دراسات علمية

جوناس سالك مخترع لقاح شلل الأطفال

إن يوم 12 أبريل 1955 لذو أهمية خاصة في تاريخ الطب. فقد أعلن خلاله عن التوصل إلى لقاح مضاد للشلل الأطفال. ويعود الفضل في ذلك إلى فريق من علماء المناعة والمختصين في الاصابات الفيروسية، الذين يعملون تحت إشراف الدكتور جوناس سالك Jonas Salk، في جامعة ميشيغان.

ولد جوناس سالك بحي «إيست هارلم» East Harlem بـ نيويورك يوم 28 أكتوبر 1914. وشعر بالميل إلى العلوم منذ أن كان في الخامسة عشرة، ثم بدأ يدرس الطب، سنة 1934، بالكلية التابعة الجامعة نيويورك.

حية أم ميتة ؟

کان سالك مهتما بعلم المناعة. ولكن النظريات المتناقضة فيما يتعلق بالمناعة من الإصابات الفيروسية تركته في حيرة من أمره. فقد كانت هنالك نظرية مفادها أن اللقاح يجب أن يحتوي على فيروسات حية تم إضعافها، كي يتمكن الجسد من إنتاج أجسام مضادة تتميز باستمرارية المفعول ونجاعته.

وهنالك نظرية أخرى مؤداها أنه يجب اعتماد فيروسات فقدت كل مفعول بتأثير الفورمول، حتى لا يكون هنالك أي خطر على الشخص الملقح. وبشكل غريزي، وجد جوناس سالك نفسه يميل إلى النظرية الثانية. بقي عليه، إذن، أن يبرهن على صدق حدسه.

في سنة 1940، أنهى جوناس سالك دراساته الجامعية، وتزوج بدونا ليندسي أصبح طبيبا داخليا بمستشفى «ماونت سيناي» Mount Sinai Hospital، في نيويورك دائما. وقد التحق بجامعة ميشيغان، سنة 1942، ليتعاون مع الدكتور توماس فرنسيس، المختص في الإصابات الفيروسية. وكان برنامجهما يقضي بالبحث عن علاج للزكام، الذي تتسبب فيه فيروسات معينة، كما هو معلوم. وفي 1947، رحل الدكتور سالك إلى پیتسبرغ، ببنسلفانيا، ليشرع في إنجاز أبحاثه الخاصة. وقد جمع حوله فريقا من الباحثين، وكرس کامل وقته للبحث في الشلل الطفلي الذي هو فيروسي أيضا.

معوقون مدى الحياة

إن الشلل الطفلي يحدث بسبب إصابة «القرون الأمامية» للنخاع الشوكي، ويتميز بكونه يصيب الساقين، وعضلات التنفس والابتلاع أحيانا. ويتسبب فيه فيروس عرفت منه ثلاثة أشكال ويمكن أن ينتقل هذا المرض من شخص إلى آخر، كما يمكن أن ينتقل عن طريق الطعام القذر.

وفي غالب الأحيان، فإن الفيروس المذكور لا يسبب إلا مرضا بسيطا لا خطر منه. ولكن بعض المصابين يصبحون معوقين مدى الحياة. ويكمن العلاج أساسا في إعادة تمرين العضلات، والمداواة المركزة على الجانب الفزيولوجي، والجراحة المقومة للأعضاء، وإعادة التكييف الوظيفي. وإذا ما شلت عضلات جهاز التنفس يلجأ إلى جهاز تنفس اصطناعي، مرتبط بأنبوب يولج في قصبة الرئة ويسمى «رئة الفولاذ».

أوبئة خطيرة

کان وباء الشلل الطفلي قد داهم أوربا والولايات المتحدة مرات عديدة، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد تفشي سنة 1916 في مدينة نيويورك بشكل شديد الخطورة، وبلغت الإصابات المعلن عنها أكثر من 9000 وبلغ عدد الموتی 2500.

وقد لاحظ الطبیبان : هورستمان (من پیل)، وبودیان (من مدرسة جون هوبكنز للطب) أن فيروس الشلل الطفلي ينمو وسط الدم قبل أن يهاجم الجهاز العصبي. واستنتجا أن من الممكن قتل الفيروس في الدم، قبل بلوغه الخلايا العصبية، شرط أن يكتشف وجوده في الوقت الملائم.

جوناس سالك.. معارك وانتصارات

قام الدكتور سالك بتنمية فيروسات الشلل الطفلي بأعداد كبيرة، ثم أقدم على قتلها باستعمال مواد كيماوية، واستخلص سائلا راشحا منها، يمكن استعماله لقاحا بكل اطمئنان. وبعد ذلك بخمس سنوات، لقح به 100 مليون أميركي وتمت الإشادة بالدكتور سالك. ولكن لم يكن للرجل أصدقاء فحسب. فأثناء عمليات التلقيح التي تمت في الولايات المتحدة وفي أوربا، أصيب بالداء أكثر من 200 شخص ممن تم تلقيحهم. وقد هوجم سالك بعنف من قبل خصومه، ومن طرف وزارة الصحة العمومية بالولايات المتحدة.

ولكن سيظهر أن اللقاحات التي تسببت في تلك الإصابات لم تكن قد هیئت بشكل جيد : فشركة الأدوية التي كلفت بهذه المهمة لم تقتل الفيروسات وقد سعی الدكتور ألبير سابين إلى تهييء لقاح يتم تناوله عن طريق الفم، من أجل تسهیل عملية التلقيح الجماعي.

حماية دائمة

حوالي سنة 1962، تمكن الدكتور سالك من تحقيق حلم طالما راوده، فقد أسس في «لاجولا»، بكاليفورنيا، المعهد الذي يحمل اسمه، والذي يتم الاشتغال فيه من أجل تهييء لقاح متعدد الصلاحية، يكون مضادا لكل الفيروسات التي تداهم الجهاز العصبي، ويلقح به كل الأطفال بعد ولادتهم بوقت قليل، فيحميهم طيلة حياتهم من أعدائهم اللامرئيين.

جوناس سالك
جوناس سالك مكتشف لقاح شلل الأطفال

وكان الدكتور بیار ليبين، الاختصاصي الفرنسي في الإصابات الفيروسية، قد هيأ لقاحا مضادا للشلل الطفلي في نفس الوقت الذي قام خلاله الدكتور سالك بذلك في أميركا. ولإدراك مدى نجاعة مختلف اللقاحات المضادة للشلل الطفلي، ما علينا إلا أن نقارن عدد المصابين بالداء قبل ظهور اللقاح وبعده.

فقبل 1955، كان هنالك أكثر من 30.000 حالة مرضية في الولايات المتحدة، وما يربو على الألف حالة في فرنسا. وفي 1981، لم يعد هنالك إلا 651 شخصا مصابا في أمريكا، و 18 في أوربا، من بينهم ستة أشخاص في فرنسا. وللأسف، فخلال تلك السنة نفسها، كانت هنالك 21.173 حالة إصابة بالشلل الطفلي في الجنوب الشرقي من آسيا، و 5835، غرب المحيط الهادئ.

وهكذا، فإن هذا المرض اختفى كلية تقريبا في البلدان التي يستعمل فيها اللقاح على نطاق واسع، مثل أستراليا، النمسا، الدانمارك، فرنسا، ألمانيا، السويد، وسويسرا. ولكنه لا يزال يشكل آفة حقيقية في البلدان ذات المناخ الاستوائي.

الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق