التاريخ المغاربيتاريخ ليبيا

تاريخ ليبيا من القرن التاسع عشر حتى عام 1914

عند بداية القرن التاسع عشر، شهد تاريخ ليبيا مجموعة من التحولات، حيث لم يعد الحكم القرمانلي في ليبيا يقوى على الصمود أمام الضغوط الأوربية. وتدخلت الدولة العثمانية لتحكم البلاد حكما عسكريا ووفق مصالح الأتراك. فقامت الليبية تحت قيادة الزاوية السنوسية لمواجهة الهيمنة العثمانية أولا ثم تجندت، بعد ذلك لمقاومة الغزو العسكري الإيطالي. وقد اضطر الإيطاليون، مع ظروف الحرب العالمية الأولى وصمود المقاومة الليبية، إلى الاكتفاء باحتلال السواحل فقط، دون التمكن من التوغل في الجنوب الليبي.

تاريخ ليبيا خلال القرن 19

ضعف الحكم القرمانلي وعودة الهيمنة العثمانية على ليبيا

حكمت الأسرة القرمانلية أقاليم : فزان وطرابلس الغرب وبرقة ( ليبيا الحالية ) منذ بداية القرن السابع عشر. وكانت ليبيا، وقتذ، تلعب دور الوسيط بين افريقيا السوداء وأوربا في قسم من التجارة الصحراوية.

ودفعت حركة الجهاد البحري، الحكام القرمانلين للاهتمام بصناعة السفن والأسلحة، فكان الحكام يجنون من تلك الحركة مداخيل مهمة.

ومنذ مطلع القرن التاسع عشر، توجه اهتمام الدول الأوربية للقضاء على الجهاد البحري. فكثرت الاصطدامات بين الأساطيل الأوربية والأسطول القرمانلي وتقلصت، نتيجة ذلك، موارد القرمانليين من تلك الحركة، فالتجأوا لمضاعفة الجبايات على السكان الأصليين، والاستدانة من الدول الأجنبية.

وبتأخر الحكام القرمانليين عن دفع الديون الخارجية، هددت أساطيل كل من انجلترا وفرنسا باحتلال طرابلس. فتدخل الجيش العثماني سنة 1835، مستعيدا بذلك هيمنته القديمة على الأراضي الليبية.

فثارت القبائل الليبية ضد التدخل العثماني، حيث نجح شيخ قبائل المحاميد المسمى “غومه” في طرد العثمانيين من عدة أجزاء من البلاد ومن المدن الساحلية القريبة من طرابلس الغرب. وكاد أن يطرد فلول الجيش التركي، لولا النجدات العسكرية العثمانية التي عملت على استرجاع السيادة التركية على طرابلس، ثم عمل الأتراك على احتلال المناطق الداخلية، خاصة منطقة فزان، فواجهتهم مقاومة بقيادة الزاوية السنوسية.

نشأت الحركة السنوسية وتوسعت بالجنوب الليبي

تكتلت القبائل الليبية حول محمد بن علي السنوسي ، الذي ولد سنة 1780، وتلقى تعليمه في الجامعات الدينية بشمال افريقيا والشرق العربي، فتشبع بالأفكار السلفية. ثم استقر بليبيا، حيث أخذ يدعو الناس للعودة إلى أصول الدين وإلى الوحدة الاسلامية، وأسس بعض الزوايا، كانت أهمها، ” الزاوية البيضاء ” بواحة الجغبوب ، وذلك منذ سنة 1843.

وكانت الزوايا السنوسية بليبيا تُعلم الأطفال القرآن ومبادىء اللغة والدين والتاريخ. ويتلقى فيها الكبار دروسا في الفقه التوحيد. وتهتم الزوايا أيضا بمعالجة القضايا والنزاعات القائمة بين الأشخاص وبين القبائل وذلك بالاحتكام إلى الشريعة.

وكان شيوخ الزوايا يشجعون السكان على الزراعة وتربية الماشية، ويتلقون الهدايا والجبايات. وكانوا يبعثون بالفائض عند حاجات زاواياهم للشيخ السنوسي الأكبر المستقر بواحة الجغبوب، حيث يستعين بتلك المداخيل على المزيد من مَدّ نفوذ الزاوية بين القبائل الصحراوية والافريقية.

وبتكاثر عدد الزوايا ( 100 زاوية سنة 1884 )، أصبحت للسنوسين سلطة على الواحات الجنوبية، وشجعوا تجارة القوافل الصحرواية، وتكاثر أتباعهم في كل من مصر والسودان والتشاد والجزائر. وعلى إثر احتلال انجلترا للسودان وفرنسا للتشاد، فإن الزاوية السنوسية فضلت نقل مركزها إلى واحة الكفرة، منذ سنة 1895. وبذلك لم يعد نفوذ السنوسيين يتعدى بكثير منطقة برقة. وكان هدف قادة الزاوية من هذا التراجع حماية الزاوية من الهجمة الاستعمارية والاستعداد لمواجهة الاحتلال الإيطالي للأراضي الليبية.

احتلال الايطالي والمقاومة الليبية

تمركزت المصالح الاقتصادية الايطالية، قبل بداية الغزو العسكري لليبيا

عملت إيطاليا على التخلص من منافسات الدول الأوربية الأخرى، قبل هجوم قواتها على الأراضي الليبية بموجب اتفاقية 1902 تخلت فرنسا لايطاليا عن طرابلس الغرب، مقابل اعتراف إيطاليا لفرنسا بحرية التصرف في المغرب.

وتمكن الايطاليون من فتح فروع لبنك روما بطرابلس الغرب، منذ 1905، واشتروا كثيرا من الأراضي هناك، وذلك عن طريق وسطاء لهم وأقامت شركات إيطالية مشاريع زراعية بليبيا واحتكرت شركات البواخر الايطالية الاتصال البحري بين طرابلس وأوربا. وأعد المهندسون الايطاليون مشروع سكة حديدية بين طبرق والاسكندرية.

وأخذت المؤسسات المالية الإيطالية في تقديم القروض للأهالي الليبيين، وذلك مقابل فوائد مرتفعة مما كان يؤدي إلى انتزاع أملاك الأهالي المفلسين.

وقامت إيطاليا بإرسال العديد من البعثات العلمية والتبشيرية لدراسة طبيعة البلاد و تاريخ وعادات السكان من أجل التخطيط لغزوها. وتم تهجير العاطلين الإيطاليين نحو ليبيا. وبصفة عامة، كان الساسة الايطاليون يعتبرون أرض ليبيا جسرا يخدم أهدافهم التوسعية داخل افريقيا الشرقية.

وفي 28 شتنبر 1911، غزت القوات الإيطالية سواحل البلاد الليبية. وأعلنت إيطاليا الحرب على تركيا، التي سَلَّمَتْ بالأمر الواقع في أكتوبر 1912. فوقَع الأتراك على معاهدة لوزان، التي تمنح ليبيا حكما ذاتيا يُؤمن لها الاندماج في القوانين الجديدة الايطالية.

انطلقت المقاومة الليبية على يد الزاوية السنوسية

واجه الشيخ أحمد الشريف السنوسي، التدخل العسكري الإيطالي، بمقاومة مسلحة تميزت بمجابهات عسكرية في العرقوب وجندوبة مثلا ( 1913 ). واتخذ المقاومون الجبل الأخضر، كمركز لعملياتهم. فاضطر الايطاليون للتخلي عن مجموعة من المواقع التي كانوا قد احتلوها داخل البلاد.

وبحلول الحرب العالمية الأولى، توقف التوسع العسكري الايطالي داخل البلاد الليبية. واكتفت إيطاليا بالهيمنة على السواحل واستغلال بعض الخيرات، وكانت المقاومة بقيادة الزاوية السنوسية تزيد من تنظيماتها داخل الصحراء وتجند قبائل الجنوب الليبي من أجل المزيد من الصمود أمام الغزو الايطالي.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق