اليهود المغاربةاليهود المغاربيون

تجار السلطان.. كيف تحكم اليهود المغاربة في الإقتصاد

قدر أعداد اليهود بالمغرب أواخر القرن 19م بحوالي 200.000 و250.000، وأغلبية هؤلاء اليهود من القاطنين بالمدن عكس المسلمين الذين شكلوا حوالي %80 من المستقرين بالبوادي.

لقد كان اليهود يسيطرون على اقتصاد البلاد ويحتكرون النشاط التجاري وكان السلاطين المغاربة يقربونهم لمكانتهم الاقتصادية ثم إن اليهود في المقابل لا يستطيعون أن يستمروا في احتكار الوضع الاقتصادي واستثمار أموالهم في الداخل والخارج إلا بالتقرب من السلاطين، كما كان اليهود أكثر فئات المجتمع تعليما وثقافة لذا هم قادرون بحكم هذه الميزة أن يكيفوا علاقاتهم وأوضاعهم بما يخدم مصالحهم.

وقد عاش معظم اليهود المغاربة في الملاحات، باستثناء بعض المدن التي لم تتوفر بها أحياء خاصة بهم، وقد ظلوا يشكلون دوما جانبا من الجوانب الهامة في المورفولوجيا الاجتماعية لساكنة البلاد، كما أصبح لبعضهم مكانة ونفود هام في البلاد اقتصاديا وسياسيا.

النشاط الاقتصادي لليهود المغاربة في عهد السعديين

ارتبطت الكتابات الديبلوماسية الباكرة بمساهمة يهود المغرب في الاستغلال التجاري لمادة السكر عن طريق الاحتكار بشكل ضايق الانجليز إلى أقصى الحدود، فاضطر معها سلاطين السعديين إلى التدخل بإصدار ظهائر مساعدة لصالح التجار الانجليز، وفي مناسبات عديدة ترتبت عن متاجرتهم في بضائع أخرى كالأثواب وغيرها من السلع المربحة بحكم التباين الكبير في الأسعار بين أسواق المغرب وأوروبا.

النشاط الاقتصادي لليهود في العهد العلوي

هيمن اليهود في العهد العلوي على صناعة النقود، واحتكروا دور ضرب السكة في مجموع البلاد. والواقع أن هؤلاء التجار اليهود قد احتلوا منذ زمن بعيد موقعا متميزا في مجال التجارة البحرية، إذ اعتاد السلاطين المغاربة على تكليفهم بتفعيل دور الوساطة بين المغرب وأوروبا، سواء بصفة منفردة أم إلى جانب شركاء مسلمين.

وذلك ما تدل عليه المهام التي أسندت إليهم في عهد سيدي محمد بن عبد الله مثلا، وهو السلطان الذي شجع التجارة البحرية بشكل منهجي انطلاقا من مرسى الصويرة، وعبأ فئة خاصة من التجار المسلمين واليهود لبلوغ هذه المرامي. فاستقدم التجار اليهود للاستقرار في الصويرة عندما تم تطويرها كميناء مغربي رئيسي خلال سنتي 1760 و1770، وقام المخزن بتأجيرهم المنازل، بإيجارات منخفضة، في القصبة المبنية حديثا.

وهكذا أصبح أعداد التجار اليهود في الصويرة يفوق بكثير نظرائهم المسلمين في التجارة الخارجية، حيث شكل اليهود أكثر من %90 من كبار التجار المنخرطين في التجارة مع الأوربيين، ويمكن تفسير هذه الوضعية المتميزة التي تمتعت بها النخب التجارية اليهودية إلى علاقاتها مع أوربا وتوفر عناصرها على أحد عوامل التفوق المتمثل في تواصلها مع المواطنين اليهود الفرنسيين والانجليز والهولنديين والألمان والأمريكيين وغيرهم.

الأسر التجارية اليهودية المغربية

ومن بين أبرز الأسر اليهودية المغربية التي اشتهرت في مجال التصدير والاستيراد نذكر عائلات:

أفرياط، ومخلوف بوغانم، وسلام مفتالي، وأبرامي بيطون، ومنان بوطبول، وآل مقنين..

وقد انتقل بعض أفراد تلك الأسر للاستقرار ببعض جهات المحيط الأطلسي الشمالي للالتحاق بالطوائف اليهودية السفرادية المقيمة منذ أمد بعيد في لندن وأمستردام، وعرفوا في تلك الأوساط بـ “البربرسكوس” (Berberiscos)، وأسسوا دور صناعية، ولا سيما بتجارة النسيج حيث كان لهم في هذا الميدان باع طويل. وعلى سبيل المثال، نذكر أن هارون أفرياط يعتبر من الذين زاولوا تجارة الأثواب لمدة 60 سنة نحو هذه الجهات.

وعملت النخبة اليهودية المغربية على استغلال الفرص التي أتاحها أمامها النظام الرأسمالي الغربي، ولاسيما المضاربات في البورصة، لتحقيق أرباح إضافية تعزز مكاسبهم التجارية، فاهتموا بشراء أسهم بعض الشركات الكبرى، ومنها إقدام تجار مسلمين ويهود على شراء أسهم الشركة الملاحية الفرنسية “باكي” (Paquet).

الامتيازات المخزنية للبرجوازية اليهودية

حظي المغاربة اليهود بمجموعة من مظاهر التشجيع من بينها أداء السلطة لبعض الديون عن المفلسين من التجار اليهود إذا تعلق الأمر بديون الغير، أو إسقاطها عنهم إذا تتعلق الأمر بديون المخزن أثناء عجزهم عن الدفع. وغالبا ما كانوا يكتبون رسائل الاستعطاف إلى المخزن في هذا الشأن. ونذكر مثالا واحدا يتعلق بعائلة التاجر موسى بن حك أفلالو وأبناء عمه الذين أسقط عنهم السلطان مولاي الحسن بموجب ظهير، ما عليهم من الديون.

بفضل هذا الوضع الذي استفاد منه كبار التجار اليهود، حصل هؤلاء على امتيازات وتسهيلات وظهائر التوقير والاحترام، واستفادت عناصر الفئة الغنية داخل الطائفة اليهودية في تحقيق ثرواتها من علاقاتها المتينة مع الدوائر المخزنية المركزية، بما في ذلك السلطان والوزراء، وأيضا على المستوى الإقليمي والمحلي بما في ذلك العمال والقواد وأعيان القبائل، فساعدتهم هذه العوامل مجتمعة على احتلال مكانة خاصة واكتساب وزن استثنائي جعل منهم وسطاء لا غنى عنهم وعن خبرتهم.

وانطلاقا من أواسط القرن التاسع عشر، بدأت دائرة النخب اليهودية المغربية تتسع شيئا ما لتشمل عناصر جديدة ومغايرة لفئة التجار التقليدية، برزت ضمن الطوائف اليهودية بفضل التعليم الذي تلقته هذه العناصر في مدارس الرابطة اليهودية العالمية – الجمعية التي تأسست في باريس سنة 1860 – وعبأ مسيروها جهودهم لتحسين أوضاع اليهود الاقتصادية والاجتماعية والقانونية في العالم الإسلامي عموما والمغرب على وجه الخصوص.

فما موقف النخبة اليهودية من التطورات التي شهدها المغرب في عصر التنافس الإمبريالي؟

بفضل امتيازات التي حصلت عليها بريطانيا العظمى ومعها بقية الدول الأجنبية التي تربطها علاقات دبلوماسية رسمية بالمغرب، ومن بينها على وجه الخصوص إمكانيات تقديم الحمايات القنصلية إلى الرعايا المغاربة، فقد بدلت هذه الدول قصارى جهدها لحث التجار اليهود المغاربة على الالتحاق بمعسكرها ووضع خبرتهم رهم إشارتها، وفي خدمة دورها التجارية وشركاتها الصناعية ومؤسساتها المصرفية والبنكية.

واتسمت محاولات الأوربيين في هذا المجال بجاذبية قصوى لم يتردد في الاستجابة لها عدد لا بأس به من التجار اليهود والمسلمين على السواء، لأن التعامل المباشر مع الدور التجارية الأوربية والإفلات من قيود نظام “تجار السلطان” -على الرغم من كل امتيازاته- كان يعني لهم تحقيق مزيد من الأرباح وصيانة تراكمها، والاستفادة من التسهيلات البنكية والقروض، فضلا عن الامتيازات القضائية والجبائية المهمة التي وفرتها لهم بطاقات الحماية القنصلية وشهادات التجنيس.

فهل كان بوسع اليهود المغاربة التمادي في رفض الحماية التي كان الفرنسيون والانجليز يتنافسون في تقديمها لهم؟ فسواء أدركوا أم لم يدركوا أن هذه الحماية كانت ذات مقاصد وخيمة في نهاية الأمر، فإنهم مالوا كلهم ميلا خفيفا أو شديدا إلى الاستعانة بها. مما ساهم في تعميق الأزمات التي كابدها المخزن المغربي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من جراء التغلغل الاستعماري، وما ترتب عنها من مساس بسيادة الدولة المغربية، ومن تطاول على اختصاصات القضاء المغربي المستند في أحكامه على مقتضيات الشريعة الإسلامية.


المصدر
خالد بن الصغير: "الأرشيف البريطاني وكتابة تاريخ يهود المغرب"عمر أفا: "مسألة النقود في تاريخ المغرب في القرن التاسع عشر"عمر أفا: "تاريخ المغرب المعاصر دراسات في المصادر والمجتمع والاقتصاد"دانييل شروتر: "يهودي السلطان، المغرب وعالم اليهود السفرد"Daniel J. Schroeter: From Dhimmis to colonized subjects: Moroccan Jews and the sharifian and French colonial state

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق