرية البلاد سنة 1864 -وهي أول مطبعة في تاريخ المغرب- فإنها لم تتجاوز دائرة محدودة من رجال العلم في مدينة فاس، كما أنها لم تتجاوز دائرة علوم الدين التي عليها المدار منذ عصر ابن خلدون. ووقوف العلم والتعليم عليها لم يكن عائقا لتطور العرفان وتنقيح العقول فحسب، بل كان أيضا عنوان التقوقع والتستر على الجهل بذريعة صون المقدسات.

وما كان لشهود العيان من الأوربيين إلا أن يتعجبوا مما آلت إليه الأوضاع في القرويين بعد أن كانت في قرون الازدهار مقصودة من طلاب العلم من أوربا بالذات. وكيف لا يستغرب المعلم الفرنسي والمستعرب المتواضع Moulieras من جهل واحد من كبار علماء المغرب يومئذ، هو المامون البلغيثي، بكل ما لا يتصل بالعلوم الشرعية؟ إن العلم في المغرب كان في تمام الإهمال جراء جمود الأفكار وانصراف الجمهور للضرورات الأولى والآخرة دون سواها.

وكان الراغبون في شيء من العلم يحفظون عن ظهر قلب، بين «المسيد» وجامعة القرويين أو ابن يوسف أو في مدرسات متآكلة أو في زاوية تتعاطى التعليم في البادية، مجموعة من المتون المقدسة أو غير المقدسة أصلا، وإن كان طول تردادها قد أضفي عليها حلة من القداسة، مثل رسالة ابن أبي زيد القيرواني أو أرجوزة عبد الواحد ابن عاشر أو ألفية مالك في النحو وقواعد اللغة. ومع ذلك كان هذا الشخص على العموم عاجزا عن الكتابة وعن الخط السليم لقلة الممارسة، ولكون الكاغد يومئذ عنوان الرفاهية ومخالطة الإفرنج الذين لا يذكرون إلا ملعونين.

ومن علامات انحطاط الفكر لدينا أن إخواننا في المشرق باتوا لا يصورون لما كانوا عليه من التخلف قبل حركة التنظيمات والنهضة الأولى إلا بما كانوا يرون أو يسمعون عنا في مطلع القرن العشرين من روح المحافظة العمياء على ما جاء في بعض أعداد مجلة المنار. كيف لا والبلاد في حالة من الكبت الثقافي والانطواء على النفس، توحي بأن الثقافة شأنها شأن الاقتصاد، فإنها مبنية على القلة، يحتل فيها حفظ المتون الدينية كل المجال، مثلما تحتل تربية الماشية وزراعة الحبوب كل المجال الفلاحي، والنسيج والحدادة والنجارة كل المجال الصناعي. فلا وجود لعلوم الطب ولا لعلوم الطبيعة ولا للرياضيات ولا بالأحرى لعلوم الاجتماع مثل التاريخ والجغرافيا والفلسفة التي حكم عليها بالإعدام منذ العصر الموحدي.

ومن علامات الاختناق الثقافي أن ذلك لم يبد إلا لقلة معدودة من علماء الأمة الذين لم يعزب عن أذهانهم لا أسبابها الداخلية ولا أسبابها الخارجية المتمثلة في هيمنة أوربا. فقد ألف السلطان المولى عبد الحفيظ مؤلفا عنوانه «باب العطب قديم» يوحي بما كان لتلك الأزمة من الجذور الضاربة في الأعماق. وكتب محمد بن جعفر الكتاني «نصيحة أهل الإسلام» منددا بما وقع من التفريط في تعاليم الدين وبما وسمه بالسكرتين “سكرة العيش وسكرة الجهل”.

أما محمد السليماني ابن الأعرج، فإنه رأى أسباب الأزمة في انهيار المستوى العلمي وفي وقوع البلاد عالة على أوربا في المصنوعات فقال :

والتمدن الحقيقي عند الأمم الراقية في معارج الحضارة هو أن تستغني الأمة المتمدنة عن غيرها في جميع حاجاتها بحيث تقوم بجميع شؤونها … أما نحن معشر المراكشيين فما دام شبابنا على جانب من الجهل بعواقب الأمور وعامتنا على غاية من تأصل البداوة وخاصتنا منهمكة في البذخ واستلذاذ الحلاوة فلا مطمع في نجاحنا ولا رجاء لفلاحنا، بل ما دمنا غير متشوفين لمجد الأوطان وتعزيز السلطان فلا يجمل بنا حتى حكم أنفسنا بأنفسنا، ولذلك ألقينا بمصالحنا لغيرنا جهلا بإدارتها.

4. الحياة السياسية بالمغرب

ولما كان المجتمع على تلك الدرجة من التزمت والحيرة، كان لزاما أن ينعكس ذلك على الحياة السياسية وعلى أدوات السلطة. وكما أن العلم كان لا يتنفس إلا من جهة المُقَدس، فكذلك كانت روح الحكم مجسدة كلها في الشخص العاهل الذي لم يسم بالسلطان عبثا. فهو أمير المؤمنين والإمام الذي تقام بجوده الشرائع، ولولاه لأكل الناس بعضهم بعضا. ولعمت الفوضى. ذلك بأنه المسؤول الأول عن المخزن.

والمخزن، كما يدل على ذلك الاسم، هو بيت مال الجماعة المكلف طبعا وشرعا بخزن فائض الأيام السمان لأيام المسغبة والقحط. ولا تضيق الضائقة بأحد أو بجماعة إلا وقيل :

اللهم اجعل البركة في المخزن

لعموم اليقين بأن السلطان ظل الله في أرضه وبأن نفوذه من مقتضيات التنزيل. وكل ثورة عليه مروق وشبه زندقة، إلا إذا جاءت ممن له الحق في مزاحمته على الملك من بني أبيه أو أعمامه، مثلما فعل المولى عبد الحفيظ فأفلح. ورام ذلك قبله الفتان بوحمارة ففشل بسبب افتضاح دعوته بأنه المولى محمد الأعور بكر أولاد المولى حسن. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على انحصار الصراع السياسي والعصبية المتحزبة يومئذ عند حدود الأسرة المالكة. كما يدل على رسوخ أقدامها في الحكم واستحالة أن ينازعها عليه أحد من الغرباء.

وكانت أدوات نفوذ الدولة على قدر ما على عاتقها من المهام. فهي دولة مسلمة أولا وقبل كل شيء، دستورها الكتاب والسنة. ومن ورائها تاريخ حافل بالتجارب. ومن مهامها على الإجمال، حفظ الجماعة من أن يتأذى بعضها ببعض بإقامة العدل بين الناس، هذا على الصعيد الداخلي. أما حيال الأجانب فعليها أن تذود عن الحِمَى وأن تتصدى لمن يريد بالبلاد شرا.

فالإمام شرعا قائد جيش المجاهدين. ولا بد للجيش من المال، وتلك المهمة الثالثة من مهام الدولة التي تجمع الأموال من صدقات المؤمنين ومن غيرها من الموارد، مثل الجمارك. وفي ما عدا ذلك فلا دخل للدولة في شؤون الرعية. ولكل إقليم أن يتصرف بما يراه مناسبا لأحواله، وليس في ذلك أدنى مساس بشرعية السلطان، لأن الدولة دولة الإمامة والقيادة العليا، وليست دولة الإدارة والفصل في الشاذة والفاذة.

وكانت أداة الحكم الكبرى هي الْحْرْكَة التي كان العاهل يتفقد من خلالها أحوال الأقاليم، كما كانت الرعية تطمئن بها على وجود الحكم الأسمى والملاذ الأعظم، علما بأن الشهور والأعوام كانت تطوى قبل أن تحل نوبة إقليم بالذات في “حَرْكة” السلطان، جراء بطء وسائل النقل واعتماد الدواب دون سواها في ذلك. فكانت الحرْكة أداة حكم ونفوذ ممتد، ولم تكن أداة إدارة كثيفة أو سلطة مركزة، مصداقا لقوله تعالى وأمرهم شورى بينهم. ولذلك كانت البلاد مقسمة إلى أقاليم تنالها الأحكام السلطانية وأخرى لا تنالها تلك الأحكام لتعذر وصول الأجهزة المخزنية إليها بانتظام.

وإذا كان ذلك من أسباب التغيير السياسي قبل قيام الدولة العلوية بما كان يتأتى للأطراف من القدرة على التمرد على المركز بناء على قول ابن خلدون، فإن تلك الأطراف أصبحت عاجزة عن التمرد وتجديد الصرح السياسي منذ القرن السابع عشر، وسبب ذلك انقلاب في الظرفية العالمية وسيطرة الأساطيل الأوربية على التجارة مع إفريقيا وآسيا الصغرى والكبرى. فتقلصت العلاقات الدولية المغربية من جهة الشرق ومن جهة السودان، الذي ليس بين انقطاع الصلة به على التمام وبين عقد الحماية سوى بضع سنوات.

وقد أضحى الاستعمار الفرنسي يمسك بمخنّقنا من يوم احتل بالجزائر سنة 1830 ومن يوم دخلت جيوشه مدينة تنبوکتو سنة 1893، وجاء وفد من علماء السودان إلى المغرب مستنجدا ومستصرخا فكان كالغريق يتمسك بيد الغريق. وأجابهم كاتب السلطان الفقيه عبد الله الفاسي قائلا :

نصرتهم واجبة لو أمكنت           لكنها لها أمور عرضت 
لأنهم ما استنصروا حتى أبى     من نصرهم من خاف قطعا عطبا 
أولها بعد الطريق مع ما           حوت من المهالك فلتعلما 
لا سيما مع شهامة العدا           برا وبحرا بالمركب بدا 
فربما من جهة بززنا                 خرج من أخرى لما ذكرنا

وهكذا اشتد الحصار حتى اختلط الحابل بالنابل على أهل البلاد. وتبعثرت الصفوف وافترقت الكلمة بين راغب في تقليد الأوربيين مع العجز عن التقليد، وتلك قصة المولى عبد العزيز، وداع إلى الجهاد مع الافتقار إلى مقوماته، وتلك معامرة المولى عبد الحفيظ الذي ينسب إليه البيت التالي

آآمر بالجهاد وجل قومي          يرى أن الحماية فرض عين 

بحيث باتت الدولة في وادي والأمة في وادي فتسرب الاستعمار من ذلك المسرب وفرض علينا التغيير قبل أن نكون قد غيّرنا ما بأنفسنا. لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من تاريخ المغرب.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق