التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

تمودا أقدم حاضرة بواد مرتيل شمالي المغرب

اقرأ في هذا المقال
  • اسم المدينة وتاريخ التنقيبات
  • موقع تمودا وموضعها
  • الأبحاث الأثرية: وصف خرائب تمودا
  • المدينة الموريطانية

عرف وادي مرتيل خلال النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد ظهور بعض الأنوية الحضرية المهمة، ومن بين أهم ما عثر عليه من هاته الأنوية نجد أولا مركز سيدي عبد السلام البحري على مقربة من مصب وادي مرتيل على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وثانيا مركز تمودا أو تمودة المشهور، والذي يقع على الضفة اليمني لهذا الواد على بعد خمسة كيلو مترات جنوب غرب مدينة تطوان، على الجهة اليسرى للطريق الرابطة بين تطوان وشفشاون، إذا ما كنا متوجهين نحو هاته الأخيرة، ويطابق موقعا ما يسميه سكان المنطقة بالسويار، أي السور الصغير.

ومازالت قنطرة تطوان شفشاون، التي تقع بمحاذاة تمودة، تسمى إلى يومنا هذا بقنطرة السويار. وشكل هذا المركز الأخير النواة الأولى للحياة المدينية بالمنطقة قبل تأسيس مدينة تطوان الإسلامية، ومن ثم تتجلى أهمية تمودا في التاريخ المديني بحوض وادي مرتيل. ولإعطائه ما يستحقه من عناية سنتطرق أولا لإسمه وكيفية العثور عليه، ومجريات عملية التنقيب به. وسنحاول ثانيا التأريخ لتأسيسه وتوقف الحياة التسكانية به.

تمودة.. اسم المدينة وتاريخ التنقيبات

تمودا: أصل التسمية

نجد أقدم إشارة لإسم تمودة لدى الكاتب الروماني بلين الشيخ، في مؤلفه الشهير التاريخ الطبيعي، بحيث يشير – خلال وصفه للساحل المتوسطي المغربي قديما لحد أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق) – إلى وجود نهر صالح للملاحة، ومدينة لم تعد موجودة لما كتب مؤلفه، يحملان معا إسم تمودا Flumen Tamuda navigabile, quodam et oppidom.

كما عثر بالمدينة المورية نفسها على نقيشة صخرية كتبت عليها باللغة اللاتينية كلمة (Tamudum) تمودا. وعلى النقود التي تسمى بالنيوبونيقية والتي عثر عليها بهذا المركز، نجد عبارة TMT وتقرأ من اليمين إلى اليسار بـ Tamouta. بينما نجد في لائحة الموظفين الرومانيين الكبار (Notitia Dignitatum) إسم تموكو (Tamuco)، ويعتقد كانيا (R .Cagnat) أن تموكو هي تمودا.

ويعود هذا الإختلاف في التسمية، على ما يبدو، إلى اختلاف في النطق، نظرا لصعوبة نطق الأجانب للأسماء الأمازيغية، وهو ما فطن له بلين الشيخ حيث يقول :

“أسماء شعوبها ومدنها (شمال إفريقيا) صعبة في النطق”

ويرى بعض الباحثين بصدد إسم تمودا وأصوله أنه أمازيغي ويعني الأرض المستنقعية، وهو ما يتفق وطبيعة السهل الرسوبي لوادي مرتيل حيث تكثر المستنعقات التي مازال بعضها موجودا إلى وقتنا هذا.

وكيفما كان الحال فهذا الموقع يطابق ما يسميه سكان المنطقة “السوبار”، أي السور الصغير، وهو اسم يطلق في شمال المغرب، وخصوصا “منطقة جبالة” على الأماكن التي توجد بها خرائب مهجورة.

موقع تمودا وموضعها

تقع تمودة في حوض وادي مرتيل المفتوح على البحر من الجهة الشمالية الشرقية والذي تحيط به كتل جبلية متوسطة الإرتفاع من جهة الجنوب والغرب والشمال، ويشمل هذا الحوض سهل مرتيل الخصب، ويخترقه النهر الذي يسمى حاليا بواد مارتيل، والذي سماه بلين خلال القرن الأول قبل الميلاد بنهر تمودا (Tamuda Flumen) ويعرف هذا النهر رغم قصر طوله عدة تعرجات. وقد ظل هذا النهر صالحا للملاحة حتى العصور الحديثة، إلى أن طمر الإسبان مدخله بالحجارة في القرن التاسع عشر.

وتتموضع مدينة تمودة في مكان استراتيجي محصن طبيعيا من الجهة الشمالية بالإنحذار الذي أقيمت على سفحه طريق تطوان شفشاون، كما أن وجودها على مجرى النهر جعل سكانها في وضعية تمكنهم من استغلال النهر في الصيد أو التجارة، أو للفرار في حالة الخطر. وإذا ما أضفنا إلى هذه الميزات خصوبة الأراضي المحيطة بالمدينة فهمنا لماذا تم اختيار هذا المكان بالضبط لتقام فيه مدينة تمودا.

الأبحاث الأثرية: وصف خرائب تمودة

أسفرت الأبحاث الأثرية عن التمييز في تمودا بين قسمين متباينين، مدينة موريطانية ومعسكر روماني أقيم على أنقاض الأولى، وهذا المعسكر هو القسم البارز من الخرائب، وخصوصا السور الذي يحيط به، والعلاقة الكرونولوجية بين القسمين واضحة، فبعد ماخرجت المدينة الموريطانية فيما بين 40 و 42 م أقيمت فوق خرائبها القلعة الرومانية في زمن غير محدد من القرن 2 م.

تمودا : المدينة الموريطانية

تحد المدينة الموريطانية شمالا بالانحدار الذي يؤدي إلى النهر، وغربا بانحدار أخر أقيمت على سفحه طريق تطوان شفشاون، وجنوبا بالطريق الثلاثية التي تنطلق من طريق تطوان-شفشاون إلى طرويطا (Torreta) وعين بوعان، أما شرقا فتستمر المسيتا التي أقيمت فوقها المدينة في الامتداد، حيث لا تعطي الطبغرافية حدودا واضحة في هذه الجهة.

وعلى الرغم من أنه لا تعرف حدود المدينة بدقة، فالذي أصبح أكيدا اليوم أنها كانت تمتد على طول يتراوح ما بين 200 و 250 مترا من الشرق إلى الغرب، وما بين 50 و 200 مترا من الشمال إلى الجنوب.

والجدير بالذكر أن جزءا مهما من المدينة الموريطانية لا نعرف عنه شيئا نظرا القيام القلعة فوقه، والتنقيب عنه يقتضي مباشرة تخريب القلعة الرومانية، كما أن جزءا آخرا شوهته بنايات رومانية متأخرة أقيمت خارج القلعة سواء في الجهة الشمالية أو الجنوبية. وتتكون المدينة الموريطانية من أربعة قطاعات تحيط بالقلعة الرومانية التي أقيمت في الوسط في مكان أكثر ارتفاعا، والقطاعات الأربعة كما هو واضح من تناسق شوارعها تكون أجزاءا من مدينة واحدة، ويتضح هذا بجلاء من خلال الوقوف على هاته الخرائب ومعاينتها.

القطاع الجنوبي

تسود في هذا القطاع ساحة واسعة مستطيلة، محاطة بعدة شقق مستطيلة أيضا، وهذه الساحة هي الوحيدة التي عثر عليها لحد الآن بالمدينة، مما يؤدي إلى الاعتقاد بأنها نوع من الأكورا أو الفوروم، ولكن هذا الإعتقاد تعارضه وقائع أخرى تتلخص في عدم وجود مباني عمومية حولها دينية أو مدنية. وتنفتح على الجدران المحيطة بهذه الساحة مجموعة من الأبواب الواحدة تلو الأخرى مبنية بإتقان، وتتكون عتبتها من صخور مصقولة، هذه الأبواب تؤدي إلى سلسلة من البيوت اعتقدها كنطيرو محلات تجارية نظرا لكثرة الفخار والجرار التي وجدت بداخلها، غير أن وجود هذه الجرار ظاهرة عادية وتتكرر في جميع بيوت المدينة.

ومن الزاوية الجنوبية الشرقية للساحة يمتد شارع مستقيم في اتجاه الشرق انمحت أغلب المنازل التي أقيمت على جوانبه، واندثرت تقريبا، ومن القليل الذي تبقى منها يظهر أنها تنتمي للنموذج المعتاد بالمدينة، فهي بيوت صغيرة ومستطيلة. أما في منتهى هذا الشارع شرقا فتوجد مبان في وضعية حسنة بعتبات واسعة وطويلة مكونة من أكثر من صخرة مصقولة، كما عثر في هذه الجهة على بقايا متناثرة لعمود أيوني، تشتمل تاج العمود وقطعة من قاعدته، وهذه البقايا هي البقايا الوحيدة الشاهدة على وجود مبني هام بـ تمودا، وتجدر الإشارة إلى أن جزءا من الجهة الشرقية لهذا الشارع مازال مطمورا ولا يعرف عنه شيء.

أما الجهة الغربية لهذا الشارع فهي محددة بسور عريض يصل إلى نصف متر يساعد على معرفة طريقة البناء المستعملة آنذاك، والتي تتميز بالدقة في تهذيب الصخور، وكثرة الصخور الكبيرة المستطيلة الموضوعة فوق صخور أكبر بدون لحام، وهذه الطريقة في البناء شبيهة بما وجد بخرائب أمبور ياس وطراكونا وقرطاجنة بإيبريا وكذلك بما وجد بليكسوس ومزورة.

القطاع الشرقي

هذا يساعد على أخد فكرة أكثر وضوحا عما كانت عليه تمودا الموريطانية، وهو قطاع اكتشف لحد الآن، ويظهر به عدة بيوت صغيرة ومستطيلة الشكل، متكدسة بشكل يدل على كثافة سكانية لا يستهان بها في المدينة، وهذه البيوت غير متساوية الأبعاد، أبوابها وجدرانها الخارجية التي تطل على الشوارع ليست بنفس إتقان نظيرتها في القطاع الجنوبي، غير أنها دائما ذات بناء متقن وصلب.

ويوجد في هذا القطاع شارع واسع يبلغ عرضه 7.80متر، وهو في وضعية متوازية مع الشارع الرئيسي بالقطاع الجنوبي، وعلى يمينه ويساره يمتد شارعان أضيق منه، وفي نفس الإتجاه، ومع هذه الشوارع الثلاثة يتقاطع شارع ذو اتجاه جنوبي شمالي تقريبا، وينفتح عليه مسكن من جهته الشرقية له جدار سميك، يشبه في صلابته السور الذي يحد القطاع الجنوبي من جهته الغربية، مما جعل طراديل يعتقده جزءا من السور الشرقي للمدينة الموريطانية.

القطاع الشمالي

توجد بهذا القطاع مبان ذات تقنية شبيهة بنظيرتها في القطاعين الجنوبي والشرقي من المدينة، كما توجد بنايات متراكبة، حيث أقيمت فوق بنايات المدينة الموريطانية مباني متأخرة رومانية تقنيتها تشبه مثيلتها بالقلعة.

القطاع الغربي

بني بدقة كبيرة ومتميزة عن مجموع المدينة حسب ما جاء عند طراديل، أما اليوم فلا نستطيع أن نقف على هذه الدقة، وهو في وضعية متردية ونأسف لكون المنتقب في هذا القطاع أي مونتالبان لم ينشر عنه أي شيء.

هذا عن قطاعات المدينة فماذا عن المدينة ككل ؟

من خلال الوقوف على خرائب المدينة يلاحظ أن الجزيرات (ilots) السكينة التي تحدها الشوارع تقسم غالبا إلى بيوت قليلة، ومن الصعب تحديد المنازل بدقة لأن أغلبية هذه المنازل لا تتعدى الجزء الأعلى من أساس البناء إلا لماما، حيث يصعب تحديد الأبواب التي كانت تربط البيوت بعضها، وهي تخرج عن عادة المنزل الروماني الإغريقي الذي كان يتوفر على فناء داخلي مربع وغير مغطى، تنفتح حوله مجموعة من البيوت وهو ما لا يتوفر بـ تمودا.

ولا يمكن التمييز بين هذه المنازل من حيث وظائفها لانعدام أي عامل مميز داخلها، فالجدران بارتفاعها الضعيف فوق مستوى الأرض لا تعطي أي شيء مميز، إلا أن وجود مطاحن للحبوب من الصخر البركاني يقيم الدليل على أن كل المنازل كانت تباشر طحن الحبوب لاستهلاكها اليومي.

ومن الصعب كذلك معرفة الطريقة التي تسقف بها المنازل، إذ لا يوجد أي أثر للقرميد من أي نوع كان. ولا بقايا كربونية للأخشاب التي يمكن أن تدعم السقوف الشيء الذي يمكن تفسيره بكون صغر حجم البيوت لم يكن يتطلب إقامة دعائم للسقوف مادام أن تلك السقول ستكون خفيفة.

ويلاحظ أيضا أن الجدران الفاصلة بين البيوت أو بين المنازل تتكون من صخور عادية غير مصقولة، وملحمة بواسطة عجين التراب، وغالبا ما نجد أحجارا صغيرة تملأ الفجوات التي تبقى بين الأحجار الكبيرة. أما الجدران والأبواب التي تطل على الشوارع فإنها متقنة البناء عكس الجدران الداخلية، ويتراوح العلو الأقصى الذي تبلغه كل الجدران ما بين 60 سم 80 سنتميترا فوق مستوى الأرض. وهنا نتساءل عما إذا كانت جداران تلك البنايات لها نفس الشكل من أسفلها إلى أعلاها.

يغلب على الظن أن هذه الأسوار أو الجدران لم تكن إلا قاعدة ترتكز عليها جدران من التراب أو “الطوب”، وذلك لغياب الأحجار والصخور المتساقطة من الجهة العليا التي لم تجد خلال عمليات الحفر بكميات كافية. وإذا كان من الممكن الرد على هذا بكون هاته الأحجار استخدمت في بناء القلعة الرومانية، كما استخدمت صخور المدينة ككل فيما بعد، وهناك عامل آخر يبقى واضحا ومقنعا، وهو أن كل الأسوار التي مازالت في وضعية حسنة تنتهي بخط مستقيم، ليس بعدم الإنتظام الذي يميز عادة الأسوار المتهدمة، كما تجدر الإشارة إلى أنه في مركز سيدي عبد السلام على الساحل يلاحظ بقايا طوب يرجع حسب طراديل إلى القسم الأعلى من أسوار المباني، مادام أن أرضية المنطقة مكونة من تربة رملية.

أما المباني العمومية أو المباني الفخمة فلا نعرف عنها أي شيء في تمودا، والدليل الوحيد على وجود مثل هذه البنايات هي بقايا العمود الأيوني سابق الذكر، وقد اعتقد كنطير و تبعا لهذا الاكتشاف بأن الأمر يتعلق بمعبد أو مؤسسة عمومية

مجمل القول، أن مدينة تمودة الموريطانية تقدم نموذجا تمدينيا متجانسا كان ثمرة تصميم كما تؤكد بقاياها أنها بنيت دفعة واحدة أو على الأقل في مدة قصيرة. وتؤكد عدة استبارات قام بها طراديل أنه لا توجد قبل هذه المدينة نواة سكينة سابقة. كذلك يظهر أنها لم تدم طويلا حتى تضطر لتجديد بنيتها أو بيوتها، حيث لم تعرف المدينة إلا تغيرات جزئية في بعض مبانيها.

ويظهر من مآثر المدينة خاصة في القطاع الجنوبي أن تصميمها حسب نعيمة الخطيب بوجبار يشبه تماما تصميم المدن التي كانت تشيد في الحقبة الموريطانية. والساحات المستطيلة الشكل والبنايات المجاورة لها المبنية بالحجر من غير لحام والبيوت المستطيلة أو المربعة، تؤكد أنها بنيت على النمط الهندسي الهلنستي.

وأخيرا يستدل من آثار الحريق واللقى التي وجدت بالمدينة أن تمودا الموريطانية تحطمت من جراء الحروب التي نشبت بين الرومان والموريين بعد اغتيال بطلميوس سنة 40 م، ولم تعد الحياة لتمودة بعد هذا التخريب إلا مع القرن الثاني الميلادي لما أنشأت القلعة الرومانية فوق أنقاض المدينة الموريطانية.

بواسطة
عبد العزيز أكرير
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق