اليهود المغاربةاليهود المغاربيون

تاريخ يهود المغرب 2000 سنة من الاستقرار

يجعل شح الوثائق التاريخية رسم صورة واضحة عن اليهود المغاربة وممارساتهم الدينية قبل الإسلام، أمرا معقدا. بالمقابل، تؤكد الوثائق المتوفرة أن المغاربة اعتنقوا هذه الديانة قديما، وحافظوا على استمرارها منذ ألفي سنة.

يكتسي موضوع يهود المغرب والديانة اليهودية في مغرب ما قبل الإسلام حساسية خاصة، بخلاف باقي الديانات التي عرفها المغاربة قديما، لارتباط الموضوع بتوظيف إيديولوجي مؤسس على القول بوفود اليهودية واليهود على المغرب من المشرق، ليصبح ذلك إحدي مبررات تهجيرهم نحو فلسطين المحتلة أواسط القرن الماضي.

والحاصل، أن بعضا من المغاربة اعتنقوا اليهودية كما اعتنقوا ديانات أخرى وافدة عليهم، إثر وصولها مع يهود هاجروا من المشرق، بما يفيد أصالة اليهودية المغربية باعتبارها عنصرا من عناصر هوية الأمة المغربية. فالمغاربة اليهود ليسوا مجرد عابرين قدموا من المشرق وآن لهم أوان العودة، بعد ألفي سنة من الاستقرار في المغرب، إلى وطن أصلي مفترض يشتركونه مع مواطنين لا تجمعهم بهم سوى وحدة الدين.

يشدد أحمد شحلان، الباحث المتخصص في الثقافة اليهودية المغربية، على هذا المعني قائلا :

«وقد رفض يهود المغرب هم أنفسهم أن يسموا “جالية”، وهو الاسم الذي كانت تسمي به كتب التاريخ التقليدية التي لم تهتم بدقة المصطلح، كما أطلق بخلفيات سياسية على الجماعات اليهودية التي كانت تقيم خارج فلسطين»

ويضيف شحلان في مؤلفه «اليهود المغاربة من منبت الأصول إلى رياح الفرقة»، موضحا أن يهود المغرب لم يفدوا جميعهم، من فلسطين بحسب ما تفترضه إيديولوجية العودة لاحتلال هذه الأرض، وإقامة دولة يهودية عليها، فتوظيف مصطلح «الجالية» في بعض كتب التاريخ التقليدية كان يحيل على جلاء واحد، وحادثة تاريخية واحدة معالمها غير متضحة، هي إجلاء نبوخد نصر البابلي يهود فلسطين إلى بابل عام 586 قبل الميلاد.

وماكان كل يهود الدنيا من بقايا هذا الجلاء، ولا ترجع أصول كل اليهود إلى بلاد كنعان (فلسطين)، أو هم من نسل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ليعدوا من بين من جرى عليهم الجلاء. لقد عرف يهود المغرب هذه الحقيقة واختاروا أن يسموا طائفة وكفى، ولا أنسى أبدا، ثورة الباحث المغربي اليهودي شمعون ليفي علي، عندما استعملت عبارة «الجالية اليهودية المغربية» في إحدى مساهماتي في ندوة من ندوات كلية الآداب بالرباط، فقد انتفض قائلا :

«إننا لسنا جالية، فنحن مغاربة»

تاريخ اليهود في المغرب.. جذور عميقة

تمتد جذور الطائفة المغربية اليهودية عميقا في تاريخ البلاد فاليهود، حسب حاييم الزعفراني، هم «أول شعب غير بربري أتي إلى المغرب، واستمر يعيش فيه إلى اليوم».

تعوز الوثائق الباحث المغربي حايم الزعفراني، المتخصص في تاريخ اليهود المغاربة، لتعقب أصول الهجرات اليهودية في مؤلفه « ألفي سنة من حياة اليهود بالمغرب» ويسجل أن ما يتوفر من تراث تاريخي حول التاريخ القديم لليهود المغاربة، ينتمي إلى مجال الأساطير، والروايات التي تخص هذه الفترة لم يتم استقاؤها إلا في فترة قريبة.

وتتمحور مجمل الرويات حول شخصية جواب بن سوريا، قائد جيوش الملك داود (النبي)، الذي يعتقد أنه جاء متعقبا فلول الفلسطينيين (من جيش جالوت) واستقر معه يهود في جربة، وطنجة ودرعة ومناطق أخرى.

من جهته، لا يستبعد محمد الغرائب، في أطروحته «يهود مجتمع المغرب الأقصى الوسيط»، أن تكون الديانة اليهودية، قد عرفت طريقها إلى الأمازيغ قبل وصول اليهود إلى الشمال الإفريقي بزمن طويل، مستندا في ذلك على خبر “حذر” يورد فيه ابن خلدون أن «بعض» الأمازيغ ربما اكتشفوا اليهودية وجاؤوا بها إلى بلاد المغرب بعد احتكاكهم باليهود في الشام، لكن الباحث يشدد بدوره على أنه وإن كانت اليهودية أول ديانة توحيدية عرفتها بلاد المغرب في تاريخها القديم، فإن كيفية دخولها لا يزالان موضوع خلاف في أبحاث المهتمين بتاريخ يهودية الشمال الإفريقي.

اقرأ أيضا: كيف حمى الملك محمد الخامس اليهود المغاربة من المحرقة النازية

بالمقابل، توفر بعض الوثائق الموروثة عن مؤرخين قدماء مثل بروكوب، وآثار أركيولوجية، وبعض مقاطع التلمود، إمكانيات رسم صورة أقل غموضا عن تاريخ المغاربة اليهود في الفترة الرومانية. وعلى ضوء هذه المصادر، يظهر أثر اليهود في ليبيا ومدينة وليلي الرومانية.

من المعلومات الأساسية التي توفرها المصادر المتعلقة بهذه الفترة، حسب الزعفراني، أن عدد اليهود المغاربة «تضاعف بفعل قدوم يهود مهاجرين جدد، وبفعل اعتناق السكان الأصليين والأجانب، بشكل قوي، الديانة اليهودية»، فالأصول الأولى لليهودية في المغرب لا ترجع فقط لليهود المهاجرين من المشرق، بل تشمل أيضا الأمازيغ الذين اعتنقوا هذه الديانة.

أمازيغية يهود المغرب

استنادا على تحقيقات ميدانية، يقسم الزعفراني اليهود المغاربة، حسب أصولهم التاريخية إلى ثلاثة مجموعات كبرى فالناطقون بالاسبانية ينتمون عموما لليهود المهجرين من الأندلس ويعرفون باسم «ميغوراشيم». بعض هؤلاء (الميغوراشيم) تعربوا وأصبحوا ينتمون للمجموعة الثانية إلى جانب يهود مغاربة أصليين تعربوا بدورهم يطلق على هؤلاء اليهود المغاربة الأصليون تسمية (طوباشيم)، وهم تحديدا، الفئة الأقل تعرضا لأضواء التاريخ بحكم شح المصادر، في هذا السياق.

تطرح أمازيغية اليهود المغاربة تساؤلات لدى المؤرخين المهتمين بهذه الفترة. إذ هناك من يعتقد أن أغلبية اليهود المغاربة كانوا من الأمازيغ، وهنالك من يذهب بالمقابل إلى رفض هذا الاستنتاج.

في مؤلفه «تاريخ يهود شمال إفريقيا» يذهب هيرشبيرغ مذهب الفريق الثاني، ويستدل على خلاصته القائلة بعدم أمازيغية اليهود المغاربة بغياب تراث أمازيغي يهودي، بينما يوجد تراث عربي يهودي في شمال أفريقيا، بينما ينبه الزعفراني، في مناقشته لهذه الأطروحة إلى أن تحقيقاته الميدانية في الجنوب المغربي ووديان الأطلس تؤكد أن معظم اليهود الأمازيغ في هذه المناطق يستعملون اللغة الأمازيغية في تفسير وترجمة الكتب المقدسة، تماما كما يستعمل يهود مغاربة في مناطق أخرى اللغة العربية أو الاسبانية لنفس هذه الأغراض.

اليهودية أول ديانة توحيدية في المغرب

في ظل الامبراطورية الرومانية، عاشت اليهودية بشمال إفريقيا باعتبارها أول ديانة توحيدية قبل المسيحية والإسلام. و«بصفة عامة، يظهر أن السلطات الرومانية كانت متسامحة إزاء اليهود، بحيث كان يسمح لهم بتسيير شؤونهم بأنفسهم، بل إن بعضهم كان يتمتع بحقوقه المدنية» كما يوضح الزعفراني. غير أن وضعية هذه الديانة تأرجحت خلال هذه الفترة تبعا لتحولات الظروف السياسية المحلية والمحيطة.

استنادا إلى محمد الغرايب، فإن اليهودية والمسيحية أيضا ترسختا بفضل تسامح الإمبراطورية الرومانية منذ القرن الثاني الميلادي. فبدأ التنافس يحتد بين اليهودية والمسيحية الصاعدة وطبيعي أن يزيد هذا التنافس بين الديانتين، من أعداد أنصارهما على حساب سلطان الدولة في أقاليم الإمبراطورية، مما أثار حفيظتها، وتحركت السلطة ضد أي عمل يهدد كيانها، حتى أن فترة «سيبتيم سيفر» و «كاركالا» (193-217 م) التي تميزت في تاريخ الشمال الإفريقي بالتسامح مع اليهود، قد شابها «منع الدعوة اليهودية والتبشير المسيحي معا».

قبل اللجوء الشهير ليهود الأندلس نحو المغرب هربا من الاضطهاد المسيحي في القرن الخامس عشر، شهدت المنطقة هجرات مماثلة منذ القرن الرابع، حين تزايدت أعداد اليهود اللاجئين إلى المغرب الأقصى، هربا من جنوب إسبانيا بسبب الاضطهاد الديني، كما يشير إلى ذلك محمد الغرايب:

“خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر استمر لجوء اليهود إلى المغرب، سواء هربا من برقة (ليبيا حاليا) وقرطاج، أو نتيجة غزو الوندال للمنطقة، الذين وجدوا في سكان المدن وفلاحي الضواحي من اليهود، خير حليف للاستعانة بهم على الإمبراطورية الرومانية، ويسهلوا في نفس الاتجاه انتقال العديد من يهود البرتغال سنة 429 إلى مناطق أصيلا والعرائش وسلا والقصر الكبير…”

كما يشرح نفس الباحث، مشيرا إلى أن طرد الوندال في فترة لاحقة سنة 534 أسهم هو الآخر في توسع اليهودية بالمنطقة. ذلك أن استهداف الوندال، ذوي العقيدة الأريوسية التوحيدية، رافقه استهداف العقائد الأخرى المخالفة للعقيدة الرسمية للبيزنطيين الذين استعادوا سيطرة أسلافهم الرومان على شمال إفريقيا.

في هذا السياق، أدى استهداف اليهود إلى نزوحهم نحو المناطق البعيدة عن النفوذ البيزنطي في السواحل «فنزلوا بين قبائل الداخل عند برابرة الجبال أو الصحاري، وهناك عاودوا الدعاية لديانتهم» على حد تعبير روني بوتين في «تاريخ الصحراء»، نقلا عن أطروحة محمد الغرائب.

عند بدء الغزو الإسلامي للمغرب، كانت اليهودية منتشرة إلى جانب المسيحية والوثنية، لكن الوثائق المتعلقة بهذه الفترة تعوز الباحثين.

“نجد أنفسنا أمام فراغ مهول وصمت شبه تام للمصادر، في ما يخص الفترة التي تفصل بين العهد الروماني المتأخر وبداية الغزو العربي”، يقول الزعفراني، مدرجا في نطاق «الأساطير» الأخبار التي تتحدث عن أن الكاهنة، إحدى زعيمات المقاومة ضد الغزو الإسلامي، كانت يهودية.

لم يمنع دخول ثم انتشار الإسلام في المغرب استمرار اليهودية بل وتطور يهودية مغربية متميزة بتراثها الديني والثقافي أسهم في تكوين الهوية الوطنية للمغرب، خاصة بعد احتضان يهود الأندلس، الذين أصبحوا عنصرا فاعلا ضمن طائفة يهود المغرب.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق