أعلام وشخصيات

جورج واشنطن ماذا تعرف عن أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية

كان جورج واشنطن لا يزال بعد حيا، حين نسجت حوله حكايات شعبية، يمتزج فيها الخيال بالواقع، فقد قيل، على سبيل المثال، بأنه أسقط شجرة كرز ضخمة في بستان والده، وهو بعد مراهق، وأنه لم يتكتم على ذنبه، بل اعترف به، بكامل الصراحة. لا شك أن هذه الحكاية مختلفة، ولكنها تؤشر على المكانة التي كانت للرئيس الأول للولايات المتحدة، في قلوب أبناء وطنه.

جورج واشنطن: الطريق إلى المواجهة

ولد جورج واشنطن George Washington يوم 22 فبراير 1732، بویکفیلد في فيرجينيا، حيث كانت عائلته تملك أراضي شاسعة. لم يقض وقتا طويلا في المدرسة، ولم يدخل جامعة قط. ولم يكن له إلمام بالفرنسية، اللغة التي كانت سائدة، على مستوى دولي، في القرن الثامن عشر.

كان يقرأ للكتاب الإنجليز المعروفين، وقد أعجب بشكل خاص، بمسرحية أدیزون، «کاتون»، لكونها تدعو إلى القيام بالواجب والتمسك بالشرف. كما أنه، استوعب قدرا كافيا من اللاتينية، مكنه من فهم جمل القيصر أو لشيشرون، كان يتم الاستشهاد بها.

أما المجال الذي كان بارعا فيه، فهو الرياضيات. سنة 1754، ورث أملاك عائلته الشاسعة ماونت فرنون. وبعد ذلك بخمس سنوات، تزوج بأرملة ثرية مثله، هي مارتا کورتیس، التي يقال إنها كانت بارعة الجمال، راجحة العقل. وكرس الاثنان وقتهما لأملاكهما بماونت فيرنون Mount Vernon، وعاشا حسب نمط العيش الأرستقراطي السائد في فرجينيا آنذاك.

كان واشنطن يقضي وقته في أعمال الزراعة، وتربية المواشي، كما كان يشرف على ممتلكات الكنيسة. وكان يتابع جلسات المجلس التشريعي لفيرجينيا، ويتتبع مجرى الأحداث، التي بداتها تمضي نحو نهاية محتومة: المواجهة مع الوطن الأم، إنجلترا.

الخبير بالإستراتيجيا

اندلعت الحرب من أجل الاستقلال، وكان واشنطن قد اكتسب، قبل ذلك، شيئا من الشهرة، على المستوى العسكري. ذلك أنه قاد، سنة 1750، الحملة ضد الجيش الفرنسي في وادي أوهيو. وفي سنة 1758، شارك في الهجوم الذي قام به الإنجليز على موقع دیکين (وقد استولوا عليه)، في المكان الذي يسمى اليوم بيتسبرغ. ولكنه لم يقبل في صفوف الجيش الملكي البريطاني ولذا، قدم استقالته.

كان جورج واشنطن يعرف مقدراته. ولقد شعر بالحقد العنيف على سلطات لندن التي استبعدته واستهانت به. وازداد ذلك الحقد لكون تلك السلطات كانت تغتصب، على الدوام، حقوق الأمريكيين. ولذا استجاب للمؤتمر، حين اختاره، سنة 1775، قائدا للجيش المتطوعين، الذي كان قد تشكل للتو.

حرب الاستقلال الأمريكية

كلف واشنطن بقيادة الجيش، باعتباره منتميا إلى الجنوب. وقد تم اختياره، من جهة، لإقامة توازن ضروري (فقد كان هنالك حضور طاغ لممثلي إنجلترا الجديدة)، ومن جهة ثانية، لأنه ترك انطباعا إيجابيا جدا لدى أعضاء «المؤتمر». ويبدو أن واشنطن كان أحسن من يمكن اختياره للقيام بتلك المهمة. لكنه لم يكن يمتلك، في البداية، حصافة القواد العسكريين الكبار. فقد

مضاد، تمكن العدو الإنجليزي من الهيمنة على قواته خلال معركة لونغ آيلاند. بل إنه كان سيؤسر لو تقدم الجنرال الإنجليزي ویلیام هاو بسرعة أكبر. ولكن أخطاءه الاستراتيجية الأولى جعلته يفهم طبيعة الحرب التي يخوضها، بشكل أعمق. لقد أدرك أن الأمر يتعلق بحرب عصابات، فلجأ إلى تكتيك خاص، يقوم على تفادي المواجهة، وعلى الانسحاب من أجل القيام بهجوم وبشكل مباغت. وحين وصل الكونت روشامبو، على رأس التجريدة الفرنسية، إلى «القارة الجديدة»، سنة 1780، كان واشنطن قد أصبح معروفا كقائد فذ في المجال الإستراتيجي. وكانت قوات الإنجليز قد قطعت المناطق الجنوبية ووصلت إلى یورکتاون (الموجودة على ساحل فيرجينيا)، بأمر من کورنواليس. وخطط واشنطن، بشكل بارع، لجعل المدينة المحصنة تشهد نهاية آمال أعدائه.

قامت القوات البحرية الفرنسية، المتحالفة معه، بقطع كل تواصل عن طريق البحر مع شبه الجزيرة تلك. وقام جیش واشنطن بمحاصرتها برا. وجد کورنواليس نفسه محاصرا في ذلك الموقع الحصين، ولم يكن أمامه مخرج ممکن، فاستسلم سنة 1781. وبهذا النصر انتهت الحرب من أجل الاستقلال، رغم أن اتفاق السلام لن يعلن، بشكل نهائي، إلا سنة 1783. لاشك أن العديد من القادة العسكريين كانوا سيستغلون مثل هذا الوضع لينصبوا أنفسهم حكاما دیکتاتوريين. بل إن عددا من الضباط كانوا ينتظرون من واشنطن أن يجعل من نفسه دیکتاتورا، وربما ملكا. ولكن هذا الأخير أبان، مرة أخرى، عن طبعه الاستثنائي، واستنکف من كل ذلك. فقد اختار أن يعود إلى الحياة المدنية، وأن يهتم بأراضيه في ماونت فيرنون Mount Vernon.

اقرأ أيضا: سيمون بوليفار تعرف على سيرة محرر قارة أمريكا الجنوبية

جورج واشنطن الزعيم السياسي

ولكن سير الأحداث سيفرض من جديد عودة واشنطن. فقد ترأس الجمعية التأسيسية التي حررت دستور سنة 1787، ووضع عليه توقيعه. ثم انتخب، سنة 1789، أول رئيس للولايات المتحدة. وقد أدرك جيدا مسؤولياته، والدلالة التاريخية لكونه أول رئيس للبلاد. فكل أفعاله، وكل أساليب الحكم التي سيتبعها، ستشكل، في المستقبل، سوابق لها تأثيرها على لاحقيه. هكذا، نزع إلى اعتماد توجه ديمقراطي، جدير بالتقدير. وقد كان متحفظا، بشكل لا يخلو من بعض التعالي، فكان الرئيس المتسم بعزة النفس، ولكنه ألغى الألقاب الفخمة، واكتفى بأن ينعت بـ «سيادة الرئيس» فحسب. وقد احتفظ، في حكومته، بشخصين لهما تصورات متعارضة : جفرسون وهاملتون.

كان الأول مناصرا للتركيز على تطوير الزراعة، ولاعتماد اللامركزية، فيما يتعلق بالسلطة السياسية. أما الثاني، فكان يدعو إلى التصنيع، وإلى تقوية السلطة الفدرالية. واضطر واشنطن، الذي كان يود أن يبقى متعاليا على ذلك الصراع، إلى الاختيار بين هذين النزوعين.

انتخاب

وفي سنة 1792، أعيد انتخابه بحماس، رئيسا للبلاد. وبعد تلك الفترة الرئاسية الثانية سيرفض تقلد منصب الرئاسة مرة ثالثة، متذرعا بكون النظام والأمن أصبحا سائدين في أرجاء البلاد. وسيكون رفضه هذا في أساس نوع من العرف السياسي، سيبقى ساري المفعول حتى 1940، السنة التي انتخب خلالها فرنکلین روزفلت رئيسا للمرة الثالثة. بعدها، جاء التعديل الثاني والعشرون للدستور، لمنع إعادة انتخاب الرئيس مرة ثالثة. وقد قضى واشنطن بقية حياته في ماونت فرنون. وبها مات في 14 دجنبر 1799، بعد إصابته بنزلة برد.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق