التاريخ المغاربيتاريخ المغرب

لماذا ضاعت الصحراء؟ تاريخ نضال جيش التحرير المغربي بعد الاستقلال

لا تكاد تظهر صفحة جيش التحرير بالجنوب المغربي ضمن كتاب قضية الصحراء المغربية الذي ما يزال مفتوحا إلى اليوم، مرحلة منسية في مسيرة استكمال التحرير التي لم يكن إعلان الاستقلال في 2 مارس 1956 سوى بدايتها، رغم أن وقائع هذه المرحلة وتطوراتها الميدانية والسياسية، تظهر أنها كانت فرصة ضائعة في هذا المسار التحرري.

هذا ما يؤكده قادة عسكريون وسياسيون عاشوا تلك الحرب المنسية، حول الموضوع. فهل ضاعت هذه الفرصة بسبب مجزرة إيكوفيون التي أزهق فيها الطيران الحربي الفرنسي والإسباني أرواح المدنيين العزل سنة 1958؟ أم بسبب الصراعات الداخلية بين القصر ويسار الحركة الوطنية؟

المغرب.. جيشان لدولة واحدة!

لم تمض سوى أيام قليلة على انطلاقة جيش التحرير في أكتوبر 1955 حتى عاد محمد الخامس إلى العرش في 16 نونبر من نفس السنة. في 2 مارس 1956 أعلن انتهاء معاهدة الحماية مع فرنسا، ثم في 7 أبريل الموالي أعلن الاستقلال عن إسبانيا لكن هذين الإعلانين لم يشملا جميع المناطق التي ضمتها فرنسا إلى مقاطعاتها في الجزائر المحتلة، والمناطق التي احتلت قبل توقيع معاهدة الحماية في 1912 في الجنوب من طرف إسبانيا وفرنسا، وفي مدينتي سبتة ومليلة.

بالنسبة للحركة الوطنية، كان استكمال تحرير هذه المناطق مهمة أساسية أداتها جيش التحرير. وافق محمد الخامس على تكليف جيش التحرير بهذه المهمة في المناطق الجنوبية وبعض مواقع الصحراء الشرقية، إلا أن ذلك لم يخف عناصر خلاف أخرى بين الطرفين.

بالنسبة لقادة المقاومة وجيش التحرير المجتمعين في مؤتمر مدريد شهر يناير 1956، لم يكن استكمال التحرير المهمة الوحيدة بعد عودة محمد الخامس، فإلى جانبها خلص المؤتمر إلى جعل جيش التحرير النواة الأولى للجيش المغربي، ومحاكمة «الخونة» الذين تعاملوا مع الاستعمار ضد بلادهم، ومصادرة أملاكهم. في المقابل، كان ولي العهد الأمير الحسن، وعناصر أخرى من قيادة جيش التحرير، يرون أن حل هذا الأخير ودمجه في الجيش الملكي لا يجب أن يكون بالضرورة بمعزل عن الضباط المغارية الموروثين عن الجيشين الاستعماريين الفرنسي والإسباني.

حسم الأمر لصالح الخيار الثاني بعد اغتيال عباس المسعدي صيف 1956، وتولي ولي العهد الحسن الثاني، قيادة الجيش الملكي انضم إليه بعض أعضاء جيش التحرير، لكن قيادته وتأطيره تولاها ضباط مغاربة وفرنسيون اشتغلوا، سابقا، في صفوف الجيشين الاستعماريين.

اعتبر حزب الاستقلال، ولم يكن قد انفصل بعد عن مقاوميه القدماء، أن القصر يسير نحو إبعاد الحركة الوطنية عن المشاركة التي تستحقها في تسيير الأجهزة الإدارية والأمنية الأساسية للمغرب المستقل، خاصة بعد تعيين قلة من أعضائها على رأس العمالات منذ 1956، مقابل أغلبية من العمال الذين لم يكن لهم ماض في المقاومة، وتعيين رئيس حكومة من خارج حزب الاستقلال.

يتذكر محمد بنسعيد آيت يدر، في حديثه لـ «زمان»، اجتماعا كانت دعت إليه قيادة جيش التحرير سنة 1958،

«بعد توصلنا بمعلومات تفيد تحضير الفرنسيين والإسبان للهجوم على مواقعنا في بويزكارن ونواحيها، بعد عملية إيكوفيون، نظم اجتماع حضره ولي العهد الحسن الثاني والمهدي بنبركة والفقيه البصري وعلال الفاسي ومحمد العزاوي ومحمد بنحمو، قائد جيش تحرير الجنوب. بعدما عرضت الموضوع، قال ولي العهد إنه مستعد لإرسال ثلاثة فيالق من الجيش الملكي لدعمنا، فرد عليه بنحمو:

“ما تسيفطش لينا دوك الخونة أسميت سيدي”

ليردف ولي العهد، بأن هؤلاء لم تكن لهم فرص للمشاركة في المقاومة، وهذه فرصة نفتحها لهم اليوم».

اعتبر مقاومون أخرون الأمر منطقيا بالنظر للكفاءة الإدارية لقدماء المشتغلين في الإدارة والجيش الفرنسي قبل الاستقلال، ومنهم من التحق بالجيش الملكي، ظل التعاون بين الطرفين مستمرا إلى غاية نهاية 1956، على الأقل إذ شاركا معا في تأسيس جيش تحرير الجنوب من العناصر التي لم تندمج في الجيش الملكي، على أساس أن تدعمه الحكومة المغربية بالمال، ويدعمه الجيش الملكي بالسلاح.

يوضح الهاشمي ناضل، قائد المقاطعة 9 لجيش التحرير الجنوب وأحد قادة أول هجوم نظمه هذا الجيش ضد الفرنسيين في موريطانيا، في أحد حواراته:

“جاء إلينا عبد الكريم الخطيب، والمحجوبي أحرضان، ولم نكن نعرفه، وشخص آخر لم نعرفه أيضا في الخميسات حيث كنت أشرف على فرقة لجيش التحرير رفقة إبراهيم المانوزي، أخبرونا أن سيدنا يأمرنا بوضع السلاح بعد عودته من المنفي. قبل بعضنا وضع السلاح ورفض أخرون. كنت من الذين رفضوا، فبقيت في جنان ماست مع ابراهيم المانوزي وفرقتنا، قرب أجدير حوالي 30 كيلومترا على خنيفرة، لكن بعد اغتيال عباس المسعدي “تقلبات الدنيا”.

جاء محمد الخامس ووزراء في حكومة البكاي، وتقرر دخولنا إلى الجيش الملكي، قدمنا إلى الرباط ونظم اجتماع حضره ولي العهد والجنرال الكتاني، خيرونا بين الالتحاق بالجيش الملكي، أو الوظيفة، كل حسب مستواه التعليمي، قلت إنني لا أود الالتحاق بالجيش، إذ أنوي العودة لتجارتي التي تركتها في الدار البيضاء عندما اضطررت للهرب بعد اكتشاف مشاركتي في المقاومة. واللي درناه في سبيل الله.

لكن بقيت مسألة وهي أن الجهاد لم ينته بعد، وإذا كانت هناك حاجة إلي فأنا مستعد للتطوع. بعد مدة اتصل بي عبد الكريم الخطيب ودعاني إلى بيته بالرباط رفقة إبراهيم المانوزي، فأخبرنا أن سيدنا أمر بانطلاق جيش تحرير الجنوب ويدعونا للانضمام إليه”.

فرنسا الضيف الثقيل

لم يكن الفريق الملتف حول ولي العهد والفريق الملتف حول يسار الحركة الوطنية طرفي الصراع الوحيدين غداة استقلال المغرب فإلى جانبهما ظلت فرنسا ضيفا ثقيلا بجنودها وقواعدها العسكرية وأطرها الإدارية ومصالحها الاقتصادية. قبل توجه جيش تحرير الجنوب نحو موريطانيا في يناير 1957، كانت بعض مراكز الجيش الفرنسي، في المناطق التي يفترض أنها حررت منذ 2 مارس 1956، هدفا لعناصره خاصة في الواجهة الشرقية.

في هذا الصدد يشير رحال بوبريك، مدير مركز الدراسات الصحراوية، في مقالة له بعنوان “جيش التحرير بالصحراء عملية إيكوفيون” المنشورة ضمن مؤلف «التراث الصحراوي التاريخ والذاكرة».

“أنه في يوم 6 يوليوز 1956 تم الهجوم على القافلة العسكرية التي تربط أسبوعيا بين أم العشار وتندوف، وأعقبت هذه العملية عدة معارك موجهة ضد الفرنسيين دائما على الواجهة الشرقية في الحدود مع تندوف (مركالة 6 غشت 1956، محاميد الغزلان 6 دجنبر 1956، السويحات 28 دجنبر 1956، الزمول 28 دجنبر 1956، و2 يوم 30 أكتوبر 1956، هذا بالإضافة إلى مناوشات أخرى”.

يتبين أنه تحكم في مواقع هذه العمليات كون قواعد جيش التحرير في هذه الفترة كانت في أقا، قريبا من القوات الفرنسية التي كانت مرابطة على الحدود الجزائرية خاصة تندوف.

يتحدث محمد بنسعيد حول هذه الفترة في “صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي” ويوضح أن الجيش الفرنسي بالمغرب لم يكن محايدا. حيث أن الجنرال كابرييل بوركونت، القائد العام للجيوش الفرنسية بالمغرب، كان يتحرك وسط البلاد كما لو كانت ما تزال خاضعة لمعاهدة الحماية، وقامت الجماهير الشعبية بوضع حواجز في الطرقات الرئيسية لمنع تحركات الجيش الفرنسي لكنه لم يأبه لذلك، ونظم مناورات عسكرية في مواقع مختلفة، إلى حد جعل السلطات المغربية تطلب من الحكومة الفرنسية إبعاد هذا الجنرال من المغرب، ليستبدل بالجنرال كونيي في 2 يوليوز 1956، لم يغير ذلك شيئا من انحياز الجيش الفرنسي لأطراف مغربية ضد أخرى، حفاظا على مصالح فرنسا في مغرب ما بعد الاستقلال، إذ ارتبط اسم الجنرال كونيي بتسريب أسلحة من ثكنة الجيش الفرنسي بمكناس لعدي وبيهي، قائد تافيلالت، أثناء تمرده على الحكومة المغربية سنة 1958.

يظهر تأثير الجيش الفرنسي في التقرير الذي رفعته قيادة جيش تحرير الجنوب لمحمد الخامس أواخر سنة 1959. تحدث هذا التقرير عن

«النشاط الذي يقوم به الجيش الفرنسي الموجود داخل التراب المستقل، ونشاط القنصليات الفرنسية والإسبانية في كل من أكادير وقصر السوق ووجدة، وقد يستغلون عادة أجهزة الدولة المغربية للتجسس على جيش التحرير، ومحاولة القضاء عليه بكل الوسائل، كما أن المطارات الموجودة بالمغرب المستقل هي التي تزود مراكز الجيش الفرنسي في كل من تندوف وأم العشار ويير مكرين وبشار بالتموين والإمدادات الحربية وحتى الهجمات الجوية، تنظم من هذه المطارات على قوات جيش التحرير بالصحراء. كما تزود القوات الإسبانية في كل من إيفني والساقية الحمراء كلما اشتد عليهم حصار جيش التحرير».

فرض الجيش الفرنسي الأمر الواقع على السلطات المغربية في مواجهة جيش التحرير بالجنوب، نظرا لأن رهانات فرنسا الاستعمارية آنئذ كانت كبيرة، خاصة بعد اكتشاف مناجم وثروات طبيعية في مواقع مختلفة من الصحراء الكبرى، حتى إن الفرنسيين خططوا لإقامة نظام خاص بالمناطق الممتدة من موريطانيا إلى حدود السودان عبر الجزائر ومالي وتشاد، في إطار مشروع «المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية»، المعتمد في باريس بموجب قانون 10 يناير 1957، استنادا لما أورده محمد معزوز في مؤلفه « L’Algérie et les étapes Successives de l’amputation du territoire marocaine» وهو المشروع الذي تحفظ عليه المغرب، كما يظهر من وثيقة رسمية لوزارة الخارجية مؤرخة في 8 غشت 1956، أوردها نفس المصدر.

كان التفاف الصحراويين حول محمد الخامس، بعد عودته من المنفي، عنصرا ذا أهمية بالغة في توجيه السياسة الفرنسية نحو التشدد في مواجهة جيش التحرير. منذ 1956 التحق بالرباط حرمة ولد بابانا، وهو زعيم موريطاني ونائب سابق في البرلمان الفرنسي، ومسؤولون من حزب النهضة الموريطاني من بينهم أحمد بابا مسكي، وأحمد ولد جدو، والأمير زكرياء بنحينو، الكاتب العام للحركة الوطنية الموريطانية، ويمثل السود ببلاده. كما جاء وفد من قبائل الركيبات يتقدمه الحبيب ولد البلال حاملا ظهير تعيينه قائدا في تندوف من طرف محمد الخامس، استناد لما يذكره بنسعيد في كتاب “صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي” معتبرا تلك كانت «فرصة ثمينة ضاعت»، ويتساءل:

«لماذا لم تستجب الحكومة المغربية لرغبات هذه الأفواج التي قصدتها؟»

لم يبق للفرنسيين سوى استمالة إسبانيا التي كانت على وئام مع جيش التحرير المغربي، قبل أن يقنعها الفرنسيون بتشكيل جبهة واحدة ضده، توجت بعملية إيكوفيون، التي تعد الثانية من نوعها في المغرب، بعد تحالف الجيش الاستعماريين ضد جيش محمد بن عبد الكريم الخطابي في حرب الريف حوالي 30 سنة قبل ذلك.

جيش التحرير المغربي في مواجهة عواصف الداخل والخارج

في سياق هذه الرهانات المتناقضة، تحرك جيش تحرير الجنوب انطلاقا من كلميم بقيادة محمد بنحمو، وانضم إليه المتطوعون من مختلف القبائل الصحراوية. واجه الفرنسيين في موريطانيا، تم الإسبان في آيت باعمران، والمناطق الصحراوية التي كانوا يحتلونها، منذ يناير 1957 وإلى غاية حله في فبراير 1960.

يتذكر الهاشمي ناضل متأسفا على تأثير المشاكل السياسية على مسيرة التحرير.

“خضنا 64 معركة استشهد فيها شهداء وسقط جرحى، لا يذكرهم أحد إلى اليوم”

في نونبر 1957 كان جيش التحرير قد تمكن من طرد الجيش الإسباني من طانطان والسمارة وأوسرد إلى طرفاية والعيون والداخلة، ثم قصف مدينة العيون، وشن هجمات أخرى عديدة، ف «أضحت عاصمة المستعمرة، العيون، معزولة عن الشاطئ الذي كان منفذها الوحيد على جزر الكناري، وأضحى الجنود والمدنيون الإسبان محاصرين في طرفاية والعيون والداخلة».

يشير تطور المعارك إلى أن جيش التحرير كان قريبا من تحرير هذه المدن الثلاثة، وطرد الإسبان منها تماما، كما كان قريبا من تحرير مدينة ايفني عاصمة ايت باعمران. لكن عملية إيكوفيون، في فبراير 1958، مكنت القوات الإسبانية من إعادة احتلال الصحراء، واسترجاع مواقعها العسكرية في السمارة والكتلة وبئر أنزران وأوسرد وتشلة، رغم أن هذه المواقع ظلت دفاعية، فالجنود لا يغادرون مراكزهم إلا نادرا.

كان وقع هذه المجزرة الرهيبة، والتي استهدفت المدنيين، وليس فقط عناصر جيش التحرير، كبيرا. مع ذلك، استطاع المقاومون فرض التفاوض على الإسبان من أجل تسليم طرفاية وطانطان إلى المغرب مقابل وقف إطلاق النار. استرجعت المدينتان في أبريل 1958، كما حررت أجزاء واسعة من منطقة أيت باعمران، باستثناء مدينة إيفني، التي لم تسترجع سوى سنة 1969.

جيش التحرير المغربي وتوقف مسيرة تحرير الصحراء

توقفت مسيرة التحرير، ليس فقط بسبب اتفاق وقف إطلاق النار مع إسبانيا، لكن أيضا بسبب الصراعات السياسية التي هزت جيش التحرير من الداخل وانتهت بحله. كما يعتقد بوبريك:

«أن هناك شبه إجماع على أن عملية إيكوفيون هي التي أوقفت مسلسل تحرير الصحراء في هذه الفترة التاريخية، ولكننا لا نرجح هذا الطرح، ففي تاريخ حركات التحرر لم تكن أبدا الهزيمة في معركة ما، مهما بلغت خسائرها هي العامل الحاسم في توقيف عجلة الكفاح المسلح (…) كان بإمكان الجيش إعادة ترتيب أوراقه واستعادة المبادرة، خاصة أن المقاتلين المنسحبين كانوا لا يزالون متحمسين لمواصلة حمل السلاح والعودة إلى ساحة المعركة، لو كانت توفرت الشروط، ولم ينزع منهم السلاح، ويقحم بهم في صراعات جانبية».

توضح بعض الشهادات التي جمعها علي العمري، في مؤلفه “المقاومة الصحراوية والعمل الوطني” من صحراويين شاركوا في جيش التحرير، وشهادات أخرى لبعض قادته أن هناك أطروحتين أساسيتين في تفسير أسباب هذه الصراعات.

الأطروحة الأولى لـ ضياع الصحراء

تذهب هذه الأطروحة إلى أن قيادة جيش التحرير، القادمة من المناطق الشمالية، همشت القيادات الصحراوية وخاصة بعض شيوخ قبيلة الركيبات، وتعاملت معهم بما يخالف مكانتهم، ما أدى ببعضهم إلى التمرد على تلك القيادة، بل وصل الأمر بزعماء مثل خطري ولد سعيد الجماني، إلى الانضمام للفرنسيين في تندوف ضد جيش التحرير والقبائل المساندة له، وضد المغرب عموما، قبل أن يراجع موقفه لاحقا.

فوفق ما نقله علي العمري عن محمد يحيي ولد غنجة، أحد أعضاء جيش التحرير. فإن:

« سبب الخلاف بين خطري وقادة جيش التحرير هو أن التسيير للخميسات والمسيويين كبنحمو ولو أنهم قليلون. فالخميسات والمسيويون كلهم قياد ورياس، إن خطرى كان مخلصا ومغربيا وسبب الخلاف في جيش التحرير هو الصراع بين الخميسات وبنحمو، ثم بعد ذلك مع الصحراويين، فقد نكلوا بنفعي ولد عمر (من الركيبات) وهو عسكري هرب من الجيش الفرنسي من ناحية الزمول، وجاء إلى قيادة جيش التحرير بكلميم ب 105 جمال و15 عسكريا. ولما طالب بحقه، جعلوه في مطمورة زرع أغلقوها عليه بحجرة».

بدوره يوضح الحسين صفر ولد عمر، وكان من قادة جيش التحرير الصحراويين، في نفس المصدر، أن «جماعة أيت أربعين هي أساس جيش التحرير، وتضم كل أعيان الصحراء. (…) إن ما وقع لجيش التحرير لاحقا هو أن قياد الداخل (أي القادمين من الشمال) فرضوا رأيهم، ولو أن هذه القيادة اتبعت تخطيط العرب (يقصد الصحراويين على الأرجح) ما وقع سوء، فإلى حد الآن لم يعترف أهل الداخل بما صنعنا. لما وضع سلاح جيش التحرير تفرقت أيت أربعين. إن السلطة الحقيقية كانت للقيادة العليا وليس لآيت أربعين».

الأطروحة الثانية زمن المؤامرات

أما الأطروحة الثانية، فتتحدث عن مؤامرات مستمرة تعرض لها جيش التحرير من قبل طرف سياسي مغربي، كانت وراء تمردات الصحراويين أو عملت على استغلالها، من أجل ضرب هذا الجيش، وذلك باعتباره خاضعا لنفوذ الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، خاصة بعد انشقاقه عن حزب الاستقلال ابتداء من يناير 1959.

تربط وجهة النظر هاته بين إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم، واستهداف الاتحاد الوطني باعتقال بعض قادته منذ أواخر 1959، وحل جيش التحرير في الجنوب في السنة الموالية.

يعتبر بنسعيد أيت يدر أن توليه قيادة الحزب في أكادير في وقت كان فيه عضوا في قيادة جيش التحرير، كان خطأ. إذ اضطر لذلك بعد إحجام عباس القباج وأحمادو الحاج عن تولي هذه المهمة في أكادير، لكن بنسعيد يؤكد أنه كان يمارس نشاطه الحزبي بعيدا عن فضاءات الجيش، مهما كانت أخطاء التيار الذي كان ينتمي إليه، يعتقد بنسعيد أن الهدف الرئيس لخصومه كان إسقاط حكومة إبراهيم، وضرب التيار الذي تمثله، ولو أثر ذلك على مسيرة التحرير. ويستدل على ذلك قائلا:

بعد عملية إيكوفيون وقعت محادثات بين الملحق العسكري في السفارة الاسبانية وقيادة جيش التحرير على أساس أن نتبادل إطلاق سراح الأسرى، خاصة أن زوجة رجل الأعمال على بوعيدة كانت معتقلة، وكان من أهم مدعمي جيش التحرير في الصحراء. قلنا للإسبانين إننا مستعدون للتفاوض على كل شيء، وليس فقط قضية المعتقلين. قالوا لنا أن الساقية الحمراء وواد الذهب أراض إسبانية سيكون صعبا عليهم تبرير التخلي عنها للشعب الإسباني، لكن ذلك سيصبح أيسر إذا كان هناك بديل، واقترحوا أن يكون هذا البديل هو تخل المغرب عن المطالبة باسترجاع سبتة ومليلية، مقابل انسحاب إسبانيا من الساقية الحمراء وواد الذهب، قلنا لهم أن هذا شأن يهم الشعب المغربي كله، وليست لنا صلاحية القرار فيه. لكننا وعدناهم أن نحل المشكل سلميا بالتفاوض، ونحترم وقف إطلاق النار.

على هذا الأساس، بدأت المفاوضات مع أحمد بلافريج (حكومة 1958)، وهي التي تم بعدها استرجاع طرفاية وطانطان رسميا، ثم على عهد عبد الله إبراهيم الذي تابع معهم المفاوضات. وكانوا مهيئين للوصول إلى حل. عندما بدأ الاستعداد لحل جيش التحرير، أرسل الجنرال محمد أمزيان من الرباط، رغم أنه لم يكن عين بعد في منصب رسمي، إلى الإسبانيين ليخبرهم بوقف المفاوضات لأن الحكومة ستسقط، كما علمنا فيما بعد، كان الهدف ألا تتحقق مكتسبات تنسب إلى تيارنا».

يكشف التقرير، الذي رفعته قيادة جيش تحرير الجنوب إلى محمد الخامس أواخر 1959، تفاصيل أكثر، ويعترف بأخطاء الجيش.

«لقد كان من الأغلاط التي ارتكبها الجيش هو المحافظة على بعض العناصر غير الصالحة في صفوفه، هذه العناصر التي أضرت بسمعة جيش التحرير، وأفسدت كثيرا من خططه السياسية، سواء بأخلاقهم الفاسدة، أو معاملاتهم القبيحة للسكان، أو بأفكارهم السياسية ومواقفهم غير المشرفة في كثير من الأحيان».

يقصد التقرير بعض قيادات جيش التحرير، التي أبعدت بعد اتهامها بمحاولة الانقلاب على محمد بنحمو، ويتهمها بتنفيذ مؤامرات ضد قيادة الجيش، بتنسيق مع المحجوبي أحرضان، عامل الرباط في تلك الفترة، والمنخرط في التحضير رفقة عبد الكريم الخطيب لتأسيس تيار سياسي يعارض حزب الاستقلال، بدعم من ولي العهد، سيسمي لاحقا بحزب الحركة الشعبية.

على سبيل المثال، تكشف الوثيقة أن علال بن عمر، الضابط في جيش التحرير، بعد تكليفه بمهمة ضد الفرنسيين في موريطانيا سنة 1957، «اتصل ببعض رؤساء القبائل الصحراوية الذين يساندون جيش التحرير، وأمرهم أن يذهبوا إلى حال سبيلهم، وقال لهم : لم يبق بالمركز العام من فيه الثقة ليتعامل معكم، وبعث رسلا إلى الذين لم يتمكن من الاتصال بهم، فقفل راجعا إلى مقاطعة توجد بالساقية الحمراء، واتصل بضباط الخميسات الموجودين بتلك المقاطعة، وتذاكر معهم حول مهمته الجديدة، وأخبرهم انه اتصل بالعامل أحرضان والرئيس البكاي وأخبرناه بأن الحكومة تزود جيش التحرير بعدد كبير من الملايين، ولكل ضابط مائة ألف فرنك شهريا، وان الذي يستغل هذه الدراهم هم المسؤولون عن الجيش، وزاد قائلا :

«أن رئيس الحكومة وعدني أن استولينا على قيادة الجيش أن تتسلم ذلك القدر من الدراهم، وحتى إذا لم تنجح الخطة، نقدم استقالتنا وندخل إلى الجيش الملكي، وأن الرئيس البكاي سيقف معنا هو والمحجوبي أحرضان لدى سمو ولي العهد ليدخلنا إلى الجيش الملكي بمراتبنا كضباط».

يحدد التقرير “المؤامرات” التي تعرض لها جيش التحرير في مؤامرة بويزكارن سنة 1957، مؤامرة بعض جنود الركيبات بسيدي أحمد العروصي في يناير 1958، التمرد الثاني لبعض جنود الركيبات بطانطان في 4 دجنبر من السنة نفسها، ثم مؤامرة بوعرفة (استهدفت جيش التحرير في المغرب الشرقي).

لعل أخطر هذه «المؤامرات» تلك التي جرى فيها الاتصال بالفرنسيين في تندوف، حسب نفس الوثيقة، وأدت إلى تمرد خطري ولد سعيد الجماني، وتورط فيها حرمة ولد بابانا. يظهر أن التناقض الأصلي حول مصير جيش تحرير الشمال بعد الاستقلال، هو الذي استمر مع جيش تحرير الجنوب.

الفريق، الذي ينتمي إليه أحرضان والبكاي، أو «الأعيان الملكيين»، الذين رفضوا نفي محمد الخامس ثم انتصبوا بعد الاستقلال ضد حزب الاستقلال، ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كان يريد أن يسيطر على جيش تحرير الجنوب، من خلال بعض الضباط المنحدرين من منطقة زمور، وذلك باسم ولي العهد، قائد الجيش الملكي.

عندما بلغ هذا التناقض حد تمرد قبائل صحراوية مسلحة وسيطرتها على بعض مراكز جيش التحرير، تنظم مؤتمر بوخشيبية في مارس 1959 قصد رأب الصدع، لكن الصراع سرعان ما عاد ليشتد أكثر، خاصة حين اتهم بعض رفاق المهدي بنبركة بالتخطيط لاغتيال ولي العهد في فبراير 1960.

اعتقل محمد بنسعيد في اكادير، وهو عضو في قيادة جيش تحرير الجنوب، بينما تمكن رفيقه عبد السلام الحبلي من الفرار. يؤكد إدريس بنبوبكر، نائب رئيس جيش تحرير الجنوب، أن كل ما كان يقال عن تأمر جيش التحرير على الملك، لا أساس له من الصحة. علما أن إدريس بنبوبكر لم يكن عضوا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والتحق بالجيش الملكي عندما حل جيش تحرير الجنوب.

منعطف تاريخي

كان محمد بلمختار الأنصاري هو الأخر ضابطا في الجيش الملكي التحق به بعدما حل جيش تحرير الشمال، ثم عاش الأنصاري مرة تانية تجربة جيش التحرير عندما عرض عليه ولي العهد الحسن الثاني، قاند الجيش الملكي، الاستقالة والتوجه إلى أيت باعمران لمساعدة بنحمو قائد جيش التحرير، شارك هناك في معارك طاحنة ضد الجيش الإسباني، وعاش لحظات صعبة حين كلف باسترجاع مركز سيطر عليه بعض المتمردين على جيش التحرير، قبل أن تهدأ الأمور بفضل مؤتمر بوخشيبية. كما عاش اللحظات الأصعب التي سبقت حل جيش التحرير.

يتذكر بلمختار، أنه: «في يوم 14 فبراير 1959 كنت مع الشهيد إدريس الحارثي في إقامتنا ببويزكارن حيث استضفنا محمد بن سعيد آيت يدر وعبد السلام الحبلي على مائدة الغذاء. بعد مغادرتهما علمنا أن الشرطة اعتقلتهما. تأزمت الأوضاع كثيرا، فقررت مع الشهيد الحارثي أن نذهب للقاء محمد الخامس بصفته قائد جيش التحرير، ونسلمه استقالتنا. أقنعنا رؤساء مقاطعات جيش التحرير وألزمنا محمد بنحو، رئيس الجيش، بالتوجه معنا إلى القصر الملكي بالرباط، إذ لم يوافقنا الرأي في البداية».

استقبل محمد الخامس هذا الوفد يوم 29 فبراير 1959 يتذكر بلمختار هذا اللقاء قائلا «بادرت بأخذ الكلمة وقلت للملك:

إيلا كان سيدنا تايق فينا راه حنا مازال تايقين فنفسنا ويلا كان سيدنا فقد فينا الثقة راه حنا فقدناها فنفسنا. وأضفت: نعام أسيدي نحن في الصحراء وايت باعمران نحارب العدو، بينما الشرطة تدخل على عائلاتنا هنا وتقتش بيوتنا. رغم أن عائلتي لم تكن ممن تعرضوا للتفتيش أو المضايقة، فرد على الملك: أييه أنت ضراتك خاطرك مللي عائلتك قلبها البوليس، وأنا مايضرنيش خاطري اللي وجهي تخبش فالعالم كامل، محمد الخامس والناس اللي حررو معاه المغرب ولاو اليوم ضدو. بغاو يقتلو ليا ولي العهد. ياك حررنا المغرب؟ آش بغينا نديرو بهاد السلاح اللي كنجبدوه من الحيوط».

يتذكر بلمختار أن محمد بنحمو تدخل إثر ذلك ليقول للملك: «المغرب كله مسلح نعام أسيدي»، فرد عليه محمد الخامس: «لا، دوك اللى كانو معايا هوما اللي مسلحين. واش غاديين يديرو بهاد السلاح الفلاح اللي كيحرث الأرض ديالو ما مسلحش والعامل فالمرسى ما مسلحش».

عبر المعنيون عن استعدادهم لتسليم أسلحتهم وإدخال جيش التحرير في الجيش الملكي، إذا كانت تلك هي رغبة الملك، فقال الأخير إنه لن يجبر أحدا على الجهاد، وأنه سيرد عليهم بعد حين. بقي بلمختار وإدريس الحارثي في الدار البيضاء، حيث فاجأه نبأ زلزال أكادير، فكانت تلك مناسبة تحرك فيها الجيش الملكي لإغاثة السكان، وفي نفس الوقت لجس نبض جيش التحرير.

يوضح بلمختار أن “الكولونيل بنحمو أمحروب والقبطان حبيبي والقبطان النميشي المبعوثين من الجيش الملكي، وقفوا على زيف الإشاعات المغرضة التي كانت تستهدف جيش التحرير، قالوا إنهم يريدون إدخال جميع العناصر التي أشرف عليها في ظرف يومين، فقلت إن العدو على أبواب أيت باعمران، حيث كنا، ولا يعقل أن ننسحب قبل أن يعوضنا الجيش الملكي بعدها تمت عملية الحل والتحق العديد من المتطوعين في جيش التحرير بالجيش الملكي”.

حاول متطوعون آخرون استئناف المقاومة في الصحراء، إلا أن مسيرة التحرير توقفت عند حل جيش التحرير، إلى غاية انتفاضة الزملة التي قادها محمد بصيرى سنة 1970، ثم انتفاضة الشباب الذين أسسوا جبهة البوليساريو بعد ذلك. أولئك الشباب الذين كان جيش التحرير استقدم بعضهم، ومنهم الولي مصطفى السيد، إلى المغرب للدراسة، في إطار الأنشطة الاجتماعية التي كان يقوم بها لصالح سكان الصحراء المغربية.

لم تكن نهاية جيش تحرير الجنوب منعطفا تاريخيا في مسيرة تصفية الاستعمار فقط، بل كذلك في مجربات الصراع بين القصر على عهد الحسن الثاني، ويسار الحركة الوطنية، يكشف بنسعيد أن بعض رفاقه قاموا فعلا بتخزين جزء من أسلحة جيش التحرير ولكنه يؤكد أن ذلك جاء كرد فعل على ما حصل، ولم تكن لهم أية نية قبل ذلك للتأمر على الملك كما كانوا يتهمون. كما يوضح أن الأمر في البداية اقتصر على تخزين تلك الأسلحة دون تحديد مشاريع واضحة لاستعمالها. تراجع بنسعيد وعبد السلام الجبلي عن الخيار الانقلابي منذ سنة 1965، بينما استمر فيه آخرون، وبقي حاضرا في علاقة المسار بالحسن الثاني، منذ حل جيش تحرير الجنوب وإلى غاية أحداث 3 مارس 1973.

المصدر
مجلة زمانمحمد بن سعيد أيت يدر "صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي"علي العمري "المقاومة الصحراوية والعمل الوطني"رحال بوبريك "جيش التحرير بالصحراء عملية إيكوفيون"محمد معزوز « L ' Algérie et les étapes Successives de l ' amputation du territoire marocaine.
الوسوم

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق