عين على التاريخمقالات

جمهورية الريف .. تفاصيل جمهورية الخطابي بالمغرب

اقرأ في هذا المقال
  • محمد بن عبد الكريم الخطابي، الشخص والزعيم
  • الأمير عبد الكريم الخطابي ينتفض
  • ميلاد جمهورية الريف
  • جمهورية الريف الفتية تسقط

يعتبر محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي اشتهر بين المغاربة باسم عبد الكريم، مؤسس جمهورية الريف المغربية ورمزا من رموز المقاومة والكفاح. من تجليات ذلك، تصديه في عشرينات القرن الماضي، للاستعمار الإسباني، ووقوفه في وجه قوتين استعماريتين تحالفتا ضده، هما فرنسا واسبانيا.

لقد كتب عنه وعن حركته، الكثير، وما زال مساره، مع ذلك، إلى الآن، مثار اهتمام بالغ وجدل واسع وسط الباحثين وغيرهم، نظرا لما كان لحركته من جاذبية وتأثير على المستوى العالمي، ولما التصق بها من أقاويل، وما تعرض له تاريخها من طمس و تأويل، جعلاه يبقى منفتحا على الكثير من الأسئلة والاجتهادات، التي يستمد بعضها قيمته من هواجس اللحظة الراهنة.

محمد بن عبد الكريم الخطابي، الشخص والزعيم

ولد الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي في أجدير، نواحي مدينة الحسيمة سنة 1882، في أحضان أل خطاب، الذين ترجع أصولهم، حسب الروايات المحلية إلى الشرفاء الأدارسة.

ويشكل آل خطاب فخذة من بني ورياغل، التي تعد من قبائل الريف الكبرى، وقد كان والده الفقيه عبد الكريم الخطابي، قاضي القبيلة. يتمتع بمكانة مرموقة، في وسطه القبلي، ويحظى بالحظوة لدى جمهورية الإسبان، لميله، قبل فرض “الحماية” وبعدها، للتعاون معهم، خدمة لمصلحة البلاد.

ولما كان هذا الفقيه القاضي مدركا لأسباب التفوق الحضاري الأوربي، فقد حرص على تعليم ابنيه مُحَانْدْ ومحمد بمدارس الجمهورية الإسبانية.

لكن الأول، أوصله إلى القرويين، في حين التحق الثاني بإسبانيا، للتخصص في دراسة المعادن وبعد رجوعه إلى مليلية، أصبح محمد بن عبد الكريم معلما سنة 1907، وأيضا، موظفا بمندوبية الشؤون الأهلية التي كانت تشرف على العمل السياسي بالمنطقة الريفية، وانشغل بالاضافة الى ذلك، بكتابة المقالات الصحفية لإحدى اليوميات الإسبانية، وبعد بضعة سنوات، أصبح قاضيا، بنفس المدينة، لكن مساره المهني تعثر بسبب تعرضه للاعتقال والسجن (في شتنبر 1915 وغشت 1916)، في أوج الحرب العالمية الأولى.

تشير بعض الروايات إلى أن جمهورية اسبانيا، التي لم تتورط في هذه الحرب. استاءت من تصرفات أبدي من خلالها تعاطفه مع الدعاية الألمانية والتركية الموجهة ضد فرنسا، ورفضه لمخططات الإسبان الرامية لتوسيع مجالهم المحتل بـ الريف. وتفيد روايات أخرى أن الغاية من اعتقاله الضغط على أبيه الذي لم تعد إسبانيا تطمئن إليه.

حاولت عائلة الخطابي، لفترة معينة، الابتعاد عن أي نشاط سياسي مثير للإسبان، لكن إصرار المفوض السامي الجنرال داماسو بيرنكير DAMOSO BERENGUER مع نهاية الحرب العالمية الأولى، على دعم نشاطه العسكري بجبالة والريف، دفعا محمد بن عبد الكريم وأخاه لمشاركة أبيهما في إذكاء روح المقاومة بين القبائل الريفية، خصوصا بعد أن أخذت القوات العسكرية الاسبانية طريقها من مليلية إلى خليج الحسيمة، غربا.

وبعد وفاة الأب، في غشت 1920، حمل ابنه محمد مشعل المقاومة.

الأمير عبد الكريم الخطابي ينتفض

قرر قائد القوات الإسبانية، الحاكم العسكري بمليلية منذ سنة 1920، الجنرال سيلفيستري – المشهور بصداقته مع الملك ألفونسو 13، وميله في الحرب للنهج العسكري الصرف – التوغل عسكريا، في الريف، في اتجاه خليج الحسيمة، وأنشأ في طريقه ذات المسالك الجبلية، مراكز معززة بحاميات عسكرية، وقد هاجم محمد بن عبد الكريم الخطابي هذه المراكز، ومنها أنوال، المركز الأساس لتجمع القوات الإسبانية.

وقع ذلك في يوليوز 1921، حيث تكبد الإسبان خسائر فادحة في العتاد والأرواح.

جيش عبد الكريم الخطابي أنوال الريف
القوات الريفية بقيادة الخطابي

وبالرغم مما توفر للعدو من عتاد، واستعماله الغازات السامة سنة 1923، فقد استطاعت الحركة الريفية تحقيق انتصارات متتالية، مما مكنها من فرض حضورها ببلاد غمارة وجبالة ومن الوصول إلى النواحي المجاورة لتطوان، بحيث لم تصل سنة 1925 حتى فرض عبد الكريم الخطابي حضوره القوي على المنطقة الشمالية باستثناء طنجة والحصون العسكرية بسبتة ومليلية والعرائش.

جنود الجمهورية الريفية
مقاتلين من القبائل الريفية

وقد نجح في ذلك، بفضل تكاثر المجاهدين، من بني ورياغل وبني توزين وتمسمان، وغيرهم من القبائل الريفية، وخطة حرب العصابات، القائمة على استخدام عنصر المفاجأة لضرب العدو والاختفاء بعد تنفيذ الهجوم، وهي الخطة التي استخدمها هوشي مين في الهند الصينية سنة 1947.

ميلاد جمهورية الريف

لم تقف إنجازات الأمير عبد الكريم الخطابي عند المجهود الحربي، إذ أنه انشغل، أيضا، بالقضايا المتعلقة بالإصلاح والتنظيم. فقد أعلن عن تأسيس الجمهورية الاتحادية لقبائل الريف المعروفة اختصارا بـ جمهورية الريف وحسب ما ذكره محمد حسن الوزاني، في “مذكرات حياة وجهاد” :

“فقد كان من الطبيعي، أن يفكر محمد بن عبد الكريم في تنظيم “الثورة” لأن النصر لا يأتي إلا بالنظام”.

خريطة جمهورية الريف المغرب
خريطة جمهورية الريف شمال المغرب

وذكر علال الفاسي من جهته، تحت عنوان دستور الجمهورية الريفية، أن أمير الجهاد يقصد هنا محمد بن عبد الكريم الخطابي :

“فكر في عقد مؤتمر شعبي يدعو إليه ممثلي القبائل الريفية ويتناول وإياهم دراسة الأحوال، ويتفق معهم على نظام تأسيسي تسير به حكومة المقاومة وينتظم به شؤونها.. وأن هذه الحركة التحريرية كانت ذات اتجاه ديموقراطي يرمي لتحسين حالة الشعب”

تمخض عن قيام الجمهورية الريفية تشكيل جمعية وطنية، و“حكومة دستورية جمهورية يرأسها محمد بن عبد الكريم”، ووضع دستور “مبدؤه سلطة الشعب”، ولو أنه لم يفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما أورده علال الفاسي في كتابه “الحركات الاستقلالية”.

 نشيد جمهورية الريف

نشيد جمهورية الريف

لكن تأسيس جمهورية الريف، في نظر علال الفاسي، لم يكن “عدولا عن فكرة الملكية” لأن مؤسسيها، الذين لم يستطيعوا التواصل مع السلطان المحاصر في “المغرب الفرنسي”، وجدوا الحل الوسط في تأسيس نظام مؤقت يمكنهم من تنظيم الإدارة وتدريب الجمهور على أن يحكم نفسه بنفسه.

وهذا الرأي يدعم ما ذهبت إليه بعض الدراسات التاريخية من أن تأسيس الجمهورية الريفية لم يكن يحمل في طياته أي طابع انفصالي، بيد أن بعض الباحثين والكتاب أكدوا، من جهتهم، على الهوية الأمازيغية لـ جمهورية الريف لذا سموها ” الجمهورية الأمازيغية للريف”، ورأوا فيها نواة دولة أمازيغية مرتكزة على المبادئ الجمهورية العصرية وعلى ثقافة المساواة الأمازيغية.

علم جمهورية الريف عبد الكريم الخطابي
علم جمهورية الريف

وفي المقابل، ركزت دراسات أخرى على أن الأمير عبد الكريم الخطابي كان إصلاحيا مناصرا لنهضة الثقافة الإسلامية، ومعجبا في نفس الوقت، بما حققته أوربا الحديثة من تقدم مادي، وأن إمارته ارتكزت على مبادئ “الإمارة الإسلامية والنسق الجمهوري الأوربي”.

وذهب روبير مونتاني، من جهته، إلى أن الأمير الذي وضع في الاعتبار التقاليد الأمازيغية و “التجديد الخطير في شكل جمهورية عصرية”، “سار في طريق التقاليد الإسلامية”، التي تجعل منه “عاهلا إسلاميا”، و “لم يعد منذئذ يظهر بمظهر البطل الأمازيغي.

إقرأ أيضا مدرسة الريف.. التعليم في جمهورية عبد الكريم الخطابي

وبعيدا عن الإشكال الهوياتي، يستخلص بعض الباحثين بأن تأسيس الجمهورية الريفية خطوة محفوفة بالمخاطر، غايتها وضع الخصوم أمام الأمر الواقع.

وانسجاما مع هذا التصور الذي يعطي قيمة كبرى للعامل السياسي والاستراتيجي، يري جون لوي مييج، في مقال عن عبد الكريم الخطابي، منشور في Encyclopaedia Universalis أن هذا الأخير أنشأ دولة ذات “مخزن”، بسيط نوعا ما، في الريف، لكنه يجمع بين الخصائص التقليدية والعصرية، وأن استعمال مصطلح “جمهورية”، المنسجم مع التقاليد الديمقراطية الأمازيغية، هو ما أكسبها تعاطف الرأي العام الأوربي.

الجمهورية الريفية الفتية تسقط

عندما بدأت القوات الريفية تقتحم المحور الحيوي لورغة العليا، الواقع على الحدود الفاصلة بين المنطقتين الخاضعتين لفرنسا وإسبانيا بالمغرب، وجدت نفسها وجها لوجه مع الفرنسيين. وكان الاصطدام حتميا بين الطرفين.

وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن القوات الريفية ألحقت بالجيش الفرنسي، بين ماي ويونيو 1925، هزائم نكراء، أربكت قائدها، المقيم العام بالإيالة السلطانية، المارشال ليوطي، الذي أرغم على تقديم استقالته في شتنبر 1925.

وكانت الحكومة الفرنسية قد وقعت منذ شهر يوليوز، اتفاقية تحالف عسكري مع جمهورية إسبانيا، وسلمت قيادة العمليات العسكرية في الريف للمارشال بيتان، وأصبح الريف، بذلك، مسرحا لحرب، من أكثر الحروب فظاعة في تاريخ المغرب المعاصر، تحالفت فيها فرنسا وإسبانيا، الاستعماريتان، ضد الجمهورية الريفية الفتية، ونظرا لأن الحرب لم تكن تجري بين طرفين متكافئين، فقد أرغم الأمير على الاستسلام في ماي 1926.

إقرأ أيضا حول: عبد الكريم الخطابي من المنفى إلى العودة .. تفاصيل 21 سنة من الاحتجاز

وبعد استسلامه، نقل في شهر يونيو إلى فاس حيث مكث لمدة ثلاثة أشهر، نفي بعدها إلى جزيرة لاريينيون بالمحيط الهندي، وظل بهذه الجزيرة إلى شهر ماي من سنة 1947، حيث ستبدأ بالنسبة له، مرحلة أخرى من النضال من أجل الحرية والاستقلال.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق